الْجِبَالِ بَعْدَمَا نُبِّئَ فَلِضَعْفِ قُوَّتِهِ عَنْ تَحَمُّلِ مَا حَمَلَهُ مِنْ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ، وَخَوْفًا مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِهَا مِنْ مُبَايَنَةِ الْخَلْقِ جَمِيعًا، كَمَا يَطْلُبُ الرَّجُلُ الرَّاحَةَ مِنْ غَمٍّ يَنَالُهُ فِي الْعَاجِلِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ زَوَالُهُ عَنْهُ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ عَاجِلًا، حَتَّى إِذَا تَفَكَّرَ فِيمَا فِيهِ صَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَةِ صَبَرَ وَاسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ.
قُلْتُ: أَمَّا الْإِرَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الزِّيَادَةِ الْأُولَى فَفِي صَرِيحِ الْخَبَرِ أَنَّهَا كَانَتْ حُزْنًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ وَرَقَةُ وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ أَنْ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ وَقَالَ لَهُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَوَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ مَجِيءِ جِبْرِيلَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِمَّا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَفِيهِ: فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا قَالَ فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقِ جَبَلٍ أَيْ مِنْ عُلُوِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ وَضَوْءَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ هَذَا عَلَى الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِنَّمَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْإِصْبَاحَ وَلَفْظُ: فَالِقُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَلِإِيرَادِ الْبُخَارِيِّ وَجْهٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ التَّفْسِيرِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إِنَّ الْفَلَقَ الصُّبْحُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ هُنَا عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ قَالَ إِضَاءَةُ الصُّبْحِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِفَلَقِ الصُّبْحِ إِضَاءَتُهُ، وَالْفَالِقُ اسْمُ فَاعِلِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ: الْإِصْبَاحُ خَالِقُ النُّورِ نُورِ النَّهَارِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْفَلْقُ شَقُّ الشَّيْءِ، وَقَيَّدَهُ الرَّاغِبُ بِإِبَانَةِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْهُ فَلَقَ مُوسَى الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ، وَنَقَلَ الْفَرَّاءُ أَنَّ فَطَرَ وَخَلَقَ وَفَلَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّقُّ الَّذِي فِي الْحَبَّةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَفِي النَّوَاةِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى تَقْيِيدِ الرَّاغِبِ، وَالْإِصْبَاحُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَصْبَحَ إِذَا دَخَلَ فِي الصُّبْحِ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي … بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
٢ - بَاب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾
٦٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
[الحديث ٦٩٨٣ - طرفه في: ٦٩٩٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ) الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْفَاعِلِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحِ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلِ الْجِنْسُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.
وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُحَلِّقِينَ، قَالَ: فَلَمَّا نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَالَ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ رُؤْيَاكَ؟ فَنَزَلَتْ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قَالَ: النَّحْرُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَرَجَعُوا فَفَتَحُوا خَيْبَرَ أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ النَّحْرُ وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحُ خَيْبَرَ. قَالَ: ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَأْوِيلُ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ: هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ حِكَايَةٌ لِمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَنَامِهِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مُسْتَقْبَلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقِيلَ: هِيَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ عُمُومِ الْمُخَاطَبِينَ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ قُتِلَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) هَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِهِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِكَوْنِهَا حَسَنَةً وَلَا بِأَنَّ رَائِيَهَا صَالِحٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْحَسَنَةِ هُنَا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ عَكْسِهِمْ فَإِنَّ الصِّدْقَ فِيهَا نَادِرٌ لِغَلَبَةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: فَالنَّاسُ عَلَى هَذَا ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الْأَنْبِيَاءُ وَرُؤْيَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَالصَّالِحُونَ وَالْأَغْلَبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَمَنْ عَدَاهُمْ يَقَعُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ وَالْأَضْغَاثُ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَسْتُورُونَ؛ فَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ فِي حَقِّهِمْ، وَفَسَقَةٌ؛ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الْأَضْغَاثُ وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْقُ، وَكُفَّارٌ وَيَنْدُرُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ جِدًّا وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي رُؤْيَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ ﵇ وَرُؤْيَا مَلِكِهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ هِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْنَى صَلَاحِهَا اسْتِقَامَتُهَا وَانْتِظَامُهَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِقِ لَا تُعَدُّ فِي أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: تُعَدُّ مِنْ أَقْصَى الْأَجْزَاءِ، وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِرِ فَلَا تُعَدُّ أَصْلًا.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُسْلِمُ الصَّادِقُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَالَ الْأَنْبِيَاءِ فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَهُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُخَلِّطُ فَلَا، وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ يَكُونُ خَبَرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ. وَقَوْلُهُ: مِنَ الرَّجُلِ ذُكِرَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بِلَفْظِ: سِتَّةٍ كَالْجَادَّةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَسَنَدُهَا ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي
شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَالْجَادَّةِ.
وَلِابْنِ مَاجَهْ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْجَادَّةِ، وَسَيَأْتِي لِلْبُخَارِيِّ قَرِيبًا، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَرِيبٍ بِمُهْمَلَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَالْجَادَّةِ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَالْجَادَّةِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَرْبَعِينَ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُبَادَةَ كَالْجَادَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِلَفْظِ: سَبْعَةٍ بِتَقْدِيمِ السِّينِ، فَحَصَلْنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ أَقَلُّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَأَكْثَرُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَبَيْنَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِينَ، أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّلُ وَيَلِيهِ السَّبْعِينَ.
وَوَقَعَ فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ وَفِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا أَعْرِفُ مَنْ أَخْرَجَهُمَا إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ نَسَبَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ لِتَخْرِيجِ الطَّبَرِيِّ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَفِي أُخْرَى: اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي أُخْرَى: سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي أُخْرَى: خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَبَلَغَتْ عَلَى هَذَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَفْظًا.
وَقَدْ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟ ثُمَّ قَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ وَلَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لَفْظَ النُّبُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ لُغَةً، فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى أَنَّ الرُّؤْيَا خَبَرٌ صَادِقٌ مِنَ اللَّهِ لَا كَذِبَ فِيهِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى النُّبُوَّةِ نَبَأٌ صَادِقٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَشَابَهَتِ الرُّؤْيَا النُّبُوَّةَ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالنُّبُوَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرُ بِالْغَيْبِ لَا غَيْرَ وَإِنْ كَانَ يَتْبَعُ ذَاكَ إِنْذَارٌ أَوْ تَبْشِيرٌ فَالْخَبَرُ بِالْغَيْبِ أَحَدُ ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ يُقَرِّرُ الشَّرْعَ وَيُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فِي طُولِ عُمْرِهِ بِغَيْبٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي نُبُوَّتِهِ وَلَا مُبْطِلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَالْخَبَرُ بِالْغَيْبِ مِنَ النَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا صِدْقًا وَلَا يَقَعُ إِلَّا حَقًّا، وَأَمَّا خُصُوصُ الْعَدَدِ فَهُوَ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ حَقَائِقِ النُّبُوَّةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ
غَيْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ سَبَقَ بِهَذَا الْجَوَابِ جَمَاعَةٌ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْشِفُوهُ وَلَمْ يُحَقِّقُوهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِفُ عِنْدَهُ، فَمِنْهُ مَا يَعْلَمُ الْمُرَادَ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَأَبْدَى لَهَا مُنَاسَبَةً؛ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ السَّفَاقِسِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ فِي الْمَنَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ بَقِيَّةَ مُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَنِسْبَتُهَا مِنَ الْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا التَّأْوِيلُ يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَوْتِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ السَّبْعِينَ جُزْءًا بِغَيْرِ مَعْنًى.
قُلْتُ: وَيُضَافُ إِلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَعْدَادِ الْوَاقِعَةِ. وَقَدْ سَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى إِنْكَارِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فَقَالَ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْعَدَدِ قَوْلًا لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بَعْدَ الْوَحْيِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي مَنَامِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَهُ أَنْ يُثْبِتَ بِمَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَئِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَحْسُوبَةً مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فَلْيُلْحَقْ بِهَا سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِيهَا فِي مَنَامِهِ فِي طُولِ الْمُدَّةِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةِ الْقَدْرِ، وَالرُّؤْيَا فِي أُحُدٍ وَفِي دُخُولِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَتَلَفَّقُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةٌ أُخْرَى وَتُزَادُ فِي الْحِسَابِ فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا.
قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ مَا تَأَوَّلَهُ الْمَذْكُورُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ لَا يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي مُوجَبِ اعْتِقَادِنَا لِلُزُومِهَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ تَفْصِيلَ هَذَا الْعَدَدِ وَحَصْرَ النُّبُوَّةِ مُتَعَذِّرٌ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَمْتِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ تَحْقِيقُ أَمْرِ الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا مِمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ وَالْأَنْبَاءِ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُ بِهَا الْوَحْيُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَبِلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُنَاسَبَةَ الْمَذْكُورَةَ وَأَجَابُوا عَمَّا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ.
أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَحْيِ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ ﷺ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَنُزُولُ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِغَارِ حِرَاءٍ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرُّؤْيَا.
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ زَمَنَ الرُّؤْيَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَمَّا مَا أَلْزَمَهُ بِهِ مِنْ تَلْفِيقِ أَوْقَاتِ الْمَرَائِي وَضَمِّهَا إِلَى الْمُدَّةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ وَحْيُ الْمَنَامِ الْمُتَتَابِعُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي غُضُونِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَهُوَ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَهُوَ مَغْمُورٌ فِي جَانِبِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِمُدَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا اعْتَمَدُوهُ فِي نُزُولِ الْوَحْيِ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى تَقْسِيمِ النُّزُولِ إِلَى مَكِّيٍّ وَمَدَنِيٍّ قَطْعًا؛ فَالْمَكِّيُّ: مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ وَقَعَ بِغَيْرِهَا مَثَلًا كَالطَّائِفِ وَنَخْلَةَ، وَالْمَدَنِيُّ: مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ وَقَعَ وَهُوَ بِغَيْرِهَا كَمَا فِي الْغَزَوَاتِ وَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَتَّى مَكَّةَ.
قُلْتُ: وَهُوَ
اعْتِذَارٌ مَقْبُولٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَعْدَادِ أَنَّهُ وَقَعَ بِحَسَبِ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ مَجِيءِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ وَقْتَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا أَكْمَلَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ بَعْدَهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيَاتِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ فَضَعِيفٌ، وَرِوَايَةُ الْخَمْسِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِجَبْرِ الْكَسْرِ، وَرِوَايَةُ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وَهَذِهِ مُنَاسَبَةٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مُنَاسَبَةٌ لِلسَّبْعِينَ ظَاهِرَةُ التَّكَلُّفِ وَهِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَا بِشَارَةُ عِيسَى وَدَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَرَأَتْ أُمِّي نُورًا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تُضْرَبُ فِي مُدَّةِ نُبُوَّتِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً تُضَافُ إِلَى أَصْلِ الرُّؤْيَا فَتَبْلُغُ سَبْعِينَ.
قُلْتُ: وَيَبْقَى فِي أَصْلِ الْمُنَاسَبَةِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْحَدِيثِ إِرَادَةُ تَعْظِيمِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ، وَالْمُنَاسَبَةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْخَبَرِ عَلَى صُورَةِ مَا اتَّفَقَ لِنَبِيِّنَا ﷺ كَأَنَّهُ قِيلَ: كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّنَا فِيهَا فِي الْمَنَامِ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيهَا فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ رُؤْيَا لِكُلِّ صَالِحٍ تَكُونُ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ التَّعْمِيمِ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ أَصْلًا، وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُؤَيِّدِ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا نَوْعَ مُنَاسَبَةٍ فَقَطْ، وَيُعَكِّرَ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ الْأَجْزَاءِ.
(تَنْبِيهٌ):
حَدِيثُ الْهَدْيِ الصَّالِحِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرَخْسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِلَفْظِ: مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ أَبْدَى غَيْرُ الْخَطَّابِيِّ الْمُنَاسَبَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا جَمَاعَةٌ أَوَّلُهُمُ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: رِوَايَةُ السَّبْعِينَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ رُؤْيَا صَادِقَةٍ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَرِوَايَةُ الْأَرْبَعِينَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ الصَّالِحِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَبِالنِّسْبَةِ لِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْعَدَدِ قِلَّةً وَكَثْرَةً فَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهَا: مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِنْ سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الرُّؤْيَا تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: جَلِيَّةً ظَاهِرَةً كَمَنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُعْطَى تَمْرًا فَأُعْطِيَ تَمْرًا مِثْلَهُ فِي الْيَقَظَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا إِغْرَابَ فِي تَأْوِيلِهَا وَلَا رَمْزَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَمَرْمُوزَةٌ بَعِيدَةُ الْمَرَامِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَقُومُ بِهِ حَتَّى يَعْبُرَهُ إِلَّا حَاذِقٌ لِبُعْدِ ضَرْبِ الْمَثَلِ فِيهِ، فَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا مِنَ السَّبْعِينَ وَالْأَوَّلَ مِنَ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ إِذَا قَلَّتِ الْأَجْزَاءُ كَانَتِ الرُّؤْيَا أَقْرَبَ إِلَى الصِّدْقِ وَأَسْلَمَ مِنْ وُقُوعِ الْغَلَطِ فِي تَأْوِيلِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَثُرَتْ.
قَالَ: وَقَدْ عَرَضْتُ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَحَسَّنُوهُ وَزَادَنِي بَعْضُهُمْ فِيهِ أَنَّ النُّبُوَّةَ عَلَى مِثْلِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ تَلَقَّاهَا الشَّارِعُ عَنْ جِبْرِيلَ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مَرَّةً فَيُكَلِّمُهُ بِكَلَامٍ فَيَعِيهِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَمَرَّةً يُلْقِي إِلَيْهِ جُمَلًا وَجَوَامِعَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَمْلُهَا حَتَّى تَأْخُذَهُ الرَّمْضَاءُ وَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْعَرَقُ ثُمَّ يُطْلِعُهُ اللَّهُ عَلَى بَيَانِ مَا أَلْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا. وَلَخَّصَهُ الْمَازِرِيُّ فَقَالَ: قِيلَ إِنَّ الْمَنَامَاتِ دَلَالَاتٌ، وَالدَّلَالَاتُ مِنْهَا مَا هُوَ جَلِيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ، فَالْأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْجَلِيُّ وَالْأَكْثَرُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْخَفِيُّ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ النُّبُوَّةَ جَاءَتْ بِالْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَا يَكُونُ فِيهِ إِجْمَالٌ مَعَ كَوْنِهِ مُبَيَّنًا فِي مَوْضِعٍ آخَرُ، وَكَذَلِكَ الْمَرَائِي مِنْهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ فَالَّذِي يَفْهَمُهُ الْعَارِفُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي يَعْرُجُ عَلَيْهِ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ
النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ يَكْثُرُ مَرَّةً وَيَقِلُّ أُخْرَى بِحَسَبِ فَهْمِهِ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ، وَأَدْنَاهُمُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعَدَدِ، وَمَنْ عَدَاهُمَا مَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّجْزِئَةُ فِي طُرُقِ الْوَحْيِ؛ إِذْ مِنْهُ مَا سُمِعَ مِنَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَمِنْهُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِلْهَامِ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الْمَلَكُ وَهُوَ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ مَعْرُوفٍ أَوْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي النَّوْمِ، وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَمِنْهُ مَا يُلْقِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ وَمِمَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْحَالَاتُ إِذَا عُدِّدَتِ انْتَهَتْ إِلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّسَاهُلِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأَعْدَادَ إِنَّمَا هِيَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ، وَأَكْثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ لِغَيْرِ النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِ يَعْرِفُ الْمَلَكَ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ يَأْتِيهِ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ ثُمَّ مَعَ هَذَا التَّكَلُّفِ لَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ مَا ذَكَرَ عِشْرِينَ فَضْلًا عَنْ سَبْعِينَ.
قُلْتُ: وَالَّذِي نَحَاهُ الْقَاضِي سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْحَلِيمِيُّ فَقَرَأْتُ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْقُونَوِيِّ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَخْتَصُّونَ بِآيَاتٍ يُؤَيَّدُونَ بِهَا لِيَتَمَيَّزُوا بِهَا عَمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، كَمَا تَمَيَّزُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ فَيَكُونُ لَهُمُ الْخُصُوصُ مِنْ وَجْهَيْنِ: فَمَا هُوَ فِي حَيِّزِ التَّعْلِيمِ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَمَا هُوَ فِي حَيِّزِ التَّأْبِيدِ هُوَ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ، قَالَ: وَقَدْ قَصَدَ الْحَلِيمِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَيَانَ كَوْنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الْخَصَائِصِ الْعِلْمِيَّةِ لِلْأَنْبِيَاءِ تَكَلَّفَ فِي بَعْضِهَا حَتَّى أَنْهَاهَا إِلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَتَكُونُ الرُّؤْيَا وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ، فَأَعْلَاهَا تَكْلِيمُ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.
ثَانِيهَا: الْإِلْهَامُ بِلَا كَلَامٍ بَلْ يَجِدُ عِلْمَ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مَا يُوصِلُ إِلَيْهِ بِحِسٍّ أَوِ اسْتِدْلَالٍ.
ثَالِثُهَا: الْوَحْيُ عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ يَرَاهُ فَيُكَلِّمُهُ.
رَابِعُهَا: نَفْثُ الْمَلَكِ فِي رَوْعِهِ وَهُوَ الْوَحْيُ الَّذِي يَخُصُّ بِهِ الْقَلْبَ دُونَ السَّمْعِ، قَالَ: وَقَدْ يَنْفُثُ الْمَلَكُ فِي رَوْعِ بَعْضِ أَهْلِ الصَّلَاحِ لَكِنْ بِنَحْوِ الْإِطْمَاعِ فِي الظَّفَرِ بِالْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي الشَّيْءِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ الشَّيْءِ فَيَزُولُ عَنْهُ بِذَلِكَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ بِحُضُورِ الْمَلَكِ لَا بِنَحْوِ نَفْيِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَإِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ.
خَامِسُهَا: إِكْمَالُ عَقْلِهِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ فِيهِ عَارِضٌ أَصْلًا.
سَادِسُهَا: قُوَّةُ حِفْظِهِ حَتَّى يَسْمَعَ السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ فَيَحْفَظُهَا مِنْ مَرَّةٍ وَلَا يَنْسَى مِنْهَا حَرْفًا.
سَابِعُهَا: عِصْمَتُهُ مِنَ الْخَطَإِ فِي اجْتِهَادِهِ.
ثَامِنُهَا: ذَكَاءُ فَهْمِهِ حَتَّى يَتَّسِعَ لِضُرُوبٍ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ.
تَاسِعُهَا: ذَكَاءُ بَصَرِهِ حَتَّى يَكَادَ يُبْصِرُ الشَّيْءَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ.
عَاشِرُهَا: ذَكَاءُ سَمْعِهِ حَتَّى يَسْمَعَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ مَا لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ.
حَادِي عَشَرَهَا: ذَكَاءُ شَمِّهِ كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ فِي قَمِيصِ يُوسُفَ.
ثَانِي عَشَرَهَا: تَقْوِيَةُ جَسَدِهِ حَتَّى سَارَ فِي لَيْلَةٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً.
ثَالِثَ عَشَرَهَا: عُرُوجُهُ إِلَى السَّمَاوَاتِ.
رَابِعَ عَشَرَهَا: مَجِيءُ الْوَحْيِ لَهُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ.
خَامِسَ عَشَرَهَا: تَكْلِيمُ الشَّاةِ.
سَادِسَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ النَّبَاتِ.
سَابِعَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ الْجِذْعِ.
ثَامِنَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ الْحَجَرِ.
تَاسِعَ عَشَرَهَا: إِفْهَامُهُ عُوَاءَ الذِّئْبِ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ رِزْقًا.
الْعِشْرُونَ: إِفْهَامُهُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَسْمَعَ الصَّوْتَ وَلَا يَرَى الْمُتَكَلِّمَ.
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: تَمْكِينُهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْجِنِّ.
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: تَمْثِيلُ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّبَةِ لَهُ كَمَا مُثِّلَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ.
الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: حُدُوثُ أَمْرٍ يَعْلَمُ بِهِ الْعَاقِبَةَ كَمَا قَالَ فِي النَّاقَةِ لَمَّا بَرَكَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ: حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ.
الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:: اسْتِدْلَالُهُ بِاسْمٍ عَلَى أَمْرٍ كَمَا قَالَ لَمَّا جَاءَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: قَدْ سَهُلَ لَكُمُ الْأَمْرُ.
السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَنْظُرَ شَيْئًا عُلْوِيًّا فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَمْرٍ يَقَعُ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ.
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: رُؤْيَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ.
الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: اطِّلَاعُهُ عَلَى أَمْرٍ وَقَعَ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ
كَمَا قَالَ فِي حَنْظَلَةَ: رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ وَكَانَ قُتِلَ وَهُوَ جُنُبٌ.
التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى فُتُوحِ مُسْتَقْبَلٍ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ.
الثَّلَاثُونَ: اطِّلَاعُهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي الدُّنْيَا.
الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْفِرَاسَةُ.
الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: طَوَاعِيَةُ الشَّجَرَةِ حَتَّى انْتَقَلَتْ بِعُرُوقِهَا وَغُصُونِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ثُمَّ رَجَعَتْ.
الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: قِصَّةُ الظَّبْيَةِ وَشَكْوَاهَا لَهُ ضَرُورَةَ خِشْفِهَا الصَّغِيرِ.
الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا بِحَيْثُ لَا تُخْطِئُ.
الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْحَزْرُ فِي الرُّطَبِ وَهُوَ عَلَى النَّخْلِ أَنَّهُ يَجِيءُ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنَ التَّمْرِ فَجَاءَ كَمَا قَالَ.
السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى الْأَحْكَامِ.
السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى سِيَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى هَيْئَةِ الْعَالَمِ وَتَرْكِيبِهِ.
التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى مَصَالِحِ الْبَدَنِ بِأَنْوَاعِ الطِّبِّ
الْأَرْبَعُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى وُجُوهِ الْقُرُبَاتِ.
الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى الصِّنَاعَاتِ النَّافِعَةِ.
الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا سَيَكُونُ. الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ.
الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: التَّوْقِيفُ عَلَى أَسْرَارِ النَّاسِ وَمُخَبَّآتِهِمْ.
الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَعْلِيمُ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ.
السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى طَرِيقِ التَّلَطُّفِ فِي الْمُعَاشَرَةِ.
قَالَ: فَقَدْ بَلَغَتْ خَصَائِصُ النُّبُوَّةِ فِيمَا مَرْجِعُهُ الْعِلْمُ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا لَيْسَ مِنْهَا وَجْهٌ إِلَّا وَهُوَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِبًا لِلرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَكِنَّهُ لِلنَّبِيِّ لَا يُخْطِئُ أَصْلًا وَلِغَيْرِهِ قَدْ يَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْفَقْرِ وَالزُّهْدِ مِنَ الْإِحْيَاءِ، لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ الْفَقِيرُ الْحَرِيصُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ لِأَنَّ هَذِهِ نِسْبَةُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسمِائَةِ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ تَقْدِيرَ النَّبِيِّ ﷺ يَتَجَزَّأُ عَلَى لِسَانِهِ كَيْفَ مَا اتَّفَقَ بَلْ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِحَقِيقَةِ الْحَقِّ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ تَقْدِيرُ تَحْقِيقٍ، لَكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ غَيْرِهِ أَنْ يَعْرِفَ عِلَّةَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إِلَّا بِتَخْمِينٍ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النَّبِيُّ وَيُفَارِقُ بِهِ غَيْرَهُ.
وَهُوَ يَخْتَصُّ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخَوَاصِّ مِنْهَا أَنَّهُ يَعْرِفُ حِقَاقَ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ لَا كَمَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ بَلْ عِنْدَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ وَزِيَادَةِ الْيَقِينِ وَالتَّحْقِيقِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَهُ صِفَةٌ تَتِمُّ لَهُ بِهَا الْأَفْعَالُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَاتِ كَالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا تَتِمُّ لِغَيْرِهِ الْحَرَكَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ، وَلَهُ صِفَةٌ يُبْصِرُ بِهَا الْمَلَائِكَةَ وَيُشَاهِدُ بِهَا الْمَلَكُوتَ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِقُ بِهَا الْبَصِيرُ الْأَعْمَى، وَلَهُ صِفَةٌ بِهَا يُدْرِكُ مَا سَيَكُونُ فِي الْغَيْبِ وَيُطَالِعُ بِهَا مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِقُ بِهَا الذَّكِيُّ الْبَلِيدَ، فَهَذِهِ صِفَاتُ كَمَالَاتٍ ثَابِتَةٌ لِلنَّبِيِّ يُمْكِنُ انْقِسَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى أَقْسَامٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْسِمَهَا إِلَى أَرْبَعِينَ وَإِلَى خَمْسِينَ وَإِلَى أَكْثَرَ، وَكَذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْسِمَهَا إِلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا بِحَيْثُ تَقَعُ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةُ جُزْءًا مِنْ جُمْلَتِهَا لَكِنْ لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ لَا أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقِيقَةً، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَأَظُنُّهُ أَشَارَ إِلَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ فَإِنَّهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمُرَادُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَتِ النُّبُوَّةُ تَتَضَمَّنُ اطِّلَاعًا عَلَى أُمُورٍ يَظْهَرُ تَحْقِيقُهَا فِيمَا بَعْدُ وَقَعَ تَشْبِيهُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ بِهَا، وَقِيلَ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ نُبُوَّتُهُمْ وَحْيًا فِي الْمَنَامِ فَقَطْ، وَأَكْثَرُهُمُ ابْتُدِئَ بِالْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ رَقُوا إِلَى الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ؛ فَهَذَا بَيَانُ مُنَاسَبَةِ تَشْبِيهِ الْمَنَامِ الصَّادِقِ بِالنُّبُوَّةِ، وَأَمَّا خُصُوصُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ فَذَكَرَ الْمُنَاسَبَةَ الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ مُدَّةَ وَحْيِ الْمَنَامِ إِلَى نَبِيِّنَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ اخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ قَالَ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ مُخْتَلِفَةً بِأَعْلَاهَا سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَأَدْنَاهَا سَبْعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَاسَبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ.
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Горы после того, как ему было сообщено, — из-за слабости его сил нести те тяготы пророчества, а также из страха перед тем, что ему предстоит выполнить, противостоять всему народу. Подобно тому, как человек ищет облегчение от скорби, которая постигает его в настоящем, потому что в ней есть избавление от неё, даже если это приведёт к быстрой гибели, пока он не обдумает, что терпение в этом деле принесёт ему благородный результат, и тогда он обретёт спокойствие души.
Я сказал: что касается упомянутого намерения в первой добавке, то в самом ясном сообщении говорится, что это была печаль из-за того, что он упустил из дела, которое ему было предсказано. Что касается второго намерения, после того как Джибриль явился ему и сказал: «Воистину, ты — посланник Аллаха», он смог вынести сказанное, и, по-видимому, это связано с предыдущим значением. Что касается смысла, который упомянул исмаилит, то он произошёл раньше, в начале явления Джибриля. Можно также принять то, что привёл ат-Табари от пути Ну'мана ибн Рашида, от Ибн Шихаба, где упоминается подобный хадис главы, в котором сказано: «Он сказал мне: „О Мухаммад, ты действительно посланник Аллаха“. Тогда я хотел броситься с вершины горы, то есть с её высоты».
Его слова: «И сказал Ибн Аббас: „Раскалывающий рассвет“ — это свет солнца днём и свет луны ночью» — это подтверждено у Абу Зара, от аль-Мустамли, аль-Кушмехини, а также у ан-Насфи и у Абу Зайда аль-Марвези от аль-Фарбри. Ат-Табари передал это от Али ибн Аби Тальхи от Ибн Аббаса в словах: «Раскалывающий рассвет» означает свет солнца днём и свет луны ночью. Некоторые из них прокомментировали это у аль-Бухари, сказав, что именно Ибн Аббас объяснил слово «рассвет» (الإصباح), а слово «раскалывающий» (فالق) здесь означает деятеля, так как аль-Бухари упомянул это после хадиса Аиши, где говорится, что он не видел видений, кроме как подобные рассвету, и поэтому у аль-Бухари есть своя цель. В конце толкования приводится мнение Муджахида по толкованию слов «Скажи: прибегаю к Господу рассвета» (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ), что «фалак» — это рассвет, и ат-Табари приводит это мнение, говоря, что «раскалывающий рассвет» — это освещение рассвета.
Исходя из этого, под «раскалывающим рассветом» понимается его освещение, а «фалик» — это имя деятеля этого действия. Ат-Табари приводит от пути ад-Даххака, что «рассвет» — это творец света дневного света. Некоторые из лингвистов говорят, что «фалак» — это раскалывание чего-либо, и Рагиб уточнил это, говоря о разделении одного от другого. Например, Моисей расколол море, и оно разделилось. Аль-Фарра передал, что слова «фатара», «халака» и «фалака» имеют одно и то же значение. В словах Всевышнего: «Раскалывающий зерно и зернышко» (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) имеется в виду раскол внутри зерна пшеницы и внутри зернышка, что опровергает ограничение Рагиба. «Исбах» изначально — это источник слова «асбаха» (становиться утром), и когда оно входит в утро, оно называется «исбах». Имру' аль-Кайс сказал:
«О, длинная ночь, разве не рассветай… с рассветом, и что в тебе рассвет лучше?»
2 — Глава о видениях праведников
И слова Всевышнего: «Воистину, Аллах подтвердил истину посланника Своего видением истинным: вы непременно войдёте в Запретную мечеть, если пожелает Аллах, в безопасности, с обрёсанными головами и с коротко остриженными волосами, не боясь. Он знал то, чего вы не знали, и сделал вместо этого близкое открытие» (сура 48:27).
6983 — Передал нам Абдуллах ибн Маслама от Малик от Исхака ибн Абдуллах ибн Аби Тальха от Анас ибн Малик, что Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Хорошее видение от праведного человека — часть сорока шести частей пророчества».
[Хадис 6983 — его часть в 6994]
Его слова: «Глава о видениях праведников» — добавление здесь относится к деятелю, поскольку в хадисе главы сказано, что видение видит праведный человек, и, кажется, здесь имеется в виду род.
Его слова: «И слова Его, Всевышнего: „Воистину, Аллах подтвердил истину посланника Своего видением истинным: вы непременно войдёте в Запретную мечеть, если пожелает Аллах, в безопасности…“ до слов: „близкое открытие“» — он привёл в риваяте Каримы весь этот аят.
Аль-Фиряби, Абдуллах ибн Хумайд и ат-Табари передали от пути Ибн Аби Наджих от Муджахида в толковании этого аята, что он видел Пророка ﷺ в Худайбийе, когда тот вошёл в Мекку с соратниками с обрёсанными головами. Когда он заколол жертвенное животное в Худайбийе, его сподвижники спросили: «Где твои видения?» Тогда ниспослалось это. И слова: «И сделал вместо этого близкое открытие» — это жертвоприношение в Худайбийе, после чего они вернулись и завоевали Хайбар, то есть под «тем» имеется в виду жертвоприношение, а под «открытием» — завоевание Хайбара. Затем он совершил умру после этого, и это было подтверждением его видений в следующем году.
Ибн Мардувайх привёл в толковании с слабой цепью от Ибн Аббаса по этому аяту, что толкование видения Посланника Аллаха ﷺ в умре аль-Када', и в значении слов «если пожелает Аллах» в аяте есть разногласия. Одни говорят, что это указание на то, что ничего не происходит без воли Аллаха, другие — что это повествование о том, что было сказано Пророку ﷺ во сне, третьи — что это способ обучения для того, кто собирается что-то сделать в будущем, подобно словам Всевышнего: «И не говори о чём-либо: „Я сделаю это завтра“, если не пожелает Аллах» (сура 18:23-24). Также сказано, что это исключение из общего обращения, поскольку некоторые из них умерли или были убиты до этого.
Его слова: «От Анас ибн Малик, что Посланник Аллаха ﷺ сказал» — будет приведено позже в другой главе с другой стороны от Анас, от Убады ибн ас-Самита, и там будет объяснение.
Его слова: «Хорошее видение от праведного человека» — это ограничивает то, что было сказано в других риваятах, например: «Видение верующего — часть пророчества», где не уточняется, что видение должно быть хорошим или что видящий — праведник. В хадисе Абу Саида говорится «праведное видение», что является объяснением того, что имеется в виду под «хорошим» здесь.
Аль-Мухаллаб сказал: имеется в виду преимущественно видения праведников, иначе праведник может видеть и путаницу, но это редко из-за слабости влияния шайтана над ними, в отличие от обратного, где истина в видениях редка из-за господства шайтана над ними.
Он сказал: люди в этом отношении делятся на три степени: пророки, у которых все видения истинны и могут требовать толкования; праведники, у которых большинство видений истинны и могут не требовать толкования; и остальные, у которых видения бывают и истинными, и путанными, и они делятся на три категории: скрытые — у большинства одинаковое состояние, нечестивые — у них преобладают путаные видения и мало истинных, и неверующие — у них истинные видения очень редки. Об этом свидетельствует слова ﷺ: «Самые правдивые из вас в видениях — самые правдивые в речи», переданный Муслимом от Абу Хурайры, и ссылка на это будет в главе о сдержанности во сне, если пожелает Аллах.
Правдивые видения бывало у некоторых неверующих, как у двух узников при Юсуфе (мир ему) и у их царя и других. Судья Абу Бакр ибн аль-Араби сказал: праведное видение верующего относится к частям пророчества, а под праведностью понимается её прямота и порядок. По его мнению, видение грешника не считается частью пророчества, хотя некоторые говорят, что оно считается крайней частью, а видение неверующего вообще не считается.
Аль-Куртуби сказал: правдивый, искренний и праведный мусульманин — это тот, чьё состояние подобно состоянию пророков, и он удостоен того, чем были удостоены пророки, а именно — знания о невидимом. А неверующий, грешник и смешанный — нет.