(١١) - (بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٥] (١٢٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَن النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قريبًا.
٣ - (طَاوُسُ) بن كيسان، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قريبًا.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، تقدّم قبل بابين.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، والثالث مروزيّ، وطاوس يمانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّين.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ) أي: فعل الحجامة، قال في «اللسان»: الحَجْم: المصّ، يقال: حَجَمَ الصبيُّ ثديَ أمه: إذا مصّه، وما حَجَمَ الصبيّ ثدي أمه؛ أي: ما مصّه، وثديٌ محجوم؛ أي: ممصوص، والحجّام: المصّاص، قال الأزهريّ: يقال للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم الْمِحجمة، وقد حَجَم يحجِمُ، ويحجُم - أي: من بابي ضرب، ونصر - حَجْمًا، قال الأزهريّ: المِحجمة: قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال زُهَيرٌ:
وَلَمْ يُهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ
وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. انتهى باختصار. (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، زاد ابن جريج، عن عطاء: «صائم بِلَحْي جَمَلٍ»، وزاد زكريا بن إسحاق: «على رأسه»، وهذه الزيادات موافقة لحديث اَبن بُحينة التالي، بلفظ: «احتجم بطريق مكة وسط رأسه».
[تنبيه]: روى البخاريّ ﵀ هذا الحديث، ونصّه:
(١٨٣٥) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: قال لنا عمرو: أولُ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: احتجم رسول الله - ﷺ -، وهو محرم، ثم سمعته يقول: حدّثني طاوس، عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما. انتهى.
قال في «الفتح»: قوله: «قال لنا عمرو: أولُ شيء» أي: أول مرة، في رواية الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عمرو، وهو ابن دينار، أخرجه أبو نعيم، وأبو عوانة، من طريقه.
وقوله: «ثم سمعته» هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا قوله: «فقلت: لعله سمعه»، وقد بَيَّنَ ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدّثنا بهذا الحديث عمرو مرتين، فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت إحدى الروايتين وَهَمًا، زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذُكر لي أنه سمعه منهما جميعًا، وأخرجه ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، نحو
رواية عليّ بن عبد الله، وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو، عن عطاء، فذكره، قال: ثم حدّثنا عمرو، عن طاوس به، فقلت لعمرو: إنما كنت حدّثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم أَغْلَط، كلاهما حدّثني.
قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظًا، فلعل سفيان تردّد في كون عمرو سمعه منهما لَمّا خَشِي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب، على أنه قد حدّث به فجمعهما، قال أحمد في «مسنده»: حدّثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلًا، فحفظناه، قال طاوس: عن ابن عباس فذكره، فقال أحمد: وقد حدّثنا به سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس.
قلت : وكذا جمعهما عن سفيان: مسدّد عند البخاريّ في «الطبّ»، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق ابن راهويه، عند مسلم، وقتيبة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق، أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، والحاكم، وله أصل عن عطاء أيضًا، أخرجه أحمد، والنسائيّ، من طريق الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج، كلاهما عنه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٨٨٥] (١٢٠٢)، و(البخاريّ) في «جزاء الصيد» (١٨٣٥) و«الصوم» (١٩٣٨) و«البيوع» (٢١٠٣) و«الإجارة» (٢٢٧٨ و٢٢٧٩) و«الطبّ» (٥٦٩١ و٥٦٩٥ و٥٧٠١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٣٥ و١٨٣٦) و«الصوم» (٢٣٧٣)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٧٥ و٧٧٦ و٧٧٧)، و«الحج» (٨٣٩)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٢٨٤٦ و٢٨٤٧
و٢٨٤٨) وفي «الكبرى» (٣٨٢٨ و٣٨٢٩ و٣٨٣٠)، و(ابن ماجه) في «الصوم» (١٦٨٢) و«المناسك» (٣٠٨١)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٤٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٢٠ و٣٢١ و٥/ ٣٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢١ و٢٩٢ و٢٩٩ و٣٧٢ و٣٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٥١ و٢٦٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٥١)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٢١١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٤٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٥١ و٩/ ٢٩) و«الكبير» (١٠٨٥٣ و١١٥٠٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٣٦٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٩٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤١٢ و٤١٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٣٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٦٢٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٦٣ و٥/ ٦٥)، و«المعرفة» (٤/ ٣٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٨٤)، و(الضياء) في «المختارة» (٦/ ٤٤ و٧/ ١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم:
قال القرطبي ﵀: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دمًا، والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره، إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، وهذا الحديث محمول على أن النبيّ - ﷺ - كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير