HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: كَتَبَ أَبِي (وَكَتَبْتُ لَهُ) إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا يَحْكُمْ أحد بين اثنين وهو غضبان).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص132
ج ٣ ص ١٣٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص١٣٩
(٧) - (بَابُ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ) [٤٤٨٢] (١٧١٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي - وَكَتَبْتُ لَهُ - إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْن، وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْن، وَهُوَ غَضْبَانُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤) عن تسعين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦)، وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ، أول مولود في الإسلام بالبصرة، ثقةٌ [٢] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. ٥ - (أَبُوهُ) أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كَلَدَة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ المشهور، مشهور بكنيته، قيل: اسمه مسروح - بمهملات - أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أن صحابيّه ممن اشتهر بأبي بكرة، وهو لقب بصورة الكنية؛ لُقّب به لأنه تدلّى إلى النبيّ - ﷺ - من حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبدًا، وأعتقه النبيّ - ﷺ - يومئذ، وكان نادى منادي رسول الله - ﷺ - يومئذ: أن من نزل إليه من عبيد أهل الطائف فهو حرّ ، وكُنْيته أبو عبد الرحمن، يقال: كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سُميّة لأمه، وكانت سُميّة أَمَةً للحارث بن كَلَدة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) وفي رواية البخاريّ: «سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة»، فصرّح عبد الملك بالسماع، فزالت تهمة التدليس؛ لأنه كان يدلّس، كما سبق آنفًا. (قَالَ: كَتَبَ أَبِي) نفيع بن الحارث، (وَكَتَبْتُ لَهُ) قيل: معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه، فكتب له مرة أخرى، قال الحافظ ﵀: ولا يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أن قوله: «كتب أبي»؛ أي: أمر بالكتابة، وقوله: «وكتبت له»؛ أي: باشرتُ الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب: «إني سمعت»، فإن هذه العبارة لأبي بكرة، لا لابنه عبد الرحمن، فإنه لا صحبة له، وهو أول مولود وُلد بالبصرة، كما تقدّم ذلك. (إِلَى) ولده (عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ) وفي بعض النسخ: «وهو قاضي سِجِستان»، بالإضافة، والجملة حالية، و«سجستان» - بكسر المهملة والجيم، على الصحيح، بعدهما مهملة ساكنة - هي إلى جهة الهند، بينها وبين كِرْمان مائة فرسخ، منها أربعون فرسخًا مفازة، ليس فيها ماء، ويُنسب إليها: سجستانيّ، وسِجزتيّ - بزاي بدل السين الثانية والتاء - وهو على غير قياس، و«سجستان» لا تُصْرَف للعَلَمية والعجمية، أو زيادة الألف والنون. قال ابن سعد في «الطبقات»: كان زياد في ولايته على العراق قَرَّب أولاد أخيه لأمه، أبي بكرة، وشَرَّفهم، وأقطعهم، ووَلَّى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، قال: ومات أبو بكرة في ولاية زياد. (أَنْ لَا تَحْكُمَ) وفي رواية البخاريّ: «أن لا تقضي»، (بَيْنَ اثْنَيْن، وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا) يَحْتَمِل أن تكون ناهيةً، والفعل بعدها مجزوم بها، ويَحْتَمِل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي. (يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْن، وَهُوَ غَضْبَانُ») وفي رواية البخاريّ: «لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين، وهو غضبان»، وفي رواية الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير بسنده: «لا يقضي القاضي، أو لا يحكم الحاكم بين اثنين، وهو غضبان»، ولم يذكر القصة. والْحَكَم - بفتحتين -: هو الحاكم، وقد يُطلق على القَيِّم بما يُسْنَد إليه. قال المهلَّب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقّ فمُنِع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب؛ لِمَا يحصل بسببه من التغير الذي يَختَلّ به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعَدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر، كالجوع، والعطش المُفْرِطَيْن، وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب، تعلقًا يَشغَله عن استيفاء النظر، وهو قياسُ مَظِنّة على مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على ذِكر الغضب؛ لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف، عن أبي سعيد رفعه: «لا يقض القاضي إلا وهو شبعان، ريّان». وقول الشيخ: وهو قياس مظنة على مظنة صحيح، وهو استنباط معنى دل عليه النص، فإنه لَمّا نُهِيَ عن الحكم حالة الغضب، فُهم منه أن الحكم لا يكون إلا في حالة استقامة الفكر، فكانت علة النهي المعثى المشترك، وهو تغيّر الفكر، والوصف بالغضب يسمى علة، بمعنى أنه مشتمِل عليه، فأُلحق به ما في معناه، كالجائع، قال الإمام الشافعيّ ﵀ في «الأم»: أَكْرَهُ للحاكم أن يحكم، وهو جائع، أو تَعِبٌ، أو مشغول القلب، فإن ذلك يغيّر القلب. قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٤٤٨٢ و٤٤٨٣] (١٧١٧)، و(البخاريّ) في «الأحكام» (٧١٥٨)، و(أبو داود) في «الأقضية» (٣٥٨٩)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٣٤)، و(النسائيّ) في «آداب القضاة» (٥٤٠٨ و٥٤٢٣) وفي «الكبرى» (٥٩٦ و٥٩٨٣)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٣٣١٦)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٧٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٨٦٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٢٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٦ و٣٨ و٤٦ و٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٦٣ و٥٠٦٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٩٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٦٨ و١٦٩ و١٧٠)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٨٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٨٤٥ و٨٤٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٠٤ و١٠٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٤٩٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نهي الحاكم أن يحكم في حال الغضب؛ لأنه يمنعه من النظر في الحقّ، واستيفائه، وقد قاس العلماء كلّ ما أشبهه في اختلال الفكر، وتشويش النظر، كالجوع، والعطش، والشِّبَع المُفْرِط، وغلبة النعاس، ونحو ذلك. ٢ - (ومنها): أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ، في وجوب العمل بها، وأما في الرواية فمنع منها قوم إذا تجردت عن الإجازة، والمشهور الجواز. نَعَم الصحيح عند الأداء أن لا يُطلق الإخبار، بل يقول: كتب إليّ، أو كاتبني، أو أخبرني في كتابه، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في «ألفية الحديث»، حيث قال: خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ … يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأذَنُ أَنْ يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا … فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُّ وَالأَصَحّ … صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطّ … كَاتِبِهِ وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ ثُمَّ لْيَقُلْ «حَدَّثَنِي» «أَخْبَرَنِي» … كِتَابَةً وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ ٣ - (ومنها): أن فيه ذكرَ الحكم مع دليله في التعليم، ويجيء مثله في الفتوى. ٤ - (ومنها): شفقة الأب على ولده، وإعلامه بما ينفعه، وتحذيره من الوقوع فيما يُنكَر. ٥ - (ومنها): نشر العلم للعمل به، والاقتداء، وإن لم يُسأل العالم عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الحاكم في حال الغضب، ونحوه: قال العلّامة ابن قُدامة ﵀: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه، في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي، وهو غضبان، كَرِه ذلك شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وكتب أبو بكرة إلى عُبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاض بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين، وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان»، متفق عليه، وكتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعريّ - ﵄ -: «إياك والغضب، والقَلَق، والضَّجَرَ، والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه»، ولأنه إذا غضب تغيّر عقله، ولم يستوف رأيه وفكره، وفي معنى الغضب: كُلُّ ما شَغَل فِكْره، من الجوع المفرط، والعطش الشديد، والوجع المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وشدة النعاس، والهمّ، والغمّ، والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم؛ لأنها تمنع حضور القلب، واستيفاء الفكر الذي يُتوصّل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجراه. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم: هل يَنْفُذُ حكم الحاكم حالة الغضب، أم لا؟: قال ابن قُدامة ﵀: فإن حَكَم في الغضب، أو ما شاكله، فحُكي عن القاضي أنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال في «المجرَّد»: ينفذ قضاؤه، وهو مذهب الشافعيّ؛ لما رُوي أن النبيّ - ﷺ - اختصم إليه الزبير، ورجل من الأنصار، في شِرَاج الْحَرّة، فقال النبيّ - ﷺ - للزبير: «اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فقال الأنصاري: آن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال للزبير: «اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجُدُر»، متفق عليه، فحَكَم في حال غضبه. وقيل: إنما يمنع الغضب الحاكمَ إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة، فأما إن اتضح الحكم، ثم عَرَض الغضب لم يمنعه؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب، فلا يؤثّر الغضب فيه. انتهى . وقال في «الفتح»: لو خالف، فحكم في حال الغضب صحّ، إن صادف الحق مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وقد تقدم أنه - ﷺ -، قضى للزبير بشِراج الْحَرَّة، بعد أن أغضبه خصم الزبير، لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره؛ لِعِصْمته - ﷺ -، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى، قال النوويّ في حديث اللقطة: فيه جواز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم وينفذ، ولكنه مع الكراهة في حقّنا، ولا يُكره في حقه - ﷺ -؛ لأنه لا يُخاف عليه في الغضب ما يُخاف على غيره، وأبعدَ من قال: يُحْمَل على أنه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغيّر الفكر، ويؤخذ من الإطلاق أنه لا فرق بين مراتب الغضب، ولا أسبابه، وكذا أطلقه الجمهور، وفصّل إمام الحرمين، والبغويّ، فقَيَّدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الروياني هذا التفصيل، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الحديث، وللمعنى الذي لأجله نُهي عن الحكم حال الغضب. وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وفصَّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثِّر، وإلا فهو محل الخلاف، وهو تفصيل معتبَر. وقال ابن الْمُنَيِّر: أدخل البخاريّ حديث أبي بكرة الدالّ على المنع، ثم حديث أبي مسعود الدالّ على الجواز؛ تنبيهًا منه على طريق الجمع، بأن يُجعل الجواز خاصًّا بالنبيّ - ﷺ -؛ لوجود العصمة في حقه، والأمن من التعدي، أو أن غضبه إنما كان للحق، فمن كان في مثل حاله جاز، وإلا مُنع، وهو كما قيل في شهادة العدوّ: إن كانت دنيوية رُدّت، وإن كانت دينية لم تُرَدّ، قاله ابن دقيق العيد وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال: لا ينفذ حكمه إن حكم في حال الغضب؛ لأن النهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، ولا يقاس بالنبيّ - ﷺ - غيره في ذلك؛ لأنّ غضبه - ﷺ - كرضاه، بخلاف غيره، قال القرطبيّ ﵀: ولا يُعارَضُ هذا الحديث بحكم النبيّ - ﷺ - للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجُدُر، وقد غَضِب من قول الأنصاريّ: آن كان ابن عمّتك؟؛ لأن النبيّ - ﷺ - معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه ورضاه، وصحّته ومرضه، ولذلك قال: «اكتبوا عنّي في الغضب والرضا»، ولذلك نفذت أحكامه، وعُمل بحديثه الصادر في حال شدّة مرضه، ونَزْعه، كما نفذ في حال صحّته ونشاطه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا . والحاصل أن الأرجح كون النهي في حديث الباب للتحريم، وأن حُكْم الحاكم في حال غضبه لا ينفذ، ولا يقاس غير النبيّ - ﷺ - به؛ للفرق الظاهر بينه وبين غيره، ممن يستفزّه الغضب والهوى، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح)، وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (ح)، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ح)، وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)، وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا، عَنْ شُعْبَةَ (ح)، وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر: ١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣)، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٧ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٨ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٩ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٤. ١٠ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. والباقون ذُكروا في الباب، وفي الأبواب الثلاثة الماضية. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ … إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الخمسة، وهم: هشيم، وحمّاد بن سلمة، وسفيان الثوريّ، وشعبة، وزائدة رووا هذا الحديث عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، بمثل ما رواه أبو عوانة عنه. [تنبيه]: رواية هشيم، عن عبد الملك ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٥٩٦٢) - أخبرنا عليّ بن حُجْر، قال: أنا هشيم، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال النبيّ - ﷺ -: «لا يقضي القاضي بين اثنين، وهو غضبان». انتهى . ورواية سفيان الثوريّ، عن عبد الملك، ساقها أبو داود ﵀ في «سننه»، فقال: (٣٥٨٩) - حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أنه كتب إلى ابنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقضي الْحَكَم بين اثنين، وهو غضبان». انتهى . ورواية شعبة، عن عبد الملك، ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٧٣٩) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كَتَبَ أبو بكرة إلى ابنه، وكان بسجستان، بأن لا تقضي بين اثنين، وأنت غضبان، فإني سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «لا يَقْضِيَنّ حَكَمٌ بين اثنين، وهو غضبان». انتهى . وأما رواية حماد بن سلمة، وزائدة بن قُدامة، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٨)

١. «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٥.

٢. «الفتح» ١٦/ ٦٥٠ - ٦٥١، كتاب «الأحكام» رقم (٧١٥٨).

٣. «المغني» ١٤/ ٢٥.

٤. «المغني» ١٤/ ٢٥ - ٢٦.

٥. «المفهم» ٥/ ١٧٠ - ١٧١.

٦. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٣/ ٤٧٤.

٧. «سنن أبي داود» ٣/ ٣٠٢.

٨. «صحيح البخاريّ» رقم (٦٧٣٩).