HadithLab
ع
Сахих аль-Бухари · Условия в джихаде

Хадис № 2733

وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ وَالْعَقَْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّاتِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
‘Укайль передал от аз-Зухри: Урва сказал: «Мне сообщила Аиша, что Посланник Аллаха ﷺ подвергал их (переходивших в ислам женщин) испытанию. И до нас дошло, что когда Аллах Всевышний ниспослал (веление) возвращать многобожникам то, что они потратили на тех своих жён, которые переселились (к мусульманам), и постановил мусульманам не удерживать (брачные) узы с неверующими жёнами, — Умар развёлся с двумя своими жёнами: Курайбой бинт Абу Умайя и дочерью Джарваля аль-Хузаи. На Курайбе женился Му‘авия, а на другой женился Абу Джахм. Когда неверующие отказались признать за собой обязанность возместить то, что мусульмане потратили на своих жён, Аллах Всевышний ниспослал: «А если что-то из ваших жён уйдёт к неверующим, и вы взыщете возмещение…» [60:11] — а «‘акаб» (возмещение) — это то, что мусульмане выплачивают тому, чья жена переселилась к неверующим. И (Пророк ﷺ) велел давать тому из мусульман, у кого ушла жена, то, что он потратил из брачного дара неверующих женщин, которые переселились (к мусульманам). И мы не знаем ни одной из переселившихся женщин, которая отступила бы от веры после того, как приняла ислам. И до нас дошло, что Абу Басир ибн Асид ас-Сакафи прибыл к Пророку ﷺ верующим и переселившимся в период действия договора (о перемирии). Тогда аль-Ахнас ибн Шурайк написал Пророку ﷺ, требуя (выдать) Абу Басира». И он привёл (весь) хадис.
т. 3 с. 193

Цепочка передатчиков

Фатх аль-Бари · Ибн Хаджар аль-Аскаляни · т. 5, с. 333
لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ الْعُرُّ: الْجَرَبُ. ﴿تَزَيَّلُوا﴾ انمازوا. وَحَمَيْتُ الْقَوْمَ: مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةً. وَأَحْمَيْتُ الْحِمَى: جَعَلْتُهُ حِمًى لَا يُدْخَلُ. وَأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ إِحْمَاءً. ٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ "قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ وَبَلَغْنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [١١ الممتحنة]: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ وَالْعَقْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَائِي هَاجَرْنَ وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، زَادَ الْمُسْتَعلِي مَعَ النَّاسِ بِالْقَوْلِ وَهِيَ زِيَادَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْهَا لِأَنَّهَا تَقَدَّمَتْ فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الْأُولَى عَلَى الِاشْتِرَاطِ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً وَهَذِهِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعًا. قَوْلُهُ: (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ) أَيِ ابْنِ الْحَكَمِ (قَالَا خَرَجَ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَرْوَانَ مُرْسَلَةٌ لِأَنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ، وَأَمَّا الْمِسْوَرُ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا مُرْسَلَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْمِسْوَرَ، وَمَرْوَانَ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ سَمِعَ الْمِسْوَرُ، وَمَرْوَانُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ شَهِدُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الْمِسْوَرَ وَلَا مَرْوَانَ لَكِنْ أَرْسَلَهَا، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهَا ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي لَهُ بِطُولِهَا، وَأَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَيْضًا مُنْقَطِعَةً. قَوْلُهُ: (زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحَجِّ، وَهِيَ بِئْرٌ سُمِّيَ الْمَكَانُ بِهَا، وَقِيلَ شَجَرَةٌ جدْبَاءُ صُغِّرَتْ وَسُمِّيَ الْمَكَانُ بِهَا. قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: الْحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ أَكْثَرُهَا فِي الْحَرَمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ لَا يُرِيدُ قِتَالًا وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ لِهِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ زَادَ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةَ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ الْإِمَامِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ خَرَجَ ﷺ فِي أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُدْعَى نَاجِيَةَ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ كَذَا سَمَّاهُ نَاجِيَةَ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ نَاجِيَةَ اسْمُ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ الْهَدْيَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الَّذِي بَعَثَهُ عَيْنًا لِخَبَرِ قُرَيْشٍ فَاسْمُهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ كَذَا سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَسَأَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي عَدَدِ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ صَدْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْهُ بِطُولِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَقِيَّتُهُ عِنْدَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَنَبَّأَنِيهِ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنُهُ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا جُمُوعًا وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَمَانِعُوكَ. فَقَالَ: أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ وَذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ ﷿ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فتَوَجَّهْ لَهُ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ إِلَى هَاهُنَا سَاقَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَسَاقَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. وَهَذَا الْقَدْرُ حَذَفَهُ الْبُخَارِيُّ لِإِرْسَالِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ اهـ وَغَدِيرٌ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْأَشْطَاطِ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ شَطٍّ وَهُوَ جَانِبُ الْوَادِي كَذَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَيْضًا: أَتَرَوْنَ أَنْ تمِيلَ إِلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَتصِيبَهُمْ فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ هَلْ يُخَالِفُ الَّذِينَ نَصَرُوا قُرَيْشًا إِلَى مَوَاضِعِهِمْ فَيَسْبِي أَهْلَهُمْ، فَإِنْ جَاءُوا إِلَى نَصْرِهِمُ اشْتَغَلُوا بِهِمْ وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِقُرَيْشٍ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا خَرَجَ لَهُ مِنَ الْعُمْرَةِ حَتَّى يَكُونَ بَدْءُ الْقِتَالِ مِنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى رَأْيِهِ. وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ إِلَخْ وَالْأَحَابِيشُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ وَاحِدُهَا أُحْبُوشٌ بِضَمَّتَيْنِ وَهُمْ بَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ كَانُوا تَحَالَفُوا مَعَ قُرَيْشٍ قِيلَ: تَحْتَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الْحَبَشِيُّ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَحَبُّشِهِمْ أَيْ تَجَمُّعِهِمْ. وَالتَّحَبُّشُ التَّجَمُّعُ، وَالْحُبَاشَةُ الْجَمَاعَةُ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ حِلْفِهِمْ مَعَ قُرَيْشٍ كَانَ عَلَى يَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ يَأْتُونَا مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَّا ابْنَ السَّكَنِ فَعِنْدَهُ فَإِنْ بَاتُّونَا بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مُشَدَّدَةٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ خُرُوجَهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى صَدِّهِ عَنْ مَكَّةَ وَعَسْكَرُوا بِبَلْدَحَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً) فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِيِّ فَقَالَ لَهُ عَيْنُهُ: هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَحَكَى عِيَاضٌ فِيهَا التَّصْغِيرَ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ كُرَاعُ الْغَمِيمِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اهـ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ غَيْرُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ الَّذِي وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي الصِّيَامِ وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا الْغَمِيمُ هَذَا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَانٍ بَيْنَ رَابِغٍ وَالْجُحْفَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي شِعْرِ جَرِيرٍ، وَالشَّمَّاخِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ خَالِدًا كَانَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ فِيهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. وَالطَّلِيعَةُ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ. قَوْلُهُ: (فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ) أَيِ الطَّرِيقَ الَّتِي فِيهَا خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا) الْقَتَرَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ الْغُبَارُ الْأَسْوَدُ. قَوْلُهُ: (وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ ﷺ: مَنْ يُخْرِجُنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا؟ قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا فَأُخْرِجُوا مِنْهَا بَعْدَ أَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وَأَفْضَوْا إِلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، فَفَعَلُوا. فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَلْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَامْتَنَعُوا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ: اسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحَمْضِ فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمِرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ اهـ. وَثَنِيَّةُ الْمِرَارِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ هِيَ طَرِيقٌ فِي الْجَبَلِ تُشْرِفُ عَلَى الْحُدَيْبِيَةِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ أَنَّهَا الثَّنِيَّةُ الَّتِي أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَسَمَّى ابْنُ سَعْدٍ الَّذِي سَلَكَ بِهِمْ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَأْخُذُ بِنَا عَنْ يَمينِ الْمَحَجَّةِ نَحْوَ سَيْفِ الْبَحْرِ لَعَلَّنَا نَطْوِي مَسْلَحَةَ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّيْلِ، فَنَزَلَ رَجُلٌ عَنْ دَابَّتِهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. قَوْلُهُ: (بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ. كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا تَرَكَتِ السَّيْرَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنْ قُلْتَ: حَلْ. وَاحِدَةً فَالسُّكُونُ، وَإِنْ أَعَدْتَهَا نَوَّنْتَ فِي الْأُولَى وَسَكَّنْتَ فِي الثَّانِيَةِ، وَحَكَى غَيْرُهُ السُّكُونَ فِيهِمَا وَالتَّنْوِينَ كَنَظِيرِهِ فِي بَخٍ بَخٍ، يُقَالُ: حَلْحَلْتُ فُلَانًا إِذَا أَزْعَجْتَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ. قَوْلُهُ: (فَأَلَحَّتْ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَمَادَتْ عَلَى عَدَمِ الْقِيَامِ وَهُوَ مِنَ الْإِلْحَاحِ. قَوْلُهُ: (خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ) الْخَلَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ لِلْإِبِلِ كَالْحِرَانِ لِلْخَيْلِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَا يَكُونُ الْخَلَاءُ إِلَّا لِلنُّوقِ خَاصَّةً. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَا يُقَالُ لِلْجَمَلِ خَلَأَ لَكِنْ أَلَحَّ. وَالْقَصْوَاءُ بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَمَدٌّ: اسْمُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ: كَانَ طَرَفُ أُذُنِهَا مَقْطُوعًا، وَالْقَصْوُ قَطْعُ طَرَفِ الْأُذُنِ يُقَالُ: بَعِيرٌ أَقْصَى وَنَاقَةٌ قُصْوَى، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَصْرِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُسْبَقُ فَقِيلَ لَهَا الْقَصْوَاءُ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مِنَ السَّبْقِ أَقْصَاهُ. قَوْلُهُ: (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) أَيْ بِعَادَةٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْفَصْلِ جَوَازُ الِاسْتِتَارِ عَنْ طَلَائِعِ الْمُشْرِكِينَ وَمُفَاجَأَتِهِمْ بِالْجَيْشِ طَلَبًا لِغِرَّتِهِمْ، وَجَوَازُ السَّفَرِ وَحْدَهُ لِلْحَاجَةِ، وَجَوَازُ التَّنْكِيبِ عَنِ الطَّرِيقِ السَّهْلَةِ إِلَى الْوَعْرَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَجَوَازُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ هَفْوَةٌ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ مِثْلُهَا لَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا، وَمَعْذِرَةُ مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ صُورَةَ حَالِهِ، لِأَنَّ خَلَاءَ الْقَصْوَاءِ لَوْلَا خَارِقُ الْعَادَةِ لَكَانَ مَا ظَنَّهُ الصَّحَابَةُ صَحِيحًا وَلَمْ يُعَاتِبْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ فِي ظَنِّهِمْ، قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ الصَّرِيحِ إِذَا كَانَ سَبَقَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: حَلْ حَلْ فَزَجَرُوهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُمْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) زَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَكَّةَ أَيْ حَبَسَهَا اللَّهُ ﷿ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ كَمَا حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ دُخُولِهَا. وَقِصَّةُ الْفِيلِ مَشْهُورَةٌ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا فِي مَكَانِهَا، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَصَدَّهُمْ قُرَيْشٌ عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ قَدْ يُفْضِي إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَوْ قُدِّرَ دُخُولُ الْفِيلِ وَأَصْحَابِهِ مَكَّةَ، لَكِنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ خَلْقٌ مِنْهُمْ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ نَاسٌ يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، فَلَوْ طَرَقَ الصَّحَابَةُ مَكَّةَ لَمَا أَمِنَ أَنْ يُصَابَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عَمْدٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ، وَوَقَعَ لَلْمُهَلَّبِ اسْتِبْعَادُ جَوَازِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ حَابِسُ الْفِيلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: الْمُرَادُ حَبَسَهَا أَمْرُ اللَّهِ ﷿، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ فَيُقَالُ حَبَسَهَا اللَّهُ حَابِسُ الْفِيلِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ تَسْمِيَتُهُ ﷾ حَابِسَ الْفِيلِ وَنَحْوَهُ، كَذَا أَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ. وَقَدْ تَوَسَّطَ الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا: مَحَلُّ الْمَنْعِ مَا لَمْ يَرِدٍ نَصٌّ بِمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، بشَرْط أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ، فَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ الْوَاقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ الْبِنَاءَ وَإِنْ وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ التَّشْبِيهِ مِنَ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ الْخَاصَّةُ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ مَحْضٍ وَأَصْحَابُ هَذِهِ النَّاقَةِ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَحْضٍ، لَكِنْ جَاءَ التَّشْبِيهُ مِنْ جِهَةِ إِرَادَةِ اللَّهِ مَنْعَ الْحَرَمِ مُطْلَقًا، أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ وَاعْتِبَارُ مَنْ بَقِيَ بِمَنْ مَضَى، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، وَالْجُنُوحُ إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْكَفُّ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِمَنْ قَالَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: عَلَامَةُ الْإِذْنِ التَّيْسِيرُ وَعَكْسُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ تَأْكِيدُ الْقَوْلِ بِالْيَمِينِ فَيَكُونُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ، وَقَدْ حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ. قَوْلُهُ: (لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّةً) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خَصْلَةً (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ) أَيْ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحُرُمَاتِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ وَالْإِحْرَامِ، قُلْتُ: وَفِي الثَّالِثِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَظَّمُوا الْإِحْرَامَ مَا صَدُّوهُ. قَوْلُهُ: (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أَيْ أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا وَاجِبًا حَتْمًا، فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ، كَذَا قَالَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فَقَالَ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مَعَ تَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ تَعْلِيمًا وَإِرْشَادًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سَقَطَ مِنَ الرَّاوِي أَوْ كَانَتِ الْقِصَّةُ قَبْلَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُهُ كَوْنُ الْكَهْفِ مَكِّيَّةً؛ إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَتَأَخَّرَ نُزُولُ بَعْضِ السُّورَةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَرَهَا) أَيِ النَّاقَةَ (فَوَثَبَتْ) أَيْ قَامَتْ. قَوْلُهُ: (فَعَدَلَ عَنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَوَلَّى رَاجِعًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِالْوَادِ مِنْ مَاءٍ نَنْزِلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (عَلَى ثَمَدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ أَيْ حَفِيرَةٍ فِيهَا مَاءٌ مَثْمُودٌ أَيْ قَلِيلٌ، وَقَوْلُهُ: قَلِيلِ الْمَاءِ تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يُرَادَ لُغَةُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الثَّمَدَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَقِيلَ الثَّمَدُ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَيَذْهَبُ فِي الصَّيْفِ. قَوْلُهُ: (يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّشْدِيدِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْأَخْذُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَالْبَرْضُ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ الْيَسِيرُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: هُوَ جَمْعُ الْمَاءِ بِالْكَفَّيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُرْوَةَ وَسَبَقَتْ قُرَيْشٌ إِلَى الْمَاءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، وَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَلَيْسَ بِهَا إِلَّا بِئْرٌ وَاحِدَةٌ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُلْبِثْهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ مِنَ الْإِلْبَاثِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ أَيْ لَمْ يَتْرُكُوهُ يَلْبَثُ أَيْ يُقِيمُ. قَوْلُهُ: (وَشُكِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: (فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) أَيْ أَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَرَهُمْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ أَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الَّذِي سَاقَ الْبُدْنَ هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالسَّهْمِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَفِي رِوَايَةِ نَاجِيَةَ بْنِ الْأَعْجَمِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عُبَادَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: أَنَا الَّذِي نَزَلْتُ بِالسَّهْمِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُمْ تَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْحَفْرِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْبِئْرِ ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَمَضْمَضَ وَدَعَا اللَّهَ ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: دَعُوهَا سَاعَةً. ثُمَّ إِنَّهُمُ ارْتَوَوْا بَعْدَ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ مَعًا وَقَعَا. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَوْسِ بْنِ خَوْلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ ثُمَّ أَفْرَغَهُ فِيهَا وَانْتَزَعَ السَّهْمَ فَوَضَعَهُ فِيهَا وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ ﷺ تَمَضْمَضَ فِي دَلْوٍ وَصَبَّهُ فِي الْبِئْرِ وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَلْقَاهُ فِيهَا وَدَعَا فَفَارَتْ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ الْقِصَّةِ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهَا، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ قِصَّةِ الْبِئْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْفَصْلِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَفِيهِ بَرَكَةُ سِلَاحِهِ وَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ غَيْرِ هَذِهِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ الْقِصَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (يَجِيشُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ أَيْ يَفُورُ، وَقَوْلُهُ: (بِالرِّيِّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا. وَقَوْلُهُ: (صَدَرُوا عَنْهُ) أَيْ رَجَعُوا رُوَاءً بَعْدَ وِرْدِهِمْ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ حَتَّى اغْتَرَفُوا بِآنِيَتِهِمْ جُلُوسًا عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ: (فَبَيْنَمَا هُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَبَيْنَا هُمْ (كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلٌ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّصْغِيرِ أَيِ ابْنُ وَرْقَاءَ بِالْقَافِ وَالْمَدِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ. قَوْلُهُ: (فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ) سَمَّى الْوَاقِدِيُّ مِنْهُمْ عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ، وَخِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ مِنْهُمْ خَارِجَةُ بْنُ كُرْزٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أُمَيَّةُ. قَوْلُهُ: (وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحٍ) الْعَيْبَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، مَا تُوضَعُ فِيهِ الثِّيَابُ لِحِفْظِهَا، أَيْ أَنَّهُمْ مَوْضِعُ النُّصْحِ لَهُ وَالْأَمَانَةِ عَلَى سِرِّهِ، وَنُصْحُ بِضَمِّ النُّونِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فَتْحَهَا كَأَنَّهُ شَبَّهَ الصَّدْرَ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْدَعُ السِّرِّ بِالْعَيْبَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) لِبَيَانِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ خُزَاعَةَ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ تِهَامَةَ وَتِهَامَةُ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ هِيَ مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَصْلُهَا مِنَ التَّهَمِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودُ الرِّيحِ. زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّةَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ بُدَيْلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَقَدْ غَزَوْتَ وَلَا سِلَاحَ مَعَكَ، فَقَالَ: لَمْ نَجِئْ لِقِتَالٍ. فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ بُدَيْلٌ: أَنَا لَا أَتَّهِمُ وَلَا قَوْمِي اهـ وَكَانَ الْأَصْلُ فِي مُوَالَاةِ خُزَاعَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا تَحَالَفُوا مَعَ خُزَاعَةَ فَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِنْصَاحِ بَعْضِ الْمُعَاهَدِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا دَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى نُصْحِهِمْ وَشَهِدَتِ التَّجْرِبَةُ بِإِيثَارِهِمْ أَهْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِنْصَاحِ بَعْضِ مُلُوكِ الْعَدُوِّ اسْتِظْهَارًا عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَلَا مُوَادَّةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ اسْتِخْدَامِهِمْ وَتَقْلِيلِ شَوْكَةِ جَمْعِهِمْ وَإِنْكَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ هَذَيْنِ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ أَجْمَعَ تَرْجِعُ أَنْسَابُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَبَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ وَبَنُو عَوْفِ بْنِ لُؤَيٍّ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ قُرَيْشُ الظَّوَاهِرِ الَّذِينَ مِنْهُمْ بَنُو تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: بَنُو عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هُمَا الصَّرِيحَانِ لَا شَكَّ فِيهِمَا، بِخِلَافِ سَامَةَ وَعَوْفٍ أَيْ فَفِيهِمَا الْخَلَفُ. قَالَ: وَهُمْ قُرَيْشُ الْبِطَاحِ؛ أَيْ: بِخِلَافِ قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ وَجَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحَبُّشِ وَهُوَ التَّجَمُّعُ. قَوْلُهُ: (نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ) الْأَعْدَادُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ عِدٍّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ، وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ هُوَ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ، وَقَوْلُ بُدَيْلٍ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ قُرَيْشًا سَبَقُوا إِلَى النُّزُولِ عَلَيْهَا فَلِهَذَا عَطِشَ الْمُسْلِمُونَ حَيْثُ نَزَلُوا عَلَى الثَّمَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ) الْعُوذُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ جَمْعُ عَائِذٍ وَهِيَ النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ، وَالْمَطَافِيلُ الْأُمَّهَاتُ اللَّاتِي مَعَهَا أَطْفَالُهَا، يُرِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَهُمْ بِذَوَاتِ الْأَلْبَانِ مِنَ الْإِبِلِ لِيَتَزَوَّدُوا بِأَلْبَانِهَا وَلَا يَرْجِعُوا حَتَّى يَمْنَعُوهُ، أَوْ كَنَّى بِذَلِكَ عَنِ النِّسَاءِ مَعَهُنَّ الْأَطْفَالُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا معهم بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ لِإِرَادَةِ طُولِ الْمَقَامِ وَلِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، وَيَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: كُلُّ أُنْثَى إِذَا وَضَعَتْ فَهِيَ إِلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ عَائِذٌ وَالْجَمْعُ عُوذٌ، كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعُوذُ وَلَدَهَا وَتَلْزَمُ الشُّغْلَ بِهِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الَّذِي يَعُوذُ بِهَا لِأَنَّهَا تَعْطِفُ عَلَيْهِ بِالشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ، كَمَا قَالُوا تِجَارَةٌ رَابِحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوحًا فِيهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ معهم الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. قَوْلُهُ: (نَهِكَتْهُمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ أَبْلَغَتْ فِيهِمْ حَتَّى أَضْعَفَتْهُمْ، إِمَّا أَضْعَفَتْ قُوَّتَهُمْ وَإِمَّا أَضْعَفَتْ أَمْوَالَهُمْ. قَوْلُهُ: (مَادَدْتُهُمْ) أَيْ جَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُدَّةً بترك الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِيهَا. قَوْلُهُ: (وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ) أَيْ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا) هُوَ شَرْطٌ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالتَّقْدِيرُ، فَإِنْ ظَهَرَ غَيْرُهُمْ عَلَيَّ كَفَاهُمُ الْمؤنَةَ، وَإِنْ أَظْهَرْ أَنَا عَلَى غَيْرِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا أَطَاعُونِي وَإِلَّا فَلَا تَنْقَضِي مُدَّةُ الصُّلْحِ إِلَّا وَقَدْ جَمَّعُوا، أَيِ اسْتَرَاحُوا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ قَوُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ وَإِنَّمَا رَدَّدَ الْأَمْرَ مَعَ أَنَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَنْصُرُهُ وَيُظْهِرُهُ لِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ، عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْخ صْمِ وَفَرْضِ الْأَمْرِ عَلَى مَا زَعَمَ الْخَصْمُ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَذَفَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِظُهُورِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَلَفْظُهُ فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا وَلِابْنِ عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنْ ظَهَرَ النَّاسُ عَلَيَّ فَذَلِكَ الَّذِي يَبْتَغُونَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَذْفَ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَأَدُّبًا. قَوْلُهُ: (حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) السَّالِفَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنِ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْقَتِيلَ تَنْفَرِدُ مُقَدِّمَةُ عُنُقِهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ الْمَوْتُ أَيْ حَتَّى أَمُوتَ وَأَبْقَى مُنْفَرِدًا فِي قَبْرِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يُقَاتِلُ حَتَّى يَنْفَرِدَ وَحْدَهُ فِي مُقَاتَلَتِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَعَلَّهُ ﷺ نَبَّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، أَيْ إِنَّ لِي مِنَ الْقُوَّةِ بِاللَّهِ وَالْحَوْلِ بِهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ أُقَاتِلَ عَنْ دِينِهِ لَوِ انْفَرَدَتْ، فَكَيْفَ لَا أُقَاتِلُ عَنْ دِينِهِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَتِهِمْ وَنَفَاذِ بَصَائِرِهِمْ فِي نَصْرِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَلَيُنْفِذَنَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ لَيُمْضِيَنَّ (اللَّهُ أَمْرَهُ) فِي نَصْرِ دِينِهِ. وَحَسُنَ الْإِتْيَانُ بِهَذَا الْجَزْمِ - بَعْدَ ذَلِكَ التَّرَدُّدِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُورِدْهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ. وَفِي هَذَا الْفَصْلِ النَّدْبُ إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ، وَالْإِبْقَاءُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَبَذْلُ النَّصِيحَةِ لِلْقَرَابَةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِ اللَّهِ وَتَبْلِيغِ أَمْرِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ) أَيْ فَأَذِنَ لَهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ) سَمَّى الْوَاقِدِيُّ مِنْهُمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ. قَوْلُهُ: (فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ بُدَيْلٌ: إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا. فَاتَّهَمُوهُ - أَيِ اتَّهَمُوا بُدَيْلًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ مَيْلَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَلَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عشرة. قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُرْوَةُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالُوا: لَمَّا نَزَلَ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَحَبَّ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَدَعَا عُمَرَ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَا عَشِيرَةَ لَهُ بِمَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ فَأَرْسَلَهُ بِذَلِكَ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمَ مَنْ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ الْفَرَجَ قَرِيبٌ، فَأَعْلَمَهُمْ عُثْمَانُ بِذَلِكَ، فَحَمَلَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى فَرَسِهِ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ - فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَنِيئًا لِعُثْمَانَ، خَلَصَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ دُونَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ ظَنِّي بِهِ أَنْ لَا يَطُوفَ حَتَّى نَطُوفَ مَعًا. فَكَانَ كَذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ مَجِيءَ عُرْوَةَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَبْلَ قِصَّةِ مَجِيءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) أَيِ ابْنِ مُعَتِّبٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الثَّقَفِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عُرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي السِّيرَةِ. قَوْلُهُ: (أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ وَأَلَسْتُ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِالْعَكْسِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ وَأَلَسْتُ بِالْوَلَدِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أُمَّ عُرْوَةَ هِيَ سُبَيْعَةُ بِنْتُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ أَنَّكُمْ حَيٌّ قَدْ وَلَدُونِي فِي الْجُمْلَةِ لِكَوْنِ أُمِّي مِنْكُمْ. وَجَرَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ أَيْ أَنْتُمْ عِنْدِي فِي الشَّفَقَةِ وَالنُّصْحِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ قَوْمًا هُوَ أَسَنُّ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ أَيْ دَعَوْتُهُمْ إِلَى نَصْرِكُمْ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَّحُوا) بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ أَيِ امْتَنَعُوا، وَالتَّبَلُّحُ التَّمَنُّعُ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَبَلَّحَ الْغَرِيمُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالُوا صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ. قَوْلُهُ: (قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَكُمْ. (خُطَّةَ رُشْدٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرُّشْدُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهِمَا، أَيْ خَصْلَةَ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَإِنْصَافٍ، وَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ عُرْوَةَ لِهَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ قُرَيْشٍ مَا رَآهُ مِنْ رَدِّهُمُ الْعَنِيفِ عَلَى مَنْ يَجِيءُ مِنْ عِنْدِ الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: (وَدَعُونِي آتِهِ) بِالْمَدِّ، وَهُوَ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَأَصْلُهُ أَئْتِهِ أَيْ أَجِيءُ إِلَيْهِ (قَالُوا ائْتِهِ) بِأَلِفِ وَصْلٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ هَاءٌ سَاكِنَةٌ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. قَوْلُهُ: (نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِ: لَأُقَاتِلَنَّهُمْ. قَوْلُهُ: (اجْتَاحَ) بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيْ أَهْلَكَ أَصْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَحَذَفَ الْجَزَاءَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى تَأَدُّبًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَعْنَى وَإِنْ تَكُنِ الْغَلَبَةُ لِقُرَيْشٍ لَا آمَنُهُمْ عَلَيْكَ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرَى وُجُوهًا إِلَخْ) كَالتَّعْلِيلِ لِهَذَا الْقَدْرِ الْمَحْذُوفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عُرْوَةَ رَدَّدَ الْأَمْرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ غَيْرِ مُسْتَحْسَنَيْنِ عَادَةً وَهُوَ هَلَاكُ قَوْمِهِ إِنْ غَلَبَ، وَذَهَابُ أَصْحَابِهِ إِنْ غُلِبَ، لَكِنْ كُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ قَوْلُهُ: (أَشْوَابًا) بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْوَاوِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْشَابًا بِتَقْدِيمِ الْوَاوِ، وَالْأَشْوَابُ الْأَخْلَاطُ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى، وَالْأَوْبَاشُ (^١) الْأَخْلَاطُ مِنَ السَّفَلَةِ، فَالْأَوْبَاشُ أَخَصُّ مِنَ الْأَشْوَابِ. قَوْلُهُ: (خَلِيقًا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَيْ حَقِيقًا وَزْنًا وَمَعْنًى، وَيُقَالُ خَلِيقٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ صِفَةً لِأَشْوَابٍ. قَوْلُهُ: (وَيَدَعُوكَ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ يَتْرُكُوكَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مَنْ سَمَّيْتُهُ وَكَأَنّي بِهِمْ لَوْ قَدْ لَقِيتَ قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمُوكَ فَتُؤْخَذُ أَسِيرًا فَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا وَفِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الْجُيُوشَ الْمُجَمَّعَةَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْفِرَارُ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُمْ يَأْنَفُونَ الْفِرَارَ فِي الْعَادَةِ. وَمَا دَرَى عُرْوَةُ أَنَّ مَوَدَّةَ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ مَوَدَّةِ الْقَرَابَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فَقَالَ. قَوْلُهُ: (امْصَصْ بَظْرَ اللَّاتِ) زَادَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهِيَ - أَيِ اللَّاتُ - طَاغِيَتُهُ الَّتِي يَعْبُدُ أَيْ طَاغِيَةُ عُرْوَةَ. وَقَوْلُهُ امْصَصْ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ضَمَّ الصَّادِ الْأُولَى وَخَطَّأَهَا، وَالْبَظْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ قِطْعَةٌ تَبْقَى بَعْدَ الْخِتَانِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَاللَّاتُ اسْمُ أَحَدِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ وَثَقِيفٌ يَعْبُدُونَهَا، وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الشَّتْمُ بِذَلِكَ لَكِنْ بِلَفْظِ الْأُمِّ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ الْمُبَالَغَةَ فِي سَبِّ عُرْوَةَ بِإِقَامَةِ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَقَامَ أُمِّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَغْضَبَهُ بِهِ مِنْ نِسْبَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفِرَارِ، وَفِيهِ جَوَازُ النُّطْقُ بِمَا يُسْتَبْشَعُ مِنَ الْأَلْفَاظِ لِإِرَادَةِ زَجْرِ مَنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تَخْسِيسٌ لِلْعَدُوِّ وَتَكْذِيبُهُمْ وَتَعْرِيضٌ بِإِلْزَامِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّاتَ بِنْتُ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِنْتًا لَكَانَ لَهَا مَا يَكُونُ لِلْإِنَاثِ. قَوْلُهُ: (أَنَحْنُ نَفِرُّ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. قَوْلُهُ: (مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. قَوْلُهُ: (أَمَا) هُوَ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ، وَقَوْلُهُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَسَمَ بِذَلِكَ كَانَ عَادَةً لِلْعَرَبِ. قَوْلُهُ: (لَوْلَا يَدٌ) أَيْ نِعْمَةٌ، وَقَوْلُهُ: (لَمْ أَجْزِكَ بِهَا) أَيْ لَمْ أُكَافِئْكَ بِهَا، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَكِنَّ هَذِهِ بِهَا أَيْ جَازَاهُ بِعَدَمِ إِجَابَتِهِ عَنْ شَتْمِهِ بِيَدِهِ الَّتِي كَانَ أَحْسَنَ إِلَيْهِ بِهَا، وَبَيَّنَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْإِمَامِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَدَ الْمَذْكُورَةَ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ تَحَمَّلَ بِدِيَةٍ فَأَعَانَهُ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا بِعَوْنٍ حَسَنٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ عَشْرِ قَلَائِصَ. قَوْلُهُ: (قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ) فِيهِ جَوَازُ الْقِيَامُ عَلَى رَأْسِ الْأَمِيرِ بِالسَّيْفِ بِقَصْدِ الْحِرَاسَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ تَرْهِيبِ الْعَدُوِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْجَالِسِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِ. قَوْلُهُ: (فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَجَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ. قَوْلُهُ: _________ (^١) وهي رواية في الحديث كما صرح القسطلاني. (وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ) فِي مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رِوَايَةَ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ مُقْبِلًا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرَ لِيَسْتَخْفِيَ مِنْ عُرْوَةَ عَمِّهِ. قَوْلُهُ: (بِنَعْلِ السَّيْفِ) هُوَ مَا يَكُونُ أَسْفَلَ الْقِرَابِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (أَخِّرْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ التَّأْخِيرِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ وَزَادَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَنْ يَمَسَّهُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَيَقُولُ عُرْوَةُ: وَيْحَكَ مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكَ وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ لِحْيَةَ مَنْ يُكَلِّمُهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُلَاطَفَةِ، وَفِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ، لَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفضِي لِعُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا، وَالْمُغِيرَةُ يَمْنَعُهُ إِجْلَالًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمًا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: الْمُغِيرَةُ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فَلَمَّا أَكْثَرَ الْمُغِيرَةُ مِمَّا يَقْرَعُ يَدَهُ غَضِبَ وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ آذَانِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ؟ وَاللَّهِ لَا أَحْسَبُ فِيكُمْ أَلْأَمَ مِنْهُ وَلَا أَشَرَّ مَنْزِلَةً وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ نَفْسِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ. قَوْلُهُ: (أَيْ غُدَرُ) بِالْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ عُمَرَ مَعْدُولٌ عَنْ غَادِرٍ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِ بِالْغَدْرِ. قَوْلُهُ: (أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ) أَيْ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي دَفْعِ شَرِّ غَدْرَتِكَ؟ وَفِي مَغَازِي عُرْوَةَ وَاللَّهِ مَا غَسَلْتُ يَدَيَّ مِنْ غَدْرَتِكَ، لَقَدْ أَوْرَثْتَنَا الْعَدَاوَةَ فِي ثَقِيفٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْأَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ: أَشَارَ عُرْوَةُ بِهَذَا إِلَى مَا وَقَعَ لِلْمُغِيرَةِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ ثَقِيفٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَغَدَرَ بِهِمْ وَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَتَهَايَجَ الْفَرِيقَانِ بَنُو مَالِكٍ وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَسَعَى عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَمُّ الْمُغِيرَةِ حَتَّى أَخَذُوا مِنْهُ دِيَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا وَاصْطَلَحُوا. وَفِي الْقِصَّةِ طُولٌ، وَقَدْ سَاقَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، وَالْوَاقِدِيُّ الْقِصَّةَ، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُمْ كَانُوا خَرَجُوا زَائِرِينَ الْمُقَوْقِسَ بِمِصْرَ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُمْ وَقَصَّرَ بِالْمُغِيرَةِ فَحَصَلَتْ لَهُ الْغَيْرَةُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا بِالطَّرِيقِ شَرِبُوا الْخَمْرَ، فَلَمَّا سَكِرُوا وَنَامُوا وَثَبَ الْمُغِيرَةُ فَقَتَلَهُمْ وَلَحِقَ بِالْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ. قَوْلُهُ: (أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ) بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ أَقْبَلُهُ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ) أَيْ لَا أَتَعَرَّضُ لَهُ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ غَدْرًا. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ فِي حَالِ الْأَمْنِ غَدْرًا لِأَنَّ الرُّفْقَةَ يَصْطَحِبُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَالْأَمَانَةُ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَأَنَّ أَمْوَالَ الْكُفَّارِ إِنَّمَا تَحِلُّ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ الْمَالَ فِي يَدِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يُسْلِمَ قَوْمُهُ فَيَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا أَتْلَفَ مَالَ الْحَرْبِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَرْمُقُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ يَلْحَظُ. قَوْلُهُ: (فَدَلَّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إِلَّا أَخَذُوهُ وَقَوْلُهُ: وَمَا يُحِدُّونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يُدِيمُونَ، وَفِيهِ طَهَارَةُ النُّخَامَةِ وَالشَّعْرِ الْمُنْفَصِلِ وَالتَّبَرُّكُ بِفَضَلَاتِ الصَّالِحِينَ الطَّاهِرَةِ، وَلَعَلَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُرْوَةَ وَبَالَغُوا فِي ذَلِكَ إِشَارَةً مِنْهُمْ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَا خَشِيَهُ مِنْ فِرَارِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا بِلِسَانِ الْحَالِ: مَنْ يُحِبُّ إِمَامَهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ وَيُعَظِّمُهُ هَذَا التَّعْظِيمَ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفِرُّ عَنْهُ وَيُسَلِّمُهُ لِعَدُوِّهِ؟ بَلْ هُمْ أَشَدُّ اغْتِبَاطًا بِهِ وَبِدِينِهِ وَبِنَصْرِهِ مِنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يُرَاعِي بَعْضُهَا بَعْضًا بِمُجَرَّدِ الرَّحِمِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوَصُّلِ إِلَى الْمَقْصُودِ بِكُلِّ طَرِيقٍ سَائِغٍ. قَوْلُهُ: (وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ) هُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَعْظَمَ مُلُوكِ ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَفِي مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ عُرْوَةُ: أَيْ قَوْمِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْمُلُوكَ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ، وَمَا هُوَ بِمَلِكٍ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ الْهَدْيَ مَعْكُوفًا، وَمَا أَرَاكُمْ إِلَّا سَتُصِيبُكُمْ قَارِعَةٌ، فَانْصَرَفَ هُوَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ وَفِي قِصَّةِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوْدَةِ عَقْلِهِ وَيَقَظَتِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوْقِيرِهِ وَمُرَاعَاةِ أُمُورِهِ وَرَدْعِ مَنْ جَفَا عَلَيْهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَالتَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِيِّ فَقَامَ الْحُلَيْسُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَبَاهُ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَكَانَ مِنْ رُءُوسِ الْأَحَابِيشِ، وَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْن كِنَانَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ بْنِ خُزَاعَةَ، وَالْقَارَّةُ وَهُمْ بَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَبَى اللَّهُ أَنْ تَحُجَّ لَخْمٌ وَجُذَامُ وَكِنْدَةُ وَحِمْيَرُ، وَيُمْنَعَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَوْلُهُ: (فَابْعَثُوهَا لَهُ) أَيْ أَثِيرُوهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عَرْضِ الْوَادِي بِقَلَائِدِهِ قَدْ حُبِسَ عَنْ مَحِلِّهِ رَجَعَ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنْ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ، عَنِ الْحَاكِمِ فَصَاحَ الْحُلَيْسُ فَقَالَ: هَلَكَتْ قُرَيْشٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَتَوْا عَمَّارًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجَلْ يَا أَخَا بَنِي كِنَانَةَ فَأَعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاطَبَهُ عَلَى بُعْدٍ. قَوْلُهُ: (فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَضِبَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ؟ فَقَالُوا: كُفَّ عَنَّا يَا حُلَيْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ الْمُخَادَعَةِ فِي الْحَرْبِ وَإِظْهَارِ إِرَادَةِ الشَّيْءِ وَالْمَقْصُودُ غَيْرُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ حُرُمَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِبَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ ابْنُ حَفْصٍ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ ابْنِ الْأَخْيَفِ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ الْفَاءُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَوَقَعَ بِخَطِّ ابْنِ عَبْدَةَ النَّسَّابَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِخَطِّ يُوسُفَ بْنِ خَلِيلٍ الْحَافِظِ بِضَمِّهَا وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَادِرٌ وَهُوَ أَرْجَحٌ، فَإِنِّي مَا زِلْتُ مُتَعَجِّبًا مِنْ وَصْفِهِ بِالْفُجُورِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ فُجُورٌ ظَاهِرٌ، بَلْ فِيهَا مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ، إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي مَغَازِي الْوَاقِدَيِّ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ لِقُرَيْشٍ كَيْفَ نَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَبَنُو كِنَانَةَ خَلْفَنَا لَا نَأْمَنُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا؟ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ حَفْصَ بْنَ الْأَخْيَفِ يَعْنِي وَالِدَ مِكْرَزٍ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَضِيءٌ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ بِدَمٍ لَهُ كَانَ فِي قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَتْ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، فَعَدَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ سَيِّدِ بَنِي بَكْرٍ غِرَّةً فَقَتَلَهُ، فَنَفَرَتْ مِنْ ذَلِكَ كِنَانَةُ، فَجَاءَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، وَكَانَ مِكْرَزٌ مَعْرُوفًا بِالْغَدْرِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّتَ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا فَأَخَذَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَهُوَ عَلَى الْحَرَسِ وَانْفَلَتَ مِنْهُمْ مِكْرَزٌ، فَكَأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَدَعَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقَالُوا: اذْهَبْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَصَالِحْهُ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ أَرَادَتْ قُرَيْشٌ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثَتْ هَذَا. قَوْلُهُ: (قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ إِلَخْ) هَذَا مَوْصُولٌ إِلَى مَعْمَرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُصَالِحُوهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ سُهَيْلًا قَالَ: قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ. قَوْلُهُ: (قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى مَعْمَرٍ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا اعْتَرَضَ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ فِي أَثْنَائِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقَوْلُ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا عَشْرَ سِنِينَ وَأَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُمْ هَذَا. (تَنْبِيهٌ): هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ مُدَّةُ الصُّلْحِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ سَنَتَيْنِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَائِذٍ وَغَيْرُهُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي انْتَهَى أَمْرُ الصُّلْحِ فِيهَا حَتَّى وَقَعَ نَقْضُهُ عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنَ الْمَغَازِي. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ وَالْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مُدَّةَ الصُّلْحِ كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ فَهُوَ مَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ مُنْكَرٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ فِيهَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ: فَقِيلَ لَا تُجَاوِزُ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ. وَقِيلَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ لَا تُجَاوِزُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ ثَلَاثًا، وَقِيلَ سَنَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ) هُوَ عَلِيٌّ بَيَّنَهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا مَضَى فِي الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ الْكِتَابُ عِنْدَنَا، كَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ انْتَهَى، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَصْلَ كِتَابِ الصُّلْحِ بِخَطِّ عَلِيٍّ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَنَسَخَ مِثْلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنَ الْأَوْهَامِ مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَنَّ اسْمَ كَاتِبِ الْكِتَابِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طُرُقٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ اسْمَ الْكَاتِبِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ قَالَ: كَانَ اسْمُ هِشَامِ بْنِ عِكْرِمَةَ بَغِيضًا، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ الصَّحِيفَةَ فَشُلَّتْ يَدُهُ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِشَامًا. قُلْتُ: وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَتَبَهَا هِشَامُ بْنُ عِكْرِمَةَ هِيَ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا قُرَيْشٌ لَمَّا حَصَرُوا بَنِي هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَتَوَهَّمَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّحِيفَةِ هُنَا كِتَابُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُ ذَلِكَ هُنَا خَشْيَةَ أَنْ يَغْتَرَّ بِذَلِكَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ فَيَعْتَقِدُهُ اخْتِلَافًا فِي اسْمِ كَاتِبِ الْقِصَّةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ: (هَذَا مَا قَاضَى) بِوَزْنِ فَاعَلَ مِنْ قَضَيْتُ الشَّيْءَ أَيْ فَصَلْتُ الْحُكْمَ فِيهِ، وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُعَاقَدَاتِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَهُ مُعْتَلًّا بِخَشْيَةِ أَنْ يُظَنَّ فِيهَا أَنَّهَا نَافِيَةٌ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ. قَوْلُهُ: (لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً) بِضَمِّ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ قَهْرًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْنَا عَنْوَةً. قَوْلُهُ: (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى مُحَمَّدًا مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ يَتَّبِعُ مُحَمَّدًا لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَلَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَهَلْ دَخَلْنَ فِي هَذَا الصُّلْحِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِنَّ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ إِلَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ فَخُصِّص؟ وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ الصُّلْحِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً أَيْ أَمْرًا مَطْوِيًّا فِي صُدُورٍ سَلِيمَةٍ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا تَقَدَّمَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ أَيْ لَا سَرِقَةَ وَلَا خِيَانَةَ، فَالْإِسْلَالُ مِنَ السَّلَّةِ وَهِيَ السَّرِقَةُ، وَالْإِغْلَالُ الْخِيَانَةُ تَقُولُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ أَيْ خَانَ، أَمَّا فِي الْغَنِيمَةِ فَيُقَالُ: غَلَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ سِرًّا وَجَهْرًا، وَقِيلَ الْإِسْلَالُ مِنْ سَلِّ السُّيُوفِ، وَالْإِغْلَالُ مِنْ لُبْسِ الدُّرُوعِ، وَوَهَّاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ: وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَأَنَّكَ تَرْجِعُ عَنَّا عَامَكَ هَذَا فَلَا تَدْخُلُ مَكَّةَ عَلَيْنَا، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ خَرَجْنَا عَنْكَ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِكَ فَأَقَمْتَ بِهَا ثَلَاثًا مَعَكَ سِلَاحُ الرَّاكِبِ: السُّيُوفُ فِي الْقِرَبِ، وَلَا تَدْخُلْهَا بِغَيْرِهِ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ سَيَأْتِي مِثْلُهَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الْمَغَازِي، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ هُوَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. قَوْلُهُ: (قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ)؟ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ الشُّرُوطِ وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وَامْتَعَضُوا مِنْهُ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَّا رَدَّهُ وَقَائِلُ ذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عُمَرُ لِمَا سَيَأْتِي، وَسَمَّى الْوَاقِدِيُّ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ إِلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَيْنَا فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَزَادَ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ هُنَا، وَلِابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. فَلَمَّا لَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ إِذْ رَمَى رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَتَصَايَحَ الْفَرِيقَانِ، وَارْتَهَنَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ عِنْدَهُمْ، فَارْتَهَنَ الْمُشْرِكُونَ عُثْمَانَ وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتَهَنَ الْمُسْلِمُونَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَمَنْ مَعَهُ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْعَبَهُمُ اللَّهُ، فَأَرْسَلُوا مَنْ كَانَ مُرْتَهَنًا وَدَعَوْا إِلَى الْمُوَادَعَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ بَيَانُ مَنْ أَخْرَجَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَوْصُولَةً وَكَيْفِيَّةِ الْبَيْعَةِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ مَنْ بَايَعَ وَفِي سَبَبِ الْبَيْعَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلٍ) بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَزْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَتَرَكَهُ لَمَّا أَسْلَمَ، وَلَهُ أَخٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَسْلَمَ أَيْضًا قَدِيمًا وَحَضَرَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا فَفَرَّ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ كَانَ مَعَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا. وَقَدِ اسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بِالْيَمَامَةِ قَبْلَ أَبِي جَنْدَلٍ بِمُدَّةٍ، وَأَمَّا أَبُو جَنْدَلٍ فَكَانَ حُبِسَ بِمَكَّةَ وَمُنِعَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَعُذِّبَ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّ الصَّحِيفَةَ لَتُكْتَبُ إِذْ طَلَعَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وَكَانَ أَبُوهُ حَبَسَهُ فَأَفْلَتَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ وَكَانَ سُهَيْلٌ أَوْثَقَهُ وَسَجَنَهُ حِينَ أَسْلَمَ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ وَتَنَكَّبَ الطَّرِيقَ وَرَكِبَ الْجِبَالَ حَتَّى هَبَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَتَلَقَّوْهُ. قَوْلُهُ: (يَرْسُفُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ أَيْ يَمْشِي مَشْيًا بَطِيئًا بِسَبَبِ الْقَيْدِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَنْ أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ: فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ يُلَبِّبُهُ. قَوْلُهُ: (إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ) أَيْ لَمْ نَفْرُغْ مِنْ كِتَابَتِهِ. قَوْلُهُ: (فَأَجِزْهُ لِي) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِجَازَةِ أَيْ أَمْضِ لِي فِعْلِي فِيهِ فَلَا أَرُدُّهُ إِلَيْكَ، أَوْ أَسْتَثْنِيهِ مِنَ الْقَضِيَّةِ. وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ فَأَجِرْهُ بِالرَّاءِ وَرَجَّحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الزَّايَ، وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِالْقَوْلِ وَلَوْ تَأَخَّرَتِ الْكِتَابَةُ وَالْإِشْهَادُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ لِسُهَيْلٍ الْأَمْرَ فِي رَدِّ ابْنِهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَلَطَّفَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ رَجَاءَ أَنْ يُجِيبَهُ لِذَلِكَ وَلَا يُنْكِرَهُ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ، فَلَمَّا أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ تَرَكَهُ لَهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْإِضْرَابِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بَلَى وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا أَجَابَ بِهِ سُهَيْلٌ، مِكْرَزًا فِي ذَلِكَ، قِيلَ فِي الَّذِي وَقَعَ مِنْ مِكْرَزٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْفُجُورِ، وَكَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يُسَاعِدَ سُهَيْلًا عَلَى أَبِي جَنْدَلٍ فَكَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ عَكْسُ ذَلِكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفُجُورَ حَقِيقَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْبِرِّ نَادِرًا، أَوْ قَالَ ذَلِكَ نِفَاقًا وَفِي بَاطِنِهِ خِلَافُهُ، أَوْ كَانَ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَأَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ فُجُورِهِ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يُجِبْ سُؤَالَهُ لِأَنَّ مِكْرَزًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ جُعِلَ لَهُ أَمْرُ عَقْدِ الصُّلْحِ بِخِلَافِ سُهَيْلٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْوَاقِدِيَّ رَوَى أَنَّ مِكْرَزًا كَانَ مِمَّنْ جَاءَ فِي الصُّلْحِ مَعَ سُهَيْلٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، لَ
В этой части текста рассказывается о событиях, связанных с отношениями между мусульманами и курайшитами в период Худайбийского договора. Курайшиты убивали мусульман и забирали их имущество, после чего послали к Пророку ﷺ с просьбой о пощаде, клянясь Аллахом и родственными узами. Пророк ﷺ объявил, что тот, кто придет к нему, будет в безопасности. В ответ на это Аллах ниспослал аят: «И Он удержал их руки от вас и ваши руки от них в долине Мекки после того, как вы одержали победу над ними» (сура 48:24), вплоть до слов «гордость — гордость эпохи невежества», что означает, что гордость курайшитов заключалась в том, что они не признавали Пророка Аллаха и не принимали «Во имя Аллаха, Милостивого, Милосердного», и препятствовали мусульманам войти в Дом Аллаха. Абу Абдуллах объясняет термин «мааррат» как «короста», «узлы», а «хазилу» — как «рассеялись». «Хамайту» означает «я защитил их», «ахмайту аль-хима» — «сделал это неприступным убежищем», а «ахмайту ар-раджул» — «защитил человека, когда он разгневан». Далее приводится риваят от Укайля от аз-Зухри, в котором Урва передает, что Айша (да будет доволен ею Аллах) сообщала, что Пророк ﷺ испытывал своих жен. Когда Аллах повелел возвращать имущиеся у мусульман вещи, которые были потрачены на жен, перешедших в ислам, и запретил мусульманам удерживать пленных неверных, Умар развелся с двумя женщинами — Курайба бинт Абу Умайя и дочерью Джарвала аль-Хузаъи. Курайба вышла замуж за Муавию, а другая — за Абу Джахма. Когда неверные отказались признать возврат того, что мусульмане потратили на их жён, Аллах ниспослал аят из суры «Аль-Мумтахана»: «Если что-то из ваших жен перейдет к неверным, и вы накажете их...» — где «наказание» означает возврат мусульманам того, что они потратили на приданое жен неверных, которые приняли ислам и эмигрировали. Известно, что ни одна из мигранток после принятия веры не отреклась от неё. Также сообщается, что Абу Басир бин Асид аль-Такфи пришел к Пророку ﷺ как верующий эмигрант, и Ахнас бин Шарик написал Пророку ﷺ с вопросом о нём, приводя этот хадис. Далее обсуждается глава о правилах джихада, примирения с врагами и заключения договоров, где приводится риваят от Мисвара бин Махрамы и Марвана (сына аль-Хакема). Эта риваят считается мурасаля (прерванной), так как Марван не был сподвижником, а Мисвар не присутствовал при описываемых событиях. Однако Урва слышал от них рассказы о сподвижниках Пророка ﷺ, включая Умара, Усмана, Али, Мугиру, Умм Саламу, Сахля бин Хунифа и других. В этом хадисе содержится указание на Умара, что будет дополнительно отмечено. Далее уточняется, что время описываемых событий — Худайбийский период. Худайбийя — это колодец или сухое дерево, по-разному объясняемое. Мухибб ат-Табари называет Худайбийю деревней близ Мекки, большей частью в пределах Харама. В риваяте Ибн Исхака от аз-Зухри говорится, что в год Худайбийи Пророк ﷺ вышел с намерением посетить Дом Аллаха, не желая войны. По Ибн Сааду, Пророк ﷺ вышел в понедельник первого дня месяца Зуль-Каада. Сафьян, аз-Зухри, Ахмад и Абдурраззак приводят риваяты о том, что, достигнув места Зуль-Хульфа, Пророк ﷺ совершил омовение, возложил жертвенное животное и вошел в состояние ихрама для умры. Он послал разведчиков из племени Хузаъа. Абдул Азиз аль-Имами от аз-Зухри сообщает, что Пророк ﷺ вышел в 180 году хиджры и послал разведчика по имени Наджия, который приносил ему новости о курайшитах. Известно, что Наджия — имя того, кто сопровождал жертву, как подтверждают Ибн Исхак и другие. Тот, кого послали разведчиком для новостей о курайшитах, звали Буср бин Суфьян. Далее говорится, что автор сократил длинный хадис, приводя его лишь частично, а остальное оставил в разделе «Магази» по пути Суфьяна бин Уйайны от аз-Зухри. Ма'мар передал от аз-Зухри, что Пророк ﷺ дошел до Гадир аль-Аштат, где его глаза увидели, что курайшиты собрали войско, включая аль-Ахабиш — врагов мусульман, препятствующих им войти в Дом Аллаха. Пророк ﷺ спросил своих сподвижников, стоит ли уступить тем, кто хочет помешать им войти в Дом Аллаха, и если они придут, то Аллах уже нанес удар по некоторым из них, иначе они останутся в изоляции. Абу Бакр сказал, что Пророк ﷺ вышел с намерением совершить умру, не желая войны, и посоветовал идти вперед с именем Аллаха, а тех, кто будет препятствовать, сражать. Бухари приводит этот рассказ в «Магази», а Ахмад и Ибн Хиббан приводят его с некоторыми дополнениями. Ма'мар передал от аз-Зухри, что Абу Хурайра говорил, что никто не советовал своих сподвижников так часто, как Пророк ﷺ. Бухари опустил этот фрагмент, так как он мурасаль (прерванный), поскольку аз-Зухри не слышал его от Абу Хурайры. В риваяте Ахмада говорится, что когда они были у Гадир аль-Аштат, близ Асфана, Пророк ﷺ спросил, не стоит ли склониться к тем, кто помог курайшитам, чтобы нанести им удар. Если они останутся дома, то будут в изоляции, а если придут — их шеи будут перерезаны Аллахом. Это указание на то, что Пророк ﷺ советовался со своими сподвижниками, стоит ли нарушать договор с теми, кто поддерживал курайшитов, и если они придут на помощь, то мусульмане займутся ими, а Пророк и его сподвижники останутся с курайшитами. Абу Бакр посоветовал отказаться от боя и продолжить умру, пока не начнется первая агрессия со стороны курайшитов, после чего Пророк ﷺ вернулся к своему первоначальному решению. Ахмад добавляет, что Абу Бакр сказал: «Аллах и Его Посланник знают лучше, о Пророк Аллаха, мы пришли с намерением совершить умру...»