٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً"
[الحديث ٢٧٣٩ - أطرافه في: ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١]
٢٧٤٠ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ"
[الحديث ٢٧٤٠ - طرفاه في: ٤٤٦٠، ٥٠٢٢]
٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ قَالَ "ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي - فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ"؟
[الحديث ٢٧٤١ - طرفه في: ٤٤٥٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَايَا) أَيْ حُكْمِ الْوَصَايَا.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمَرْءَ هُوَ الرَّجُلُ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ - فِي الْوَصِيَّةِ الصَّحِيحَةِ - بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إِسْلَامٌ وَلَا رُشْدٌ وَلَا ثُيُوبَةٌ وَلَا إِذْنُ زَوْجٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا الْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَأَمَّا وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فَفِيهَا خِلَافٌ: مَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَظْهَرِ، وَصَحَّحَهَا مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ رَجَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ وَغَيْرُهُ، وَمَالَ إِلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ الْوَارِثَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ وَصِيَّةِ الْمُمَيِّزِ، قَالَ: وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَعْقِلَ مَا يُوصِي بِهِ. وَرَوَى الْمُوَطَّأُ فِيهِ أَثَرًا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ غُلَامٍ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوِيٌّ فَإِنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ وَلَهُ شَاهِدٌ، وَقَيَّدَ مَالِكٌ صِحَّتَهَا بِمَا إِذَا عَقَلَ وَلَمْ يَخْلِطْ، وَأَحْمَدُ بِسَبْعٍ وَعَنْهُ بِعَشْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ - إِلَى - جَنَفًا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلنَّسَفِيِّ الْآيَةَ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ إِلَى غَفُورٍ رَحِيمٍ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْوَصِيَّةُ وَقْتَ حُضُورِ الْمَوْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ مَفْعُولَ كَتَبَ، أَوِ الْوَصِيَّةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لِلْوَالِدَيْنِ، وَدَلَّ قَوْلُهُ: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَالُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا لَا تُشْرَعُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَالُ الْكَثِيرُ فَلَا تُشْرَعُ لِمَنْ لَهُ مَالٌ قَلِيلٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ التَّافِهُ مِنَ الْمَالِ أَنَّهُ لَا تُنْدَبُ لَهُ الْوَصِيَّةُ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، فَالثَّابِتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ الْوَصِيَّةَ حَقًّا فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَدْبِيَّةُ الْوَصِيَّةِ مِنْ
غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. نَعَمْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ: إِنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا وَالْعِيَالُ كَثِيرًا اسْتُحِبَّ لَهُ تَوْفِرَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ الْمَالِ كَأَنْ يُعَيِّنَ مَنْ يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِ وَلَدِهِ أَوْ يَعْهَدَ إِلَيْهِمْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ نَدْبِيَّتَهُ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْمَالِ الْكَثِيرِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَعَنْ عَلِيٍّ: سَبْعُمِائَةٍ مَالٌ قَلِيلٌ، وَعَنْهُ ثَمَانُمِائَةٍ مَالٌ قَلِيلٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ فِيمَنْ تَرَكَ عِيَالًا كَثِيرًا وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ لَيْسَ هَذَا بِمَالٍ كَثِيرٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا) هُوَ تَفْسِيرُ عَطَاءٍ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ: الْجَنَفُ الْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ وَأَخْرَجَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْجَنَفَ: الْخَطَأُ وَالْإِثْمَ: الْعَمْدُ.
قَوْلُهُ: (مُتَجَانِفٌ: مُتَمَايِلٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ مَائِلٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ: قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) أَيْ غَيْرَ مُنْعَوِجٍ مَائِلٍ لِلْإِثْمِ، وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِإِثْمٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، وَالْوَصْفُ بِالْمُسْلِمِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، أَوْ ذُكِرَ لِلتَّهْيِيجِ لِتَقَعَ الْمُبَادَرَةُ لِامْتِثَالِهِ لِمَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْإِسْلَامِ عَنْ تَارِكِ ذَلِكَ، وَوَصِيَّةُ الْكَافِرِ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ شُرِعَتْ زِيَادَةً فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْكَافِرُ لَا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَالْإِعْتَاقِ وَهُوَ يَصِحُّ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: مَا حَقُّ امْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالْوَصِيَّةِ الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَسَّرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ اهـ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ الْحَدِيثَ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عَوْنٍ جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَمْ يُتَابَعِ ابْنُ عَوْنٍ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ. قُلْتُ: إِنْ عَنَى عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِهَا فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِنْ عَنَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَمَرْدُودٌ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُهُ: لَهُ مَالٌ أَوْلَى عِنْدِي مِنْ قَوْلِ مَنْ رَوَى لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْمَالِ، كَذَا قَالَ، وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا فَرِوَايَةُ شَيْءٍ أَشْمَلُ لِأَنَّهَا تَعُمُّ مَا يُتَمَوَّلُ وَمَا لَا يُتَمَوَّلُ كَالْمُخْتَصَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (يَبِيتُ) كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ أَنْ يَبِيتَ، هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الْآيَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَبِيتُ صِفَةً لِمُسْلِمٍ وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ قَالَ: هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، وَقَوْلُهُ: يُوصِي فِيهِ صِفَةُ شَيْءٍ، وَمَفْعُولُ يَبِيتُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ آمِنًا أَوْ ذَاكِرًا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَقْدِيرُهُ مَوْعُوكًا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْوَصِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَرِيضِ. نَعَمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا يُنْدَبُ أَنْ يَكْتُبَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَقَّرَةِ وَلَا مَا جَرَتِ
الْعَادَةُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَالْوَفَاءُ لَهُ عَنْ قُرْبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَتَيْنِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، وَلِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا فَفُسِحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرُ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَكَأَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ لَمْ أَبَتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي تَخْصِيصِ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ بِالذِّكْرِ تَسَامُحٌ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ زَمَانًا مَا، وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) هُوَ الطَّائِفِيُّ (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) يَعْنِي فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذِهِ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عِمْرَانُ بْنُ أَبَانَ - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَعِمْرَانُ أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ وَضَعَّفَهُ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ غَرَائِبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَلَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَعَطَاءٌ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ فِي آخَرِينَ، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَآخَرُونَ.
وَنَسَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ إِلَى الْإِجْمَاعِ سِوَى مَنْ شَذَّ، كَذَا قَالَ، وَاسْتُدِلَّ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصِ لَقُسِّمَ جَمِيعُ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لَأُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ سَهْمٌ يَنُوبُ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسَ الْحَدِيثَ.
وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الَّذِي نُسِخَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَرِثُ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَقْتَضِي النَّسْخَ فِي حَقِّهِ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا حَقُّ امْرِئٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وَصِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ، وَهَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَقُّ لُغَةً الشَّيْءُ الثَّابِتُ، وَيُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ أَيْضًا لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ عَلَى أَوْ نَحْوُهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ، بَلِ اقْتَرَنَ هَذَا الْحَقُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ تَفْوِيضُ الْوَصِيَّةِ إِلَى إِرَادَةِ الْمُوصِي حَيْثُ قَالَ: لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا عَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ لَا يَحِلُّ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ بِنَفْيِ الْحِلِّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ فَأَكْثَرُهُمْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَعَنْ طَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي آخَرِينَ تَجِبُ لِلْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ خَاصَّةً أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ، قَالُوا: فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ لَمْ تَنْفُذْ وَيُرَدُّ الثُّلُثُ كُلُّهُ إِلَى قَرَابَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: ثُلُثَا الثُّلُثِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، وَأَقْوَى مَا يَرِدُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ
حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، قَالَ: فَجَعَلَ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةً، وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُمْ كَانُوا أَقَارِبَ الْمُعْتِقِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ تَكُنْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تَمْلِكَ مَنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ مَنْ لَا قَرَابَةَ لَهُ أَوْ كَانَ مِنَ الْعَجَمِ، فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ لَبَطَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ يَخْتَصُّ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ يَخْشَى أَنْ يَضِيعَ عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ وَدَيْنٍ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَنْجِيزِهِ وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا. فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ سَاغَ لَهُ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِعَيْنِهَا، وَإِنَّ الْوَاجِبَ لِعَيْنِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلْغَيْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِتَنْجِيزٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَنْجِيزِ مَا عَلَيْهِ وَكَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا أَوْ عَلِمَ بِهَا غَيْرُهُ فَلَا وُجُوبَ، وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً فِيمَنْ رَجَا مِنْهَا كَثْرَةَ الْأَجْرِ، وَمَكْرُوهَةً فِي عَكْسِهِ، وَمُبَاحَةً فِيمَنِ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ، وَمُحَرَّمَةً فِيمَا إِذَا كَانَ فِيهَا إِضْرَارٌ كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ.
فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَهَا وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَالْعِبْرَةُ بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى، عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَبَتْ لَيْلَةً إِلَّا وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَةٌ عِنْدِي وَالَّذِي احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: أَلَا تُوصِي؟ قَالَ: أَمَّا مَالِي فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ فِيهِ، وَأَمَّا رِبَاعِي فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَ وَلَدِي فِيهَا أَحَدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيَتَعَاهَدُهَا ; ثُمَّ صَارَ يُنَجِّزُ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ مُعَلَّقًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ فِي مَالِي. وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهُ الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ الْحَدِيثَ، فَصَارَ يُنَجِّزُ مَا يُرِيدُ التَّصَدُّقَ بِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْلِيقٍ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْوَصَايَا أَنَّهُ وَقَفَ بَعْضَ دُورِهِ، فَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، وَخَصَّ أَحْمَدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ، قَالُوا: وَمَعْنَى وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ أَيْ بِشَرْطِهَا. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِضْمَارُ الْإِشْهَادِ فِيهِ بُعْدٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذِكْرُ الْكِتَابَةِ مُبَالَغَةٌ فِي زِيَادَةِ التَّوَثُّقِ، وَإِلَّا فَالْوَصِيَّةُ الْمَشْهُودُ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْفُذُ وإِنْ كَانَتْ عِنْدَ صَاحِبِهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَارْتَجَعَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ عُمَرَ لِمُبَادَرَتِهِ لِامْتِثَالِ قَوْلِ الشَّارِعِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى التَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ وَالِاحْتِرَازِ قَبْلَ الْفَوْتِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِنٍّ يُفْرَضُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْعٌ جَمٌّ ; وَكُلُّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ جَائِزٌ أَنْ يَمُوتَ فِي الْحَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُبَ
وَصِيَّتَهُ، وَيَجْمَعَ فِيهَا مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْأَجْرُ وَيُحْبِطُ عَنْهُ الْوِزْرَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: لَهُ شَيْءٌ أَوْ لَهُ مَالٌ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَمَنَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَمُطْلَقُهَا يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ، لَكِنَّ السَّلَفَ خَصُّوهَا بِالْمَرِيضِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ فِي الْخَبَرِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِهِ، وَقَوْلُهُ: مَكْتُوبَةٌ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِخَطِّهِ أَوْ بِغَيْرِ خَطِّهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُهِمَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا أَثْبَتُ مِنَ الضَّبْطِ بِالْحِفْظِ لِأَنَّهُ يَخُونُ غَالِبًا. الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ) هُوَ بَغْدَادِيٌّ سَكَنَ نَيْسَابُورَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَشَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ بِالتَّصْغِيرِ وَأَدَاةُ الْكُنْيَةِ هُوَ الْكَرْمَانِيُّ وَلَيْسَ هُوَ يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ الْمِصْرِيَّ صَاحِبَ اللَّيْثِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْخُزَاعِيُّ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو جُوَيْرِيَةَ بِالْجِيمِ وَالتَّصْغِيرِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فِي الْخُمُسِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً) أَيْ فِي الرِّقِّ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رَقِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ الْأَخْبَارِ كَانَ إِمَّا مَاتَ وَإِمَّا أَعْتَقَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَارِيَةَ وَالِدَةَ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مَاتَتْ فِي حَيَاتِهِ ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْئًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا شَاةً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، نَعَمْ رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً) سَيَأْتِي ذِكْرُ الْبَغْلَةِ وَالسِّلَاحِ فِي آخِرِ الْمَغَازِي، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي: وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَحَادِيثُ الْبَابِ مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ لِلْوَصِيَّةِ ذِكْرٌ، قَالَ: لَكِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُوصًى بِهَا فَتُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ انْتَهَى. وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ تَحْصُلُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ فَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لِبَقَائِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي هُوَ شَبِيهُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ نَفْيُ كَوْنِهِ ﷺ أَوْصَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، ظَاهِرُهُ أَنَّ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ لَمْ يَنْسُبْهُ فَلِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ ابْنُ مَغُولٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ مَالِكَ بْنَ مَغُولٍ تَفَرَّدَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا) هَكَذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلِذَلِكَ سَاغَ نَفْيُهَا، لَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي: هَلْ قَالَ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ، أَوْ قَالَ: كَيْفَ أُمِرُوا بِهَا؟ زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُوصِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الِاعْتِرَاضُ، أَيْ كَيْفَ يُؤْمَرُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ وَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى أَرَادَ لَمْ يُوصِ بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ مَالًا، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَدْ سَبَّلَهَا فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا السِّلَاحُ وَالْبَغْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تُورَثُ عَنْهُ بَلْ جَمِيعُ مَا يَخْلُفُهُ صَدَقَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ مِنَ الْجِهَةِ الْمَالِيَّةِ.
وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُرِدِ ابْنُ أَبِي أَوْفَى نَفْيَهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ وَصِيَّتَهُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي بَعْدَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ
شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي عَوَانَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ طَلْحَةُ: فَقَالَ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَتَأَمَّرُ ع لَى وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَدَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ وَجَدَ عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَزَمَ أَنْفَهُ بِخِزَامٍ وَهُزَيْلٌ هَذَا بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَمِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَدِيثِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ السُّؤَالِ بِالْوَصِيَّةِ بِالْخِلَافَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا مُطْلَقِ الْوَصِيَّةِ. قُلْتُ: أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فَقَالَ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ شَيْئًا يُوصِي فِيهِ.
قِيلَ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اسْتِبْعَادُ طَلْحَةَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ، فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَخَصَّهُ بِهِ، فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةَ وَأُمِرُوا بِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ؟ فَأَجَابَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ، قَالَ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاجِبَةٌ، كَذَا قَالَ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ ﷺ: تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ.
وَأَمَّا مَا صَحَّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: لَا يَبْقَيَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ وَفِي لَفْظٍ: أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَقَوْلُهُ: أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الثَّالِثَةَ، وَكَذَا مَا ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُمْكِنُ حَصْرُهَا بِالتَّتَبُّعِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى لَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ وَأَهَمَّ، وَلِأَنَّ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ إِمَّا بِطَرِيقِ النَّصِّ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، فَإِذَا اتَّبَعَ النَّاسُ مَا فِي الْكِتَابِ عَمِلُوا بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الْآيَةَ، أَوْ يَكُونُ لَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا حَالَ قَوْلِهِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّفْيِ الْوَصِيَّةَ بِالْخِلَافَةِ أَوْ بِالْمَالِ، وَسَاغَ إِطْلَاقُ النَّفْيِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَبِقَرِينَةِ الْحَالِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عُرْفًا، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُوصِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْهُ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُ مَا قَالَ وَتَكَلَّفُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوِ الْمَنْفِيُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ أَوِ الْإِمَامَةُ، وَالْمُثْبَتُ الْوَصِيَّةُ بِكِتَابِ اللَّهِ، أَيْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ انْتَهَى. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَزُرَارَةُ بِضَمِّ الزَّايِ، وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ زُرَارَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَهُوَ بَغْدَادِيٌّ وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ بَدَلَ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زُرَارَةَ يَعْنِي الرَّقِّيَّ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، إِسْمَاعِيلَ بْنَ زُرَارَةَ الثَّغْرِيَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْكَلَابَاذِيُّ وَلَا الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ خَالُهُ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَانَتْ الشِّيعَةُ قَدْ وَضَعُوا أَحَادِيثَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى بِالْخِلَافَةِ لِعَلِيٍّ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا اسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَةُ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَ
السَّقِيفَةِ. وَهَؤُلَاءِ (^١) تَنَقَّصُوا عَلِيًّا مِنْ حَيْثُ قَصَدُوا تَعْظِيمَهُ، لِأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ - مَعَ شَجَاعَتِهِ الْعُظْمَى وَصَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ - إِلَى الْمُدَاهَنَةِ وَالتَّقِيَّةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَهَا أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَلِذَلِكَ سَاغَ لَهَا إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَاسْتَنَدَتْ إِلَى مُلَازَمَتِهَا لَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي حِجْرِهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَسَاغَ لَهَا نَفْيُ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ مُنْحَصِرًا فِي مَجَالِسَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِيهِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُوصِ وَسَيَأْتِي فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عُمَرَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْهَدْ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ الْإِمَارَةِ شَيْئًا الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ الْخِلَافَةِ فَوَرَدَتْ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ يَجْتَمِعُ مِنْهَا أَشْيَاءُ: مِنْهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ فِي الزُّهْدِ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: مَا فَعَلَتِ الذّهَيبةُ؟ قُلْتُ: عِنْدِي. فَقَالَ: أَنْفِقِيهَا الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَزَادَ فِيهِ: ابْعَثِي بِهَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْهُ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: لَمْ يُوصِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا بِثَلَاثٍ: لِكُلٍّ مِنَ الدَّارِيِّينَ وَالرَّهَاوِيِّينَ وَالْأَشْعَرِيِّينَ بحاد (^٢) مِائَةِ وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَأَنْ يُنْفَذَ بَعْثُ أُسَامَةَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَوْصَى بِثَلَاثٍ: أَنْ تُجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ وَاللَّفْظُ لَهُ كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ نُعَيْمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيٍّ: وَأَدُّوا الزَّكَاةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ شَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَخْرَجَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ مِنَ الْفِتَنِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلُزُومَ الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ مُرْسَلِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ صلى
الله عليه وسلم أَوْصَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: قُولِي إِذَا مُتُّ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنَا - يَعْنِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَقَالَ: لَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ انْتَهَى، وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَغَسِّلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِ غَرْسٍ وَكَانَتْ بِقُبَاءٍ وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي ضَبْطُهَا وَزِيَادَةٌ فِي حَالِهَا فِي
_________
(^١) أي الشيعة
(^٢) قال مصحح طبعة بولاق: كذا بالأصول التي بأيدينا، وحرر الرواية
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом 2739 - Передал нам Ибн Хариф, передал нам Яхья ибн Аби Букайр, передал нам Зухейр ибн Муавия аль-Джуафи, передал нам Абу Исхак от Амра ибн Хариф, зятя Посланника Аллаха ﷺ, брата Джувейрии бинт аль-Хариф, который сказал: «Посланник Аллаха ﷺ не оставил при своей смерти ни дирхема, ни динара, ни раба, ни рабыню, ни что-либо, кроме своей белой мулы, своего оружия и земли, которую он назначил садакой». [Хадис 2739 — его части в: 2873, 2912, 3098, 4461]
2740 - Передал нам Халад ибн Яхья, передал нам Малик, он же ибн Мигвол, передал нам Тальха ибн Мусарриф, который спросил Абдуллаха ибн Аби Офу رضي الله عنه: «Советовал ли Пророк ﷺ?» Он ответил: «Нет». Я спросил: «Как же тогда предписана людям завещательная воля или им велено завещать?» Он сказал: «Он советовал Книге Аллаха». [Хадис 2740 — его концы в: 4460, 5022]
2741 - Передал нам Амр ибн Зурара, сообщил нам Исмаил от Ибн Ауна от Ибрахима от аль-Асвада, который сказал: «Упоминали при Айше رضي الله عنها, что Али رضي الله عنه был наследником (наставником), и она сказала: «Когда же он назначил его, если я поддерживала его на коленях — или сказала: на лоне? — он позвал сковороду, и она вонзилась в мое лоно, так что я не почувствовала, что он умер. Когда же он назначил его?»» [Хадис 2741 — его конец в: 4459]
Сказание: «Глава о завещаниях» означает постановление о завещаниях.
Сказание: «А слова Пророка ﷺ: «Завещание человека записано у него»» — я не встречал этого хадиса с дословным упоминанием, но, кажется, по смыслу, ибо человек — это мужчина, однако выражение с ним вышло в большинстве случаев. Впрочем, в правильном завещании нет разницы между мужчиной и женщиной, не требуется в нем ни ислам, ни разум, ни зрелость, ни разрешение супруга. Единственное условие для его правильности — разум и свобода. Что касается завещания разумного ребенка, то в этом вопросе есть разногласия: ханафиты и шафииты в основном запрещают его, а Малик, Ахмад и один из мнений шафиитов подтверждают его. Это мнение поддержал Ибн Аби Асрун и другие, а также к нему склонялся Субки, подтверждая, что наследник не имеет права на треть, поэтому нет основания запрещать завещание разумного ребенка. Сказал: «Важным является, чтобы он понимал то, что завещает». В Муаттаа передан рассказ от Омара, что он разрешил завещание мальчика, который еще не достиг половой зрелости. Аль-Байхаки отметил, что шафиит связал это мнение с достоверностью упомянутого предания, которое является сильным, так как его передатчики надежны и имеется свидетельство. Малик ограничил его правильность тем, чтобы ребенок был разумен и не смешивал, а Ахмад — семью годами, а по другим сведениям — десятью.
Сказание: «И сказал Аллах ﷿: «Предписано вам, когда смерть приблизится к кому-либо из вас, если он оставит добро, завещание для родителей»» — до слова «джанфан» (наклон, уклон) — так сказал Атаа, переданный ат-Табари с достоверным иснадом, и подобное сказал Абу Убайда в переносном смысле: «Джанф — это отклонение от истины». Ас-Судди и другие сказали, что джанф — это ошибка и грех, а умысел.
Сказание: «Мутаджанин: наклоняющийся» — так говорят большинство, а у Абу Зара — «маил» (наклон). Абу Убайда в переносном смысле сказал: «Его слова: «не мутаджанин ли для греха» — то есть не изогнутый, не наклоняющийся к греху». Ат-Табари передал от Ибн Аббаса и других, что смысл — не умышленный грех.
Затем автор привел в главе четыре хадиса:
Первый — хадис Ибн Омара с двух сторон.
Сказание: «Нет права у мусульманина...» — так в большинстве риваятов, а слово «мусульманин» опущено в риваяте Ахмада от Исхака ибн Исы от Малика. Описание «мусульманин» вышло в большинстве случаев бессмысленным или упомянуто для побуждения к исполнению, чтобы не было отказа от этого, и завещание неверующего допустимо в целом. Ибн Мундир сообщил о единодушии по этому вопросу. Субки рассматривал это с точки зрения того, что завещание предписано как добавление к добрым делам, а у неверующего нет дела после смерти, и ответил, что они считали завещание подобным освобождению раба, которое действительно у димми и врага, и Аллах знает лучше.
Сказание: «Что-то, что человек завещает» — сказал Ибн Абд аль-Барр: передатчики не расходились с Маликом в этой формулировке. Передал Айюб от Нафи с формулировкой «что-то, что он хочет завещать», и передал Убайд Аллах ибн Умар от Нафи подобно Айюбу, это приводится у Муслима. Ахмад передал от Суфьяна от Айюба с формулировкой: «Обязанность для каждого мусульманина — не оставаться две ночи с тем, что он хочет завещать». Шафии передал от Суфьяна с формулировкой: «Нет права у верующего не верить в завещание». Ибн Абд аль-Барр пояснил, что это значит верить, что это обязанность. Абу Ауана передал от Хишама ибн аль-Газза от Нафи с формулировкой: «Не подобает мусульманину оставаться две ночи с хадисом». Ибн Абд аль-Барр также передал от Сулеймана ибн Мусы от Нафи подобно, и ат-Табарани передал от аль-Хасана от Ибн Омара подобно, а аль-Исмаили передал от Руваха ибн Убада от Малика и Ибн Ауна все от Нафи с формулировкой: «Нет права у мусульманина, у которого есть имущество, завещать». Ибн Абд аль-Барр передал от Ибн Ауна с формулировкой: «Не дозволено мусульманину, у которого есть имущество», и ат-Тахави тоже передал это. Насаи передал с этого пути, но не привел слов. Абу Умар сказал, что Ибн Аун не последовал за этой формулировкой. Я сказал: если это от Нафи, то это достоверно, но смысл может быть единым, как будет сказано. Если же от Ибн Омара, то это отвергается, как скоро будет упомянуто, кто передал от Ибн Омара с этой формулировкой. Ибн Абд аль-Барр сказал: его слова «у него есть имущество» для меня предпочтительнее, чем слова того, кто сказал «у него есть что-то», ибо «что-то» распространяется на мало и много, в отличие от «имущество», как он сказал, и это утверждение без доказательства. И при принятии его риваят «что-то» более общее, потому что охватывает то, что заканчивается...
(текст обрывается)