قَوْلُهُ: (يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ أُمُّ رَأْسِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَى الرَّأْسِ الدِّمَاغُ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يُقَارِبُهُ وَيُجَاوِرُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ حَتَّى يَسِيلَ عَلَى قَدَمِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ زِيَارَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ وَعِيَادَتِهِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ فِي شِدَّةِ مَرَضِ الْمَوْتِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْمُعَايَنَةِ فَلَا يُقْبَلُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ نَجَا مِنَ الْعَذَابِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ مُتَفَاوِتٌ، وَالنَّفْعُ الَّذِي حَصَلَ لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ خَصَائِصِهِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ صَارَتَا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأَبْيَاتِ النُّونِيَّةِ:
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا
فَاقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِ لَهُ بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ.
(تَكْمِلَةٌ): مِنْ عَجَائِبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمُ الْإِسْلَامُ مِنْ أَعْمَامِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةٌ: لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمُ اثْنَانِ، وَأَسْلَمَ اثْنَانِ، وَكَانَ اسْمُ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ يُنَافِي أَسَامِيَ الْمُسْلِمَيْنِ، وَهُمَا أَبُو طَالِبٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ، وَأَبُو لَهَبٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ وَهُمَا حَمْزَةُ، وَالْعَبَّاسُ.
٤١ - بَاب حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾
٣٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ.
[الحديث ٣٨٨٦ - طرفه في: ٤٧١٠]
قَوْلُهُ: (حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي لَفْظِ (أَسْرَى) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: جَنَحَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَتْ غَيْرَ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَرْجَمَةً.
قُلْتُ: وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّغَايُرِ عِنْدَهُ، بَلْ كَلَامُهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فِي اتِّحَادِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بَابَ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالصَّلَاةُ إِنَّمَا فُرِضَتْ فِي الْمِعْرَاجِ، فَدَلَّ عَلَى اتِّحَادِهِمَا عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ كُلًّا مِنْهُمَا بِتَرْجَمَةٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى قِصَّةٍ مُفْرَدَةٍ وَإِنْ كَانَا وَقَعَا مَعًا، وَقَدْ رَوَى كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّ بَابَ السَّمَاءِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مِصْعَدُ الْمَلَائِكَةِ يُقَابِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْعُرُوجِ لِيَحْصُلَ الْعُرُوجُ مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ تَعْوِيجٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِوُرُودِ أَنَّ
فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا مَعْمُورًا، وَأَنَّ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِيَالَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَصْعَدَ مِنْ مَكَّةَ لِيَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بِغَيْرِ تَعْوِيجٍ؛ لِأَنَّهُ صَعِدَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ مُنَاسِبَاتٍ أُخْرَى ضَعِيفَةً فَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْمَعَ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْقِبْلَتَيْنِ، أَوْ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ كَانَ هِجْرَةَ غَالِبِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ فَحَصَلَ لَهُ الرَّحِيلُ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَشْتَاتِ الْفَضَائِلِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَشْرِ، وَغَالِبُ مَا اتُّفِقَ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُنَاسِبُ الْأَحْوَالَ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَكَانَ الْمِعْرَاجُ مِنْهُ أَلْيَقَ بِذَلِكَ.
أَوْ لِلتَّفَاؤُلِ بِحُصُولِ أَنْوَاعِ التَّقْدِيسِ لَهُ حِسًّا وَمَعْنًى، أَوْ لِيَجْتَمِعَ بِالْأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَسَيَأْتِي مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى لِلشَّيْخِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ قَرِيبًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ وَقَعَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْيَقَظَةِ بِجَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوحِهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَتَوَارَدَتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلٍ، نَعَمْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَا يُخَالِفُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَجَنَحَ لِأَجْلِ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي الْمَنَامِ تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا، وَمَرَّةً ثَانِيَةً فِي الْيَقَظَةِ كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ مَجِيءِ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ، فَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَيْسَرَةَ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ، وَأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ وَحَكَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ وَأَبُو نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيِّ وَمِنْ قَبْلِهِمْ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَارِيجُ، مِنْهَا مَا كَانَ فِي الْيَقَظَةِ وَمِنْهَا مَا كَانَ فِي الْمَنَامِ، وَحَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَارَهُ، وَجَوَّزَ بَعْضُ قَائِلِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ الْمَنَامِ وَقَعَتْ قَبْلَ الْمَبْعَثِ لِأَجْلِ قَوْلِ شَرِيكٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَسٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي آخِرِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانُ مَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ شَرِيكٍ، وَبَيَانُ مَا خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الرُّوَاةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ وَشَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: كَانَتْ قِصَّةُ الْإِسْرَاءِ فِي لَيْلَةٍ وَالْمِعْرَاجُ فِي لَيْلَةٍ. مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ مِنْ تَرْكَ ذِكْرَ الْإِسْرَاءِ، وَكَذَا فِي ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ هَذَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّعَدُّدُ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمِعْرَاجَ كَانَ فِي الْمَنَامِ، أَوْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي كَوْنِهِ يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا خَاصٌّ بِالْمِعْرَاجِ لَا بِالْإِسْرَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ فِي الْإِسْرَاءِ وَاسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمِعْرَاجِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ فَلَوْ وَقَعَ الْمِعْرَاجُ فِي الْيَقَظَةِ لَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الذِّكْرِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ كَوْنِ شَأْنُهُ أَعْجَبَ وَأَمْرُهُ أَغْرَبَ مِنَ الْإِسْرَاءِ بِكَثِيرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنَامًا، وَأَمَّا الْإِسْرَاءُ فَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمَا كَذَّبُوهُ وَلَا اسْتَنْكَرُوهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَبْعَدَ مِنْهُ لِآحَادِ النَّاسِ.
وَقِيلَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَقَظَةِ، فَالْأُولَى رَجَعَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي صَبِيحَتِهِ أَخْبَرَ قُرَيْشًا بِمَا وَقَعَ، وَالثَّانِيَةُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى آخِرِ مَا وَقَعَ، وَلَمْ يَقَعْ لِقُرَيْشٍ فِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمَلَكَ يَأْتِيهِ مِنَ السَّمَاءِ فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى صِدْقِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، لَكِنَّهُمْ عَانَدُوا فِي ذَلِكَ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَجَعَ،
فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِتَكْذِيبِهِ فِيهِ فَطَلَبُوا مِنْهُ نَعْتَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مَا كَانَ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَمْكَنَهُمُ اسْتِعْلَامُ صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمِعْرَاجِ، وَيُؤَيِّدُ وُقُوعَ الْمِعْرَاجِ عَقِبَ الْإِسْرَاءِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ رِوَايَةُ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَفِي أَوَّلِهِ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْإِسْرَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَتِهِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ مُفْرَدًا بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مَجِيئِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمَا وَقَعَ لَهُ فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ بِي، فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا فَذَكَرَهُ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَبِي يَعْلَى نَحْوَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ مَنَامًا عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ فَيَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عَلَى انْفِرَادِهِ وَمَرَّةً مَضْمُومًا إِلَيْهِ الْمِعْرَاجُ وَكِلَاهُمَا فِي الْيَقَظَةِ، وَالْمِعْرَاجُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي الْمَنَامِ عَلَى انْفِرَادِهِ تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا، وَمَرَّةً فِي الْيَقَظَةِ مَضْمُومًا إِلَى الْإِسْرَاءِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ قَبْلَ الْبَعْثِ فَلَا يَثْبُتُ، وَيَأْتِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَجَنَحَ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ إِلَى وُقُوعِ الْمِعْرَاجِ مِرَارًا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقُمْنَا إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ، فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْآخَرِ، فَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونَهُ حِجَابُ رَفْرَفِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، إِلَّا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ ذَكَرَ لَهُ عِلَّةً تَقْتَضِي إِرْسَالَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى الظَّاهِرُ أَنَّهَا وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا بُعْدَ فِي وُقُوعِ أَمْثَالِهَا، وَإِنَّمَا الْمُسْتَبْعَدُ وُقُوعُ التَّعَدُّدِ فِي قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا سُؤَالُهُ عَنْ كُلِّ نَبِيٍّ وَسُؤَالُ أَهْلِ كُلِّ بَابٍ هَلْ بُعِثَ إِلَيْهِ، وَفَرْضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَعَدُّدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ لَا يُتَّجَهُ، فَيَتَعَيَّنُ رَدُّ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِلَى بَعْضٍ، أَوِ التَّرْجِيحُ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي جَمِيعِ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ تَوْطِئَةً ثُمَّ وُقُوعُهُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى وَفْقِهِ كَمَا قَدَّمْتُهُ.
وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَفْسِيرِهِ: كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَوَقَعَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ. فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ تَخْصِيصَ الْمَدِينَةِ بِالنَّوْمِ وَيَكُونُ كَلَامُهُ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ غَيْرِ الْمُرَتَّبِ فَيَحْتَمِلُ وَيَكُونُ الْإِسْرَاءُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْمِعْرَاجُ وَفُرِضَتْ فِيهِ الصَّلَوَاتُ فِي الْيَقَظَةِ بِمَكَّةَ وَالْآخَرُ فِي الْمَنَامِ بِالْمَدِينَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ فِي الْمَنَامِ تَكَرَّرَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ الْمَاضِي فِي الْجَنَائِزِ، وَفِي غَيْرِهِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ، وَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رُؤْيَاهُ الْأَنْبِيَاءَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ) أَصْلُهَا لِلتَّنْزِيهِ، وَتُطْلَقُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمَعْنَى تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ كَذَّابًا، وَعَلَى الثَّانِي عَجَّبَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى رَسُولِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: سَبِّحُوا الَّذِي أَسْرَى.
قَوْلُهُ: (أَسْرَى) مَأْخُوذٌ مِنَ السُّرَى وَهُوَ سَيْرُ اللَّيْلِ، تَقُولُ: أَسْرَى وَسَرَى إِذَا سَارَ لَيْلًا بِمَعْنًى، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: أَسْرَى: سَارَ لَيْلًا، وَسَرَى سَارَ نَهَارًا، وَقِيلَ: أَسْرَى: سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَسَرَى سَارَ مِنْ آخِرِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى
بِعَبْدِهِ﴾ أَيْ: جَعَلَ الْبُرَاقَ يَسْرِي بِهِ كَمَا يُقَالُ: أَمْضَيْتُ كَذَا أَيْ جَعَلْتُهُ يَمْضِي، وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ الْمُسْرَى بِهِ لَا ذِكْرَ الدَّابَّةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٌ ﵊ اتِّفَاقًا وَالضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وَقَوْلُهُ لَيْلًا ظَرْفٌ لِلْإِسْرَاءِ وَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ، وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى سَيْرِ النَّهَارِ أَيْضًا، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ لَا فِي جَمِيعِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: سَرَى فُلَانٌ لَيْلًا: إِذَا سَارَ بَعْضَهُ، وَسَرَى لَيْلَةً: إِذَا سَارَ جَمِيعَهَا، وَلَا يُقَالُ: أَسْرَى لَيْلًا، إِلَّا إِذَا وَقَعَ سَيْرُهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ يُقَالُ: أَدْلَجَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا﴾ أَيْ مِنْ وَسَطِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِأَبِي سَلَمَةَ فِيهِ شَيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ زِيَادَةً لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا كَذَّبَنِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْم يهَنِيِّ: كَذَّبَتْنِي بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي طُرُقٍ أُخْرَى: فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: افْتُتِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ - يَعْنِي عَقِبَ الْإِسْرَاءِ - فَجَاءَ نَاسٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ صَادِقٌ. فَقَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ: فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيقَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ مَرَّ بِي عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أَتُحَدِّثُهُمْ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. قَالَ: فَانْفَضَّتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهِمَا فَقَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَحَدَّثْتُهُمْ، قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا، قَالُوا: وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ مَا رَآهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ، فَسِرْتُ فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتُ؟ صَلَّيْتُ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرَةُ، يَعْنِي بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ أَوَّلَ مَا أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِأَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَنَزَلَ فَصَلَّى، فَقَالَ: صَلَّيْتُ بِيَثْرِبَ ثُمَّ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ مِثْلَ الْأَوَّلِ.
قَالَ: صَلَّيْتُ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ - قَالَ: صَلَّيْتُ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ شَدَّادٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَثْرِبَ: ثُمَّ مَرَّ بِأَرْضٍ بَيْضَاءَ فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَقَالَ: صَلَّيْتُ بِمَدْيَنَ، وَفِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِي فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَرَّ فِي رُجُوعِهِ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ وَأَنَّ عِيرَهُمْ تَقْدَمُ فِي يَوْمِ كَذَا، فَقَدِمَتِ الظُّهْرَ يَقْدُمُهُمُ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجُمِعَ لِي الْأَنْبِيَاءُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ أَنَّهُ مَرَّ بِشَيْءٍ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سِرْ. وَأَنَّهُ مَرَّ عَلَى عَجُوزٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ: فَقَالَ: سِرْ، وَأَنَّهُ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ فَسَلَّمُوا فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ارْدُدْ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِرِهِ - فَقَالَ لَهُ: الَّذِي دَعَاكَ إِبْلِيسُ، وَالْعَجُوزُ الدُّنْيَا، وَالَّذِينَ سَلَّمُوا
إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّارِ أَنَّهُ، مَرَّ بِقَوْمٍ يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، قَالَ جِبْرِيلُ: هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ. وَمَرَّ بِقَوْمٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ، قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَثَّاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ. وَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عَوْرَاتِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَالْأَنْعَامِ، قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ.
وَمَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ لَحْمًا نَيْئًا خَبِيثًا وَيَدَعُونَ لَحْمًا نَضِيجًا طَيِّبًا قَالَ: هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ. وَمَرَّ بِرَجُلٍ جَمَعَ حُزْمَةَ حَطَبٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا ثُمَّ هُوَ يَضُمُّ إِلَيْهَا غَيْرَهَا، قَالَ: هَذَا الَّذِي عِنْدَهُ الْأَمَانَةُ لَا يُؤَدِّيهَا وَهُوَ يَطْلُبُ أُخْرَى. وَمَرَّ بِقَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ، كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ. وَمَرَّ بِثَوْرٍ عَظِيمٍ يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبٍ صَغِيرٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ فَلَا يَسْتَطِيعُ، قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَيَنْدَمُ فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ أَنَّهُ صَلَّى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّهُ أُتِيَ هُنَاكَ بِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَثْنَوْا عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ: لَقَدْ فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَنَسٍ: ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ فَأَمَّهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ثُمَّ حَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَدَافَعُوا حَتَّى قَدَّمُوا مُحَمَّدًا، وَفِيهِ: ثُمَّ مَرَّ بِقَوْمٍ بُطُونُهُمْ أَمْثَالُ الْبُيُوتِ، كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدُهُمْ خَرَّ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: هُمْ آكِلُو الرِّبَا. وَأَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ مَشَافِرُهُمْ كَالْإِبِلِ يَلْتَقِمُونَ حَجَرًا فَيَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى.
قَوْلُهُ: (فَجَلَّى اللَّهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) قِيلَ: مَعْنَاهُ كَشَفَ الْحُجُبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا قَالَ: فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكَرَبْتُ كَرْبًا لَمْ أَكَرُبْ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَ اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا نَبَّأْتُهُمْ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَى أَنْ وُضِعَ بِحَيْثُ يَرَاهُ ثُمَّ أُعِيدَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ عِنْدَ دَارِ عَقِيلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، فَقَدْ أُحْضِرَ عَرْشُ بِلْقِيسَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ لِسُلَيْمَانَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُزِيلَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى أُحْضِرَ إِلَيْهِ، وَمَا ذَاكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ بِعَزِيزٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: فَخُيِّلَ لِي بَيْتُ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغَيَّرًا مِنْ قَوْلِهِ: فَجَلَّى وَكَانَ ثَابِتًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُثِّلَ قَرِيبًا مِنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ: أُرِيتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ جِيءَ بِالْمَسْجِدِ أَيْ جِيءَ بِمِثَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ فَفِيهِ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ - ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي بِمَكَّةَ قَبْلَ الصُّبْحِ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ: إِنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي. قَالَ: فَفُتِحَ لِي شِرَاكٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَيْضًا أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: كَمْ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ؟ قَالَ: وَلَمْ أَكُنْ عَدَدْتُهَا، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعُدُّهَا بَابًا بَابًا، وَفِيهِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى: أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صِفَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالِدُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لَنَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَدْ وَجَدْتُهُمْ قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَمَرَرْتُ بِإِبِلِ بَنِي فُلَانٍ انْكَسَرَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ عِدَّتِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الرِّعَاةِ. قَالَ: كُنْتُ عَنْ عِدَّتِهَا مَشْغُولًا، فَقَامَ فَأَتَى الْإِبِلَ فَعَدَّهَا وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرِّعَاءِ ثُمَّ أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ: هِيَ كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا مِنَ الرِّعَاءِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Его слова: «(кипит от этого его мозг)» — в следующей риваяте говорится: «кипит от этого у него материнский мозг (أُمُّ دِمَاغِهِ)». Давуди сказал: имеется в виду «материнская часть головы», а термин «мозг» (دِمَاغ) применён к голове в целом по причине называния вещи тем, что близко и соседствует с ней. В риваяте Ибн Исхака говорится: «кипит от этого его мозг, пока не потечёт по ногам». В хадисе разрешается посещать близкого язычника и навещать его, а также то, что покаяние принимается даже в тяжёлой болезни перед смертью, пока оно не дойдёт до непосредственного свидания (المعاينة), тогда уже не принимается; об этом свидетельствует слова Аллаха, Всевышнего: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. Также говорится, что неверующий, если свидетельствует правду, спасается от наказания, поскольку ислам покрывает всё, что было до него, и наказание неверующих различно. Польза, которая досталась Абу Талибу из-за особенностей и благословения Пророка ﷺ, заключалась в том, что Пророк ﷺ предложил ему произнести: «Нет божества, кроме Аллаха», но не сказал «Мухаммад — посланник Аллаха», потому что две эти фразы стали как одно слово. Возможно, Абу Талиб знал, что он — посланник Аллаха, но не признавал единобожие, поэтому в нунитских стихах сказано:
«Ты призвал меня, и я знал, что ты правдив... и ты был правдив и раньше, и был надёжным».
Он ограничился своим делом, сказав «Нет божества, кроме Аллаха», и если он признал единобожие, то не останавливался на свидетельстве о посланничестве.
(Продолжение): Среди удивительных совпадений то, что из дядей Пророка ﷺ, которые приняли ислам, было четверо: двое не приняли ислам, двое приняли. И имена тех, кто не принял, не совпадают с именами тех, кто принял: это Абу Талиб, имя которого Абд Манаф, и Абу Лахаб, имя которого Абд аль-Узза, в отличие от тех, кто принял — Хамза и Аббас.
Глава 41 — Хадис об Исра и слова Аллаха, Всевышнего: ﴿Слава Тому, Кто ночью перенёс Своего раба из Запретной мечети в Дальнюю мечеть﴾.
3886 — Передал нам Яхья ибн Букир, передал Лайс, от Укайля, от Ибн Шихаба, от Абу Салямы ибн Абд ар-Рахмана, что он слышал от Джабира ибн Абд Аллаха ﵄, что он слышал, как Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Когда куфры отвергли меня, я встал в Хиджре, и Аллах открыл мне Дом Аль-Макдис, и я стал рассказывать им о Его знамениях, и я смотрел на него».
Слова: «Хадис об Исра и слова Аллаха, Всевышнего: ﴿Слава Тому, Кто ночью перенёс Своего раба﴾ — исследование слова (أَسْرَى) будет в толковании суры «Субхан» (Слава) — если пожелает Аллах. Ибн Дихья сказал, что аль-Бухари склонялся к тому, что ночь Исра была не той же ночью, что и Мирадж, поскольку он выделил для каждой из них отдельный раздел.
Я сказал: нет свидетельств у него о различии между ними, напротив, его слова в начале книги о молитве явно указывают на их единство, поскольку он дал перевод главы о том, как была предписана молитва в ночь Исра, а молитва была предписана именно в Мирадж, что указывает на их единство у него. Он выделил каждой из них отдельный перевод, потому что каждая включает отдельный рассказ, хотя они произошли вместе. Кааб аль-Ахбар передал, что врата неба, называемые «местом восхождения ангелов», находятся напротив Дома Аль-Макдис, и некоторые учёные взяли отсюда, что мудрость Исра к Дому Аль-Макдис перед Мираджем в том, чтобы восхождение было ровным, без изгибов. В этом есть мнение, поскольку известно, что в каждом небе есть обитаемый дом, и тот, что в земном небе, напротив Каабы, и было бы уместно подняться из Мекки к обитаемому дому без изгибов, так как он поднимался из неба в небо к обитаемому дому. Другие упомянули слабые соответствия и сказали, что мудрость в том, чтобы объединить в ту ночь видение двух кибл, или что Дом Аль-Макдис был местом переселения большинства пророков до него, и поэтому он отправился туда, чтобы объединить различные достоинства, или что это место воскрешения, и большинство того, что согласовано для той ночи, соответствует загробным состояниям, поэтому Мирадж более подходит для этого.
Или для предвкушения получения различных видов освящения для него в чувственном и духовном смысле, или чтобы собрать вместе всех пророков, как будет объяснено далее. Другие соответствия для шейха Ибн Аби Джамры будут вскоре, и знание у Аллаха.
Предки расходились в зависимости от различий в поступающих сообщениях: одни считали, что Исра и Мирадж произошли в одну ночь в бодрствующем состоянии с телом и духом Пророка ﷺ после призвания, и к этому склонялось большинство учёных-мухаддисов, факихов и мутакаллимов, и на это указывают явные достоверные хадисы, и не следует отклоняться от этого, так как разум не противоречит этому и не требует толкования. Да, в некоторых сообщениях есть противоречия, и некоторые учёные склонялись к тому, что это произошло дважды: однажды во сне как подготовка, и второй раз в бодрствующем состоянии, как произошло в начале ниспослания откровения. Я привёл в начале книги слова Ибн Майсары, великого таби'ина, и других, что это произошло во сне, и что они объединили это с хадисом Аиши, что это произошло дважды.
К этому склонялся аль-Мухаллаб, комментатор аль-Бухари, и рассказывал об этом от группы, а также Абу Наср ибн аль-Кушайри и до них Абу Саид в «Шараф аль-Мустафы», сказав: у Пророка ﷺ были восхождения, одни в бодрствующем состоянии, другие во сне. Суҳайли передал это от Ибн аль-Араби и выбрал этот вариант, и некоторые, говорящие так, допускали, что сонный рассказ произошёл до призвания, по словам Шарика в риваяте от Анас, и это было до ниспослания. Я привёл в конце описания Пророка ﷺ объяснение, которое снимает затруднения и не требует такого толкования. Остальная часть его объяснения будет в комментарии к хадису Шарика и разъяснении того, что противоречит ему у других передатчиков, и ответ на это и подробный разбор будет в книге «Ат-Тавхид», если пожелает Аллах.
Некоторые из поздних сказали, что рассказ об Исра был в одну ночь, а Мирадж — в другую, придерживаясь того, что передано в хадисе Анас от риваята Шарика, который опускает упоминание Исра, и так же в явном виде хадиса Малик ибн Са'са'а, но это не требует множественности, а может означать, что некоторые передатчики упомянули то, что другие не упомянули, как мы покажем.
Некоторые считали, что Исра был в бодрствующем состоянии, а Мирадж — во сне, или что различие в бодрствовании или сне касается только Мираджа, а не Исра. Поэтому, когда он сообщил куфрам, они отвергли Исра и сочли невозможным, не касаясь Мираджа. Также Аллах ﷾ сказал: ﴿Слава Тому, Кто ночью перенёс Своего раба из Запретной мечети в Дальнюю мечеть﴾ — если бы Мирадж произошёл в бодрствующем состоянии, это было бы более выразительно упомянуто, а так как упоминания его в этом месте нет, и дело его удивительнее и страннее Исра, это указывает на то, что он был во сне. Что касается Исра, если бы он был во сне, они бы не отвергали и не осуждали его, так как возможно подобное и более далёкое для людей.
Говорили: Исра был дважды в бодрствующем состоянии, первый раз он возвращался из Дома Аль-Макдис, и утром сообщил...