حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: نَعَمْ، الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ.
٥١٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَلَا تَتَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ قَالَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ"
٥١٠١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ فَقُلْتُ نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فَقال النبي ﷺ: "إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي قُلْتُ فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ قَالَ عُرْوَةُ وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ قَالَ لَهُ مَاذَا لَقِيتَ قَالَ أَبُو لَهَبٍ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ"
[الحديث ٥١٠١ - أطرافه في: ٥١٠٧، ٥١٠٦، ٥١٣٣، ٥٣٧٢]
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَثَلَاثُ تَرَاجِمَ بَعْدَهَا تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الرَّضَاعَةِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ كِتَابُ الرَّضَاعِ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ إِلَخْ أَنَّ الَّذِي فِي الْآيَةِ بَيَانُ بَعْضِ مَنْ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدَيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ (وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) أَيْ بِنْتِ عُمَرَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ. قَوْلُهُ (أَرَاهُ) أَيْ أَظُنُّهُ.
قَوْلُهُ (فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ عَمِّ حَفْصَةَ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (قَالَتْ عَائِشَةُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ وَكَانَ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ قُلْتُ.
قَوْلُهُ (لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَفْلَحَ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ لِأَنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ وَالِدُ عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَمَّا أَفْلَحُ فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ كَمَا سَيَأْتِي
أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَتْ، وَقَوْلُهَا هُنَا لَوْ كَانَ حَيًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَاتَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخًا لَهُمَا آخَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ظَنَّتْ أَنَّهُ مَاتَ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا أَيْنَ هُوَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِيهِ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَالْأَوَّلُ ذَكَرَتْ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَالثَّانِي ذَكَرَتْ أَنَّهُ حَيٌّ؟ فَقَالَ: هُمَا عَمَّانِ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَحَدُهُمَا وُضِعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَتْ فِيهِ: لَوْ كَانَ حَيًّا، وَالْآخَرُ أَخُو أَبِيهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. قُلْتُ: الثَّانِي ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ حَسَنٌ مُحْتَمِلٌ، وَقَدِ ارْتَضَاهُ عِيَاضٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ لِكَوْنِهِ جَزَمَ بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: أَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ امْرَأَةُ أَخِي الَّذِي اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا. قُلْتُ: وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى ظَنٍّ وَلَا هُوَ مُشْكِلٌ، إِنَّمَا الْمُشْكِلُ كَوْنُهَا سَأَلَتْ عَنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فِي الثَّانِي، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: هُمَا سُؤَالَانِ وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فِي زَمَنَيْنِ عَنْ رَجُلَيْنِ، وَتَكَرَّرَ مِنْهَا ذَلِكَ؛ إِمَّا لِأَنَّهَا نَسِيَتِ الْقِصَّةَ الْأُولَى، وَإِمَّا لِأَنَّهَا جَوَّزَتْ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ فَأَعَادَتِ السُّؤَالَ. اهـ. وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوعِ وَالثَّانِي بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَلَا اسْتِبْعَادَ فِي تَجْوِيزِ مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ تَجْوِيزِ النَّسْخِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَحَدَ الْعَمَّيْنِ كَانَ أَعْلَى وَالْآخَرُ أَدْنَى، أَوْ أَحَدُهُمَا كَانَ شَقِيقًا وَالْآخَرُ لِأَبٍ فَقَطْ أَوْ لِأُمٍّ فَقَطْ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةُ أَخِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْآخَرُ فِي حَيَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ: حَدِيثُ عَمِّ حَفْصَةَ قَبْلَ حَدِيثِ عَمِّ عَائِشَةَ، وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِي الظَّاهِرِ لَا فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ عَمَّ حَفْصَةَ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَ عُمَرَ، فَالرَّضَاعَةُ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، وَعَمَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ، كَانَتِ امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ أَرْضَعَتْهَا فَجَاءَ أَخُوهُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا فَأَبَتْ، فَأَخْبَرَهَا الشَّارِعُ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ.
اهـ، فَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ عَمُّ عَائِشَةَ الَّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ فِي قِصَّةِ عَمِّ حَفْصَةَ كَانَ نَظِيرَ عَمِّ حَفْصَةَ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سَأَلْتُ ثَانِيًا فِي قِصَّةِ أَبِي الْقُعَيْسِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ وَجَدَهُ مَنْقُولًا فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ حَمْلٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ) أَيْ وَتُبِيحُ مَا تُبِيحُ، وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ، وَانْتِشَارِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ وَتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ الْأَقَارِبِ فِي جَوَازِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَاقِي أَحْكَامُ الْأُمُومَةِ مِنَ التَّوَارُثِ وَوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَالشَّهَادَةِ وَالْعَقْلِ وَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَالَ اللَّفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْقِصَّةِ وَالسَّبَبِ وَالرَّاوِي، وَإِنَّمَا يَأْتِي مَا قَالَ إِذَا اتَّحَدَ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ مِنْ خَالٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ أَخٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَةِ وَزَوْجِهَا، يَعْنِي الَّذِي وَقَعَ الْإِرْضَاعُ بَيْنَ وَلَدِهِ مِنْهَا أَوِ السَّيِّدِ، فَتَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّهُ، وَأُمَّهَا لِأَنَّهَا جِدَّتُهُ فَصَاعِدًا، وَأُخْتَهَا لِأَنَّهَا خَالَتُهُ، وَبِنْتَهَا لِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَبِنْتَ بِنْتِهَا فَنَازِلًا؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ، وَبِنْتَ صَاحِبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَبِنْتَ بِنْتِهِ فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ، وَأُمَّهُ فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا جِدَّتُهُ، وَأُخْتَهُ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ، وَلَا يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ قَرَابَةِ الرَّضِيعِ، فَلَيْسَتْ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ أُخْتًا لِأَخِيهِ وَلَا بِنْتًا لِأَبِيهِ إِذْ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُمْ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا وَهُوَ اللَّبَنُ، فَإِذَا اغْتَذَى بِهِ الرَّضِيعُ صَارَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِمَا فَانْتَشَرَ التَّحْرِيمُ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ قَرَابَاتِ الرَّضِيعِ؛
لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَلَا زَوْجِهَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَوْلُهُ (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْبَصْرِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ فَأَوَّلُ اسْمِ أَبِيهِ تَحْتَانِيَّةٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَائِلُ لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيْشٍ وَتَدْعُنَا؟ قَالَ: وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمِ ابْنَةُ حَمْزَةَ الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ تَنَوَّقُ ضُبِطَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ تَخْتَارُ مُشْتَقٌّ مِنَ النِّيقَةِ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَهِيَ الْخِيَارُ مِنَ الشَّيْءِ يُقَالُ تَنَوَّقَ تَنَوُّقًا أَيْ بَالَغَ فِي اخْتِيَارِ الشَّيْءِ وَانْتِقَائِهِ. وَعِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ تَتُوقُ بِمُثَنَّاةِ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مِنَ التَّوْقِ أَيْ تَمِيلُ وَتَشْتَهِي، وَوَقَعَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَتَزَوَّجُ بِنْتَ عَمِّكَ حَمْزَةَ فَإِنَّهَا مِنْ أَحْسَنِ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشٍ وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ حَمْزَةَ رَضِيعُ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ جَوَّزَ الْخُصُوصِيَّةَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) زَادَ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ مُطْلَقًا وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ لَا يَحْرُمْنَ، الْأُولَى: أُمُّ الْأَخِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ وَإِمَّا زَوْجُ أَبٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْأَخَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى أَخِيهِ. الثَّانِيَةُ: أُمُّ الْحَفِيدِ. حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا إِمَّا بِنْتٌ أَوْ زَوْجُ ابْنٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْحَفِيدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى جَدِّهِ. الثَّالِثَةُ: جَدَّةُ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ أَوْ أُمُّ زَوْجَةٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً أَرْضَعَتِ الْوَلَدَ فَيَجُوزُ لِوَالِدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. الرَّابِعَةُ: أُخْتُ الْوَلَدِ حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا بِنْتٌ أَوْ رَبِيبَةٌ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْوَلَدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْوَالِدِ. وَهَذِهِ الصُّوَرُ الْأَرْبَعُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْجُمْهُورُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَفِي التَّحْقِيقِ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَإِنَّمَا حَرُمْنَ مِنْ جِهَةِ الْمُصَاهَرَةِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أُمَّ الْعَمِّ وَأُمَّ الْعَمَّةِ وَأُمَّ الْخَالِ وَأُمَّ الْخَالَةِ فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ لَا فِي الرَّضَاعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَتْ ثُوَيْبَةُ - يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ - أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا أَرْضَعَتْ حَمْزَةَ ثُمَّ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَةَ. قُلْتُ: وَبِنْتُ حَمْزَةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَتَسْمِيَتُهَا فِي كِتَابِ الْمَغَازِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ فَتَبِعَتْهُمْ بِنْتُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمُّ الْحَدِيثَ. وَجُمْلَةُ مَا تَحَصَّلَ لَنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي اسْمِهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أُمَامَةُ وَعِمَارَةُ وَسَلْمَى وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ وَأَمَةُ اللَّهِ وَيَعْلَى، وَحَكَى الْمِزِّيُّ فِي أَسْمَائِهَا أُمَّ الْفَضْلِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ بِأَنَّهَا كُنْيَةٌ.
الحديث الثالث: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ (انْكِحْ أُخْتِي) أَيْ تَزَوَّجْ.
قَوْلُهُ (بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حَمْنَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: أَصْنَعُ مَاذَا؟ قَالَتْ: تَنْكِحُهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ وَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَى مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ مِنَ النُّحَاةِ. وَعِنْدَ أَبِي مُوسَى فِي الذَّيْلِ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ
فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ، وَقَالَا: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ لَكِنْ حُذِفَ هَذَا الِاسْمُ وَكَأَنَّهُ عَمْدًا، وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَذَفَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْهَا ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ دُرَّةٌ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ، وَجَزَمَ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ اسْمَهَا حَمْنَةُ كَمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ، وَقَالَ عِيَاضٌ. لَا نَعْلَمُ لِعَزَّةَ ذِكْرًا فِي بَنَاتِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الْأَشْهَرُ فِيهَا عَزَّةُ.
قَوْلُهُ (أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ)؟ هُوَ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ كَوْنِهَا تَطْلُبُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا مَعَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ.
قَوْلُهُ (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَخْلَى يُخْلِي، أَيْ لَسْتُ بِمُنْفَرِدَةٍ بِكَ وَلَا خَالِيَةٍ مِنْ ضَرَّةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِوَزْنِ فَاعِلِ الْإِخْلَاءِ مُتَعدِّيًا وَلَازِمًا، مِنْ أَخْلَيْتُ بِمَعْنَى خَلَوْتُ مِنَ الضَّرَّةِ، أَيْ لَسْتُ بِمُتَفَرِّغَةٍ وَلَا خَالِيَةٍ مِنْ ضَرَّةٍ، وَفِي بَعْضِ الرَّوِايَّاتِ بِفَتْحِ اللَّامِ بِلَفْظِ الْمَفْعُولِ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مُخْلِيَةٌ أَيْ مُنْفَرِدَةٌ يُقَالُ أَخْلِ أَمَرَكَ وَأَخْلُ بِهِ أَيِ انْفَرِدْ بِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ لَمْ أَجِدْكَ خَالِيًا مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمُ امْرَأَةٌ مُخْلِيَةٌ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْأَزْوَاجِ.
قَوْلُهُ (وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ إِلَيَّ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا مَنْ شَرِكَنِي بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ (فِي خَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْكِيرِ أَيْ أَيُّ خَيْرٍ كَانَ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فِي الْخَيْرِ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ صُحْبَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمُتَضَمِّنَةُ لِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ السَّاتِرَةُ لِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِضُ مِنَ الْغَيْرَةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أخي فَعَرَفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ ذَاتُهُ ﷺ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّا نُحَدَّثُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ بَلَغَنِي وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ إِنَّا لِنَتَحَدَّثُ وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرْتُ. قَوْلُهُ (أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ وَلَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِ مَنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمَرَاسِيلِ.
قَوْلُهُ (بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْآتِيَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ عِرَاكٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عِيَاضٌ وَخَطَّأَهَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ دُرَّةُ أَوْ ذَرَّةُ عَلَى الشَّكِّ، شَكَّ زُهَيْرٌ رَاوِيَةً عَنْ هِشَامٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى خَطَئِهِ.
وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فِي ذَيْلِ الْمَعْرِفَةِ حَمْنَةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَوْلُهُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ هُوَ اسْتِفْهَامُ اسْتِثْبَاتٍ لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ، أَوِ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهَا فَمِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَكَأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، وَظَنَّتْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ، كَذَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتَدَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالْأُخْتَ حَرُمَتْ فِي صُورَةِ الْجَمْعِ فَقَطْ، فَأَجَابَهَا ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَأَنَّ الَّذِي بَلَغَهَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (لَوْ أَنَّهَا لَمْ
تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ عَلَّلَ تَحْرِيمَهَا بِكَوْنِهَا رَبِيبَةً وَبِكَوْنِهَا بِنْتَ أَخٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَ بِهَا مَانِعٌ وَاحِدٌ لَكَفَى فِي التَّحْرِيمِ فَكَيْفَ وَبِهَا مَانِعَانِ فَلَيْسَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَصْفَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَاقَبَا فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا كَمَا فِي السَّبَبَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَمِثَالُهُ لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَحْدَثَ بِغَيْرِ تَخَلُّلِ طَهَارَةٍ فَالْحَدَثُ الثَّانِي لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا أَوْ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الثَّانِي كَمَا فِي اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى أَشْبَهِهِمَا وَأَنْسَبِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَمِ الثَّانِيَ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يُضَافُ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ يُوجَدُ فَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَجْمُوعِ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فَلَا تَجْتَمِعُ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَفِيهَا خِلَافٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالرَّبِيبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعَةِ. وَقَوْلُهُ رَبِيبَتِي أَيْ بِنْتُ زَوْجَتِي، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرَّبِّ وَهُوَ الْإِصْلَاحُ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِأَمْرِهَا، وَقِيلَ مِنَ التَّرْبِيَةِ. وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ، وَقَوْلُهُ فِي حِجْرِي رَاعَى فِيهِ لَفْظَ الْآيَةِ وَإِلَّا فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. وَفِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ لَوْ أَنِّي لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي فَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي الْحَجْرِ أَوْ لَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَالَّذِينَ زَادُوا فِيهَا لَفْظَ فِي حِجْرِي حُفَّاظٌ أَثَبَاتٌ.
قَوْلُهُ (أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) أَيْ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَةَ، وَهُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ (ثُوَيْبَةُ) بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، كَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِي لَهَبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (فَلَا تَعْرِضْنَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ عَلَى الْخِطَابِ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ خِطَابٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ وَحْدَهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ بِضَمِّ الضَّادِ فِي بَعْضِ الْأُمَّهَاتِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ الْأَبْيَنُ فَهُوَ بِسُكُونِ الضَّادِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَوْ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ التَّأْكِيدَ فَشَدَّدْتَ النُّونَ لَكَانَ تَعْرِضَنَانِّ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُنَّ بِأَلِفٍ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِأُمِّ حَبِيبَةَ خَاصَّةً فَتَكُونُ الضَّادُ مَكْسُورَةً وَالنُّونُ مُشَدَّدَةً. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ. جَاءَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ لِاثْنَيْنِ وَهُمَا أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ رَدْعًا وَزَجْرًا أَنْ تَعُودَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا كَمَا لَوْ رَأَى رَجُلٌ امْرَأَةً تُكَلِّمُ رَجُلًا فَقَالَ لَهَا أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ شَائِعٌ، وَكَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مِنَ الْأَخَوَاتِ قَرِيبَةُ زَوْجُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَقَرِيبَةُ الصُّغْرَى زَوْجُ عُمَرَ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَزَّةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَلَهَا مِنَ الْبَنَاتِ زَيْنَبُ رَاوِيَةُ الْخَبَرِ، وَدُرَّةُ الَّتِي قِيلَ إِنَّهَا مَخْطُوبَةٌ. وَكَانَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ الْأَخَوَاتِ هِنْدٌ زَوْجُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ، وَجُوَيْرِيَةُ زَوْجُ السَّائِبِ بْنِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَأُمَيْمَةُ زَوْجُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمُّ الْحَكَمِ زَوْجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وَصَخْرَةُ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ الْأَخْنَسِ، وَمَيْمُونَةُ زَوْجُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَلَهَا مِنَ الْبَنَاتِ حَبِيبَةُ وَقَدْ رَوَتْ عَنْهَا الْحَدِيثَ وَلَهَا صُحْبَةٌ وَكَانَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَخَوَاتِ أُمُّ كُلْثُومٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَتَا زَمْعَةَ أُخْتَا سَوْدَةَ، وَأَسْمَاءُ أُخْتُ عَائِشَةَ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ عُمَرَ أُخْتُ حَفْصَةَ وَغَيْرُهُنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (قَالَ عُرْوَةُ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ عَلَّقَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْهُ فِي آخِرِ النَّفَقَاتِ فَقَالَ قَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الذُّهْلِيِّ،
عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِإِسْنَادِهِ.
قَوْلُهُ (وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ) قُلْتُ: ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ إِسْلَامَهَا غَيْرَهُ، وَالَّذِي فِي السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْرِمُهَا، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهَا الصِّلَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنْ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ مَاتَتْ وَمَاتَ ابْنُهَا مَسْرُوحٌ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ إِرْضَاعِهَا، وَالَّذِي فِي السِّيَرِ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ أَعْتَقَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ الْإِرْضَاعِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا أَنَّ عِتْقَهَا كَانَ قَبْلَ الْإِرْضَاعِ، وَسَأَذْكُرُ كَلَامَهُ.
قَوْلُهُ (أُرِيَهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ (بَعْضُ أَهْلِهِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي بَعْدَ حَوْلٍ فِي شَرِّ حَالٍ فَقَالَ: مَا لَقِيتُ بَعْدَكُمْ رَاحَةً، إِلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنِّي كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ بَشَّرَتْ أَبَا لَهَبٍ بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا.
قَوْلُهُ (بِشَرِّ حِيبَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ سُوءُ حَالٍ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: أَصْلُهَا الْحَوْبَةُ وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ وَالْحَاجَةُ، فَالْيَاءُ فِي حِيبَةٍ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغْوِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ فِي حَالَةٍ خَائِبَةٍ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ، وَوَجَدَتْهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ عَنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِالْجِيمِ وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا، وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ (مَاذَا لَقِيتَ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ (لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ، غَيْرَ أَنِّي) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَخَاءً وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَاحَةً قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَقَطَ الْمَفْعُولُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنِّي سَقَيْتُ فِي هَذِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِالْحَذْفِ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَةِ الَّتِي تَحْتَ إِبْهَامِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا مِنَ الْأَصَابِعِ وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ. . كَذَا مِثْلُهُ بِلَفْظِ يَعْنِي النُّقْرَةَ إِلَخْ وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ مَا سُقِيَ مِنَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ (بِعَتَاقَتِي) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِعِتْقِي وَهُوَ أَوْجَهُ وَالْوَجْهُ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِإِعْتَاقِي، لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّخْلِيصُ مِنَ الرِّقِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْآخِرَةِ ; لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّ الْخَبَرَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ عُرْوَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَثَانِيًا عَلَى تَقْدِيرِ الْقَبُولِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَخْصُوصًا مِنْ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ فَنُقِلَ مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَى الضَّحْضَاحِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَا وَرَدَ مِنْ بُطْلَانِ الْخَيْرِ لِلْكُفَّارِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمُ التَّخَلُّصُ مِنَ النَّارِ وَلَا دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْجَرَائِمِ سِوَى الْكُفْرِ بِمَا عَمِلُوهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ.
وَأَمَّا عِيَاضٌ فَقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْفَعُهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيفِ عَذَابٍ ; وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَرُدُّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَنْبِ الْكُفْرِ، وَأَمَّا ذَنْبُ غَيْرِ الْكُفْرِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَخْفِيفِهِ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا التَّخْفِيفُ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Гафса сказала: «Я сказала: «О Посланник Аллаха ﷺ, этот человек просит разрешения войти в твой дом». Пророк ﷺ ответил: «Кажется, он такой-то — дядя Гафсы по молочной родне». Айша сказала: «Если бы такой-то был жив, он бы вошёл ко мне». Она добавила: «Да, молочная родня запрещает то же, что и кровная».
5100 — Передал нам Мусаддад, он передал от Яхьи, от Шуъбы, от Катаде, от Джабира ибн Зайда, от Ибн Аббаса, что ему сказали: «Разве ты не женишься на дочери Хамзы?» Он ответил: «Она дочь моего брата по молочной родне». А Бишр ибн Умар передал, что слышал от Катаде, что он слышал от Джабира ибн Зайда подобное.
5101 — Передал нам аль-Хакам ибн Нафи', он сообщил от Шуайба, от аз-Зухри, что Урва ибн аз-Зубайр рассказал ему, что Зайнаб, дочь Абу Салямы, сообщила, что Умм Хабиба, дочь Абу Суфьяна, сказала ей: «О Посланник Аллаха ﷺ, женись на сестре моей, дочери Абу Суфьяна». Он спросил: «Ты хочешь этого?» Она ответила: «Да, я не свободна для тебя, и самая любимая для меня в деле блага — моя сестра». Пророк ﷺ сказал: «Это для меня не дозволено». Она сказала: «Но нам рассказывают, что ты хочешь жениться на дочери Абу Салямы». Он ответил: «Дочь Умм Салямы?» Она сказала: «Да». Он сказал: «Если бы она не была моей воспитанницей на груди, это было бы дозволено. Она дочь моего брата по молочной родне, меня и Абу Саляму вскармливала Тувайба. Не предлагайте мне своих дочерей и сестёр». Урва сказал, что Тувайба была рабыней Абу Лахаба, которого он освободил, и она вскармливала Пророка ﷺ. Когда умер Абу Лахаб, некоторые из его родственников показали ему злую волю. Он сказал: «Что ты встретил?» Абу Лахаб ответил: «Я не встретил после вас никого, кроме того, что меня поили в этом месте Тувайбой, которую я освободил».
Слова (باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) — эта глава и три последующие связаны с правилами молочной родни. В некоторых комментариях здесь приводится «Книга о молочной родне», чего я не встречал в основных источниках. Его слова «ويحرم» указывают, что в аяте раскрывается часть того, что запрещено по молочной родне, что подтверждается сунной. В риваяте аль-Кушмехани говорится, что запрещено по молочной родне, после чего в главе приводятся три хадиса, первый из которых — хадис Айши.
Слова (عن عبد الله بن أبي بكر) означают сына Мухаммада ибн Амра ибн Хазма ан-Ансари, который передал его Хишам ибн Урва, ровесник, но он сократил его, ограничившись только матном без рассказа. Этот хадис приводится Муслимом.
Слова (وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة) — то есть дочери Умара, матери верующих. Имя этого человека мне неизвестно. Слова (أراه) означают «кажется мне».
Слова (فلانًا لعم حفصة) — частица «лам» здесь в значении «от», то есть сказано «от дяди Гафсы». Имя его также неизвестно.
Слова (قالت عائشة) — здесь есть переход, контекст требует, чтобы было «я сказала».
Слова (لو كان فلان حيًّا) — имя также неизвестно. Некоторые толкователи ошибочно отождествляли его с Афлахом, братом Абу аль-Куайса, так как Абу аль-Куайс и отец Айши были молочными братьями. Афлах — его брат и дядя Айши по молочной родне, как будет показано далее. Он жил до того, как пришёл просить разрешения у Айши, и Пророк ﷺ приказал ей разрешить ему после отказа. Слова «если бы он был жив» указывают, что он умер, возможно, это другой брат, либо Айша подумала, что он умер из-за долгого отсутствия, а потом он пришёл и попросил разрешения. Ибн ат-Тайн сказал, что спросили шейха Абу аль-Хасана о словах Айши «Если бы такой-то был жив, почему он не получил разрешения?» — первый хадис говорит, что он умер, второй — что он жив. Он ответил, что это два дяди по молочной родне: один был воспитан с Абу Бакром ас-Сиддиком, о котором она сказала «если бы он был жив», а другой — брат её отца по молочной родне. Я считаю, что второй очевиден из хадиса, а первый хорош и возможен, и это мнение принял Ияд, хотя требуется подтверждение, так как он утверждает это.
Он сказал: Ибн Абу Хазим считал, что женщина, которая вскармливала Айшу, была женой брата того, кто просил разрешения. Я считаю, что это ясно из второго хадиса, не требует предположений и не является проблемой. Проблема в том, что она спрашивала о первом, затем остановилась на втором. Аль-Куртуби ответил на это, что это два вопроса, заданных дважды в разное время двум разным людям, и повторение связано либо с забыванием первой истории, либо с допущением изменения решения и повторным вопросом. И завершение в том, что первый вопрос был до события, а второй — после, поэтому не исключено допущение забывчивости или отмены. Из слов Ияда можно извлечь другой ответ: один из двух дядей был выше степень, другой — ниже, или один был сводным братом, а другой — только по отцу или только по матери, или одна женщина вскармливала её после смерти мужа, а другая при жизни. Ибн аль-Мурабит сказал, что хадис о дяде Гафсы был до хадиса о дяде Айши, и они кажутся противоречивыми внешне, но не по смыслу, потому что дядя Гафсы был вскормлен женщиной вместе с Умаром, и молочная родня в их случае со стороны женщины, а дядя Айши — со стороны мужчины, так как жена Абу аль-Куайса вскармливала её, и пришёл брат просить разрешения, а она отказала. Законодатель сообщил ей, что молоко мужчины запрещает так же, как молоко женщины.
Похоже, что дядя Айши, о котором она спрашивала в истории дяди Гафсы, был аналогом дяди Гафсы в этом вопросе, поэтому я спросил второй раз о истории Абу аль-Куайса. Если это передано, то неизбежно, иначе это хорошее толкование, и Аллах знает лучше.
Слова (الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) означают, что молочная родня запрещает то же, что и кровная, и разрешает то же, что и она. Это — по единогласному мнению в отношении запрета брака и сопутствующих последствий, распространения запрета между вскормленным и детьми кормилицы, приравнивая их к родственникам в вопросах дозволения смотреть друг на друга, уединения и путешествий. Однако остальные правила материнства, такие как наследование, обязанность содержания, освобождение рабов, владение, свидетельство, разум и отмена касыса, не следуют за этим. Аль-Куртуби сказал, что в риваяте встречается «что запрещено по рождению» и в другом — «что запрещено по родству», что указывает на возможность передачи риваятов с разным смыслом. Он сказал, что возможно, что ﷺ говорил эти слова в разное время. Я считаю, что второй вариант принят, так как два хадиса различаются по истории, причине и передатчику, и только при их объединении возникает смысл.
У Ахмада есть другой риваят от Айши, что по молочной родне запрещено то же, что и по кровной, в отношении дяди, тёти или брата. Аль-Куртуби отметил, что в хадисе есть указание, что молочная родня распространяет запрет между вскормленным, кормилицей и её мужем, то есть между тем, кто вскормил ребёнка, и её детьми или хозяином. Запрет распространяется на ребёнка, так как она становится его матерью, и на её мать, так как она его бабушка, и на её сестру, так как она тётя, и на дочь сестры и далее, так как она дочь тёти, и на дочь кормилицы, так как она сестра, и на дочь её сына и далее, так как она дочь сестры, и на мать, так как она бабушка, и на сестру, так как она тётя. Запрет не распространяется на родственников вскормленного.