٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ) قِيلَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا إِلَى تَحْقِيقِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى أَوْ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ: الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ الْحَصْرُ فِي ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ كُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْغِنَى عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ مَمْدُوحًا؛ بَلْ يَكُونُ مَذْمُومًا فَكَيْفَ يَفْضُلُ، وَكَذَا مَا وَرَدَ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ فَهُوَ فَقِيرُ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي تَعَوَّذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، وَالْفَقْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ عَدَمُ الْمَالِ وَالتَّقَلُّلُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْفَقْرُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ احْتِيَاجُ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، فَالْفَقْرُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِأَحَدٍ.
وَيُطْلَقُ الْفَقْرُ أَيْضًا عَلَى شَيْءٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ وَتَفَاوَتَتْ فِيهِ عِبَارَاتُهُمْ، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ نَفْضُ الْيَدِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا وَطَلَبًا، مَدْحًا وَذَمًّا، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمْ لَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقْرِ هُنَا الْفَقْرُ مِنَ الْمَالِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ فَقَالَ: طَالَ نِزَاعُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَاحْتَجَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحِيحِ وَالْوَاهِي، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا، وَحَدِيثِ سَعْدٍ الْمَاضِي فِي الْوَصَايَا: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حَيْثُ اسْتَشَارَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَحَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، وَفِي آخِرِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ فِي هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الدَاوُدِيِّ: الْفَقْرُ وَالْغِنَى مِحْنَتَانِ مِنَ اللَّهِ يَخْتَبِرُ بِهِمَا عِبَادَهُ فِي الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ مُتَقَابِلَانِ لِمَا يَعْرِضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَقْرِهِ وَغِنَاهُ مِنَ الْعَوَارِضِ فَيُمْدَحُ أَوْ يُذَمُ، وَالْفَضْلُ كُلُّهُ فِي الْكَفَافِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَقَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى هَؤُلَاءِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا … الْحَدِيثَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بِهِ الْكَفَافَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى تَفْضِيلِ الْكَفَافِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ: جَمَعَ اللَّهُ ﷾ لِنَبِيِّهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَ: الْفَقْرَ، وَالْغِنَى، وَالْكَفَافَ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوَّلَ حَالَاتِهِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوحُ فَصَارَ بِذَلِكَ فِي حَدِّ الْأَغْنِيَاءِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ بَذْلِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَالْمُوَاسَاةِ بِهِ، وَالْإِيثَارِ مَعَ اقْتِصَارِهِ مِنْهُ عَلَى مَا يَسُدُّ ضَرُورَةَ عِيَالِهِ، وَهِيَ صُورَةُ الْكَفَافِ الَّتِي
مَاتَ عَلَيْهَا قَالَ: وَهِيَ حَالَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْغِنَى الْمُطْغِي وَالْفَقْرِ الْمُؤْلِمِ، وَأَيْضًا فَصَاحِبُهَا مَعْدُودٌ فِي الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَّفَهُ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَنِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْكَفَافِ، فَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ قَهْرِ الْحَاجَةِ وَذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي غِنَى النَّفْسِ، وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُزِقَ الْكَفَافَ، وَقَنِعَ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ نَحْوَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَالْكَفَافُ الْكِفَايَةُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ مَا يَكُفُّ عَنِ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ الضَّرُورَاتِ وَلَا يُلْحِقُ بِأَهْلِ التَّرَفُّهَاتِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ حَصَلَ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَظَفِرَ بِمَرْغُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا؛ أَيِ اكْفِهِمْ مِنَ الْقُوتِ بِمَا لَا يُرْهِقُهُمْ إِلَى ذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فُضُولٌ تَبْعَثُ عَلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَآلِهِ بِأَفْضَلِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ قَالَ خَيْرُ: الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَلِيلِ الْعَمَلِ قَلِيلِ الذُّنُوبِ أَفْضَلُ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَلِ كَثِيرُ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَاقْتَنَعَ بِهِ أَمِنَ مِنْ آفَاتِ الْغِنَى وَآفَاتِ الْفَقْرِ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ لَوْ صَحَّ لَكَانَ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ نُفَيْعٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَّا وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَدْفَعُ أَصْلَ السُّؤَالِ عَنْ أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: الْغِنَى أَوِ الْفَقْرُ؟ لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنِ اتَّصَفَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ أَيُّهُمَا فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ؟ وَلِهَذَا قَالَ الدَاوُدِيُّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا: إِنَّ السُّؤَالَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَيْسَ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْهُمَا إِذَا اسْتَوَيَا بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْعَمَلِ مَا يُقَاوِمُ بِهِ عَمَلَ الْآخَرِ، قَالَ: فَعِلْمُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ انْتَهَى، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ، لَكِنْ قَالَ إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّقْوَى فَهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَهْلِ الدُّثُورِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ؛ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ بِالْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ، إِلَّا إِنْ فَسَّرَ الْأَفْضَلَ بِمَعْنَى الْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي حَصَلَ لِلنَّفْسِ مِنَ التَّطْهِيرِ لِلْأَخْلَاقِ وَالرِّيَاضَةِ لِسُوءِ الطِّبَاعِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الطَّرِيقِ عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا، وَذَلِكَ مَعَ الْفَقْرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْغِنَى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صُورَةُ الِاخْتِلَافِ فِي فَقِيرٍ لَيْسَ بِحَرِيصٍ وَغَنِيٍّ لَيْسَ بِمُمْسِكٍ؛ إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الْبَخِيلِ، وَأَنَّ الْغَنِيَّ الْمُنْفِقَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ، قَالَ: وَكُلُّ مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى مَقْصُودِهِ، فَبِهِ يَظْهَرُ فَضْلُهُ.
فَالْمَالُ لَيْسَ مَحْذُورًا لِعَيْنِهِ؛ بَلْ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعُوقُ عَنِ اللَّهِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَمْ يَشْغَلْهُ غِنَاهُ عَنِ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ شَغَلَهُ فَقْرُهُ عَنِ اللَّهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ أَخَذْتَ بِالْأَكْثَرِ فَالْفَقِيرُ عَنِ الْخَطَرِ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ الْغِنَى أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ، انْتَهَى، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ شَيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ: الْغَنِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغِنَى صِفَةُ الْخَالِقِ وَالْفَقْرُ صِفَةُ
الْمَخْلُوقِ، وَصِفَةُ الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنْ صِفَةِ الْخَلْقِ فَقَدِ اسْتَحْسَنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكِبَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي أَصْلِ النِّزَاعِ؛ إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي ذَاتِ الصِّفَتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي عَوَارِضِهِمَا، وَبَيَّنَ بَعْضُ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ كَالطَّبَرِيِّ جِهَتَهُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ مِحْنَةَ الصَّابِرِ أَشَدُّ مِنْ مِحْنَةِ الشَّاكِرِ غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ، قُلْتُ: وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُ الْآدَمِيِّ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ بِحَقِّ الصَّبْرِ أَقَلَّ مِمَّنْ يَقُومُ بِحَقِّ الشُّكْرِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا وُجِدَ بِخَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ: كَلَامُ النَّاسِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ أَيُّ الْحَالَيْنِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ حَتَّى يَتَكَسَّبَ ذَلِكَ وَيَتَخَلَّقَ بِهِ؟ هَلِ التَّقَلُّلُ مِنَ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَيَنَالَ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ، وَلَا يَنْهَمِكَ فِي الِاكْتِسَابِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ طُولِ الْحِسَابِ، أَوِ التَّشَاغُلُ بِاكْتِسَابِ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَسْتَكْثِرَ بِهِ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ فِي الدُّنْيَا وَالْبُعْدِ عَنْ زَهَرَاتِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَكَسُّبٍ مِنْهُ، كَالْمِيرَاثِ، وَسَهْمِ الْغَنِيمَةِ هَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِخْرَاجِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَتَشَاغَلَ بِتَثْمِيرِهِ لِيَسْتَكْثِرَ مِنْ نَفْعِهِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَبْذُلَ إِلَى أَنْ يَبْقَى فِي حَالِ الْكَفَافِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَدَعْوَى أَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى التَّقَلُّلِ وَالزُّهْدِ مَمْنُوعَةٌ بِالْمَشْهُورِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْقَى مَا بِيَدِهِ مَعَ التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّهِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، مَعَ الِاتِّصَافِ بِغِنَى النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ لَا يُبْقِي شَيْئًا مِمَّا فُتِحَ عَلَيْهِ بِهِ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَمَنْ تَبَحَّرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ عَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ، فَأَخْبَارُهُمْ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ فِي الْبَابِ شَاهِدٌ لِذَلِكَ.
وَالْأَدِلَّةُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَثِيرَةٌ: فَمِنَ الشِّقِّ الْأَوَّلِ بَعْضُ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الشِّقِّ الثَّانِي: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْغَنِيَّ التَّقِيَّ الْخَفِيَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ دَالٌّ لِمَا قُلْتُهُ سَوَاءٌ حَمَلْنَا الْغِنَى فِيهِ عَلَى الْمَالِ أَوْ عَلَى غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ فَيَحَصُلُ الْمَطْلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقِيِّ وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ: مَنْ يَتْرُكُ الْمَعَاصِيَ امْتِثَالًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَاجْتِنَابًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْخَفِيُّ ذُكِرَ لِلتَّتْمِيمِ؛ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ الرِّيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّرَدُّدُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَتَكَسَّبَ لِلصَّوْنِ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ، أَوْ يَتْرُكَ وَيَنْتَظِرَ مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَصَحَّ عَنْ أَحْمَدَ مَعَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: الْزَمِ السُّوقَ، وَقَالَ لِآخَرَ: اسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْهُمْ. وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمُ التَّكَسُّبَ، وَمَنْ قَالَ بِتَرْكِ التَّكَسُّبِ فَهُوَ أَحْمَقُ يُرِيدُ تَعْطِيلَ الدُّنْيَا، نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَقَالَ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْجُلُوسِ لِانْتِظَارِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَحْتَرِفْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الشَّيْءِ خ يْرٌ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ، وَأَسْنَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَتَرَكَ مَالًا: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْهُ إِلَّا لِأَصُونَ بِهِ دِينِي، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السَّلَفِ نَحْوَهُ، بَلْ نَقَلَهُ الْبَرْبَهَارِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَنَّهُ
لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ تَعَاطِيَ الرِّزْقِ مُقْتَصِرًا عَلَى مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِآيَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الْآيَةَ قَالَ: وَذَلِكَ لَا يَتِمٌّ إِلَّا بِالْمَالِ، وَأَجَابَ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْغِنَى فِي جَانِبٍ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا)؟ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ مِنْ أَوَائِلِ النِّكَاحِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا وَهُوَ خِطَابٌ لِجَمَاعَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ انْظُرْ إِلَى أَرْفَعِ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَيْنَيْكَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ فِي حُلَّةٍ الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْئُولَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَوُجِّهَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَارُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ: سَأَلَنِي رَسُولُ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ .. الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ مَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، أَوِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيِ الْمَسْئُولُ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ)؛ أَيْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ؛ أَيْ جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ قَالُوا حَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ؛ أَيْ تُجَابَ خِطْبَتُهُ (وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ؛ أَيْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ، وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: إِذَا سَأَلَ أُعْطِيَ وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) زَادَ إِبْرَاهِيمُ: مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَهْمُوزٌ.
قَوْلُهُ: (مِثْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ وَالْمُبِينَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، زَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْأُخْرَى: خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِنَ الْآخِرِ، وَطِلَاعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ؛ أَيْ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَزَادَ فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا يُعْطَى هَذَا كَمَا يُعْطَى الْآخَرُ؟ قَالَ: إِذَا أُعْطِيَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْلُهُ، وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِيَ حَسَنَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فُتُوحِ مِصْرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمَارِّ الثَّانِي وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى جُعَيْلًا؟ قُلْتُ: مِسْكِينًا كَشَكْلِهِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فُلَانًا؟ قُلْتُ: سَيِّدًا مِنَ السَّادَاتِ، قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفُلَانٌ هَكَذَا وَتَصْنَعُ بِهِ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَأْسُ قَوْمِهِ فَأَتَأَلَّفُهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضَلًا قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعَ مِائَةَ مِائَةٍ وَتَرَكْتُ جُعَيْلًا. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِثْلَ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنِّي أَتَأَلَّفُهُمَا وَأَكِلُ جُعَيْلًا إِلَى إِيمَانِهِ. وَلِجُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ أَخِيهِ عَوْفِ
بْنِ سُرَاقَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقِيلَ: فِيهِ جِعَالٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَتَخْفِيفِ ثَانِيهِ، وَلَعَلَّهُ صُغِّرَ وَقِيلَ: بَلْ هُمَا أَخَوَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّ السِّيَادَةَ بِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا لَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَظُّ مِنَ الدُّنْيَا يُعَاضُ عَنْهُ بِحَسَنَةِ الْآخِرَةِ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِلْفَقْرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِتَفْضِيلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فُضِّلَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ لَا فَقِيرَ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِفَضْلِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
قُلْتُ: يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأَوَّلَ وَالْحَيْثِيَّةُ مَرْعِيَّةٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْقِصَّةِ أَنَّ جِهَةَ تَفْضِيلِهِ إِنَّمَا هِيَ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْوَى، وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةً فِي فَقِيرٍ مُتَّقٍ وَغَنِيٍّ غَيْرِ مُتَّقٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا أَوَّلًا فِي التَّقْوَى، وَأَيْضًا فَمَا فِي التَّرْجَمَةِ تَصْرِيحٌ بِتَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ فَضِيلَةِ الْفَقْرِ أَفْضَلِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَفْضَلِيَّةِ فَقِيرٍ عَلَى غَنِيٍّ أَفَضَلِيَّةُ كُلِّ فَقِيرٍ عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْجَنَائِزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى الْمَغَازِي فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ ذُهُولًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنِ الْأَعْمَشِ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ بِهَذَا السَّنَدِ سَوَاءً حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.
قَوْلُهُ: (عُدْنَا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعِيَادَةِ.
قَوْلُهُ: (هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ)؛ أَيْ بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الِاشْتِرَاكُ فِي حُكْمِ الْهِجْرَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حِسًّا إِلَّا الصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ)؛ أَيْ جِهَةَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ لَا جِهَةَ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْهِجْرَةِ عَنِ الْأَعْمَشِ فَوَجَبَ، وَإِطْلَاقُ الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى إِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ)؛ أَيْ إِثَابَتُنَا وَجَزَاؤُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا)؛ أَيْ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَجْرِ عَلَى الْمَالِ فِي الدُّنْيَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ الْأَوَّلَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْفُتُوحِ كَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ إِلَى أَنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَوَاسَى بِهِ الْمَحَاوِيجَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا بِحَيْثُ بَقِيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْأُولَى، وَهُمْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَهَؤُلَاءِ مُلْتَحِقُونَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَالسَّرَارِيِّ أَوِ الْخَدَمِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَكْثِرْ وَهُمْ كَثِيرٌ وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فَاسْتَكْثَرَ بِالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ أَيْضًا، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَإِلَى هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ خَبَّابٌ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَمَا الْتَحَقَ بِهِ تَوَفَّرَ لَهُ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُقْتَضَى الْخَبَرِ أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا مِنْ ثَوَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ .. الْحَدِيثَ، وَمِنْ ثَمَّ آثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقَنِعُوا بِهِ إِمَّا لِيَتَوَفَّرَ لَهُمْ ثَوَابُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا لِيَكُونَ أَقَلَّ لِحِسَابِهِمْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى هِجْرَةِ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْبَرَاءُ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ الْقُرْآنَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى يُقْرِئُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ، وَكَانَ مُصْعَبٌ وَهُوَ
بِمَكَّةَ فِي ثَرْوَةٍ وَنِعْمَةٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ صَارَ فِي قِلَّةِ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوَةٍ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَآهُ لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ)؛ أَيْ شَهِيدًا، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَتَرَكَ نَمِرَةً) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، ثُمَّ رَاءٍ هِيَ إِزَارٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٍ أَوْ بُرْدَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَعَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ انْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتِ الْقَطْفَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنَعَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهِيَ لُغَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَأَيْنَعَتْ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ؛ أَيْ يَقْطِفُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ الصِّدْقِ فِي وَصْفِ أَحْوَالِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى مُكَابَدَةِ الْفَقْرِ وَصُعُوبَتِهِ مِنْ مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكَفَنَ يَكُونُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ كُلُّهُ عَوْرَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ تَفْضِيلُ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هِجْرَتَهُمْ لَمْ تَكُنْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا، وَلَا نِعْمَةٍ يَتَعَجَّلُونَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِلَّهِ خَالِصَةً؛ لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ فَتْحِ الْبِلَادِ تَوَفَّرَ لَهُ ثَوَابُهُ، وَمَنْ بَقِيَ حَتَّى نَالَ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُمْ أَجْرَ طَاعَتِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَحْرَصَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (سَلْمُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ابْنُ زَرِيرٍ) بِزَايٍّ ثُمَّ رَاءٍ وَزْنُ عَظِيمٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعَوْفٌ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَصَخْرٌ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَوْفٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ - وَهُوَ الْإِسْكَافُ - الْبَصْرِيُّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَخْرٍ - وَهُوَ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْهُ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ صَخْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ: وَقَالَ أَيُّوبُ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَا الْإِسْنَادَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَقَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَسَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ، وَصَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَ: هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَلَعَلَّ جَرِيرًا كَذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ بِالْوَجْهَيْنِ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، فَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ قَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ يُوجِبُ فَضْلَ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: أَكْثَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا الْفُقَرَاءُ إِخْبَارًا عَنِ الْحَالِ، وَلَيْسَ
الْفَقْرُ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا بِصَلَاحِهِمْ مَعَ الْفَقْرِ، فَإِنَّ الْفَقِيرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لَا يَفْضُلُ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَرْكِ التَّوَسُّعِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ فِيهِ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَدْخُلْنَ النَّارَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ: تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ: بِمَ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرُونَ بِالْإِحْسَانِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خِوَانٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَرْكُهُ ﵊ الْأَكْلَ عَلَى الْخِوَانِ وَأَكْلَ الْمُرَقَّقِ إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا اخْتِيَارًا لِطَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَالْمَالُ إِنَّمَا يُرْغَبُ فِيهِ لِيُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى، بَلْ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَالْكَفَافِ وَعَدَمِ التَّبَسُّطِ فِي مَلَاذِّ الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَرِيمًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو شَيْبَةَ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمَ، أَصْلُهُ مِنْ وَاسِطَ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ، وَقَدْ أَكْبرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا مُسْلِمٌ لَكِنْ مُسْلِمٌ يُكَنِّيهِ دَائِمًا، وَالْبُخَارِيُّ يُسَمِّيهِ وَقَلَّ أَنْ كَنَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ إِلَخْ) لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيِّ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ، فَكَانَ بَقِيَّةَ نَفَقَتِهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِدِ الْمَوْرِدَانِ.
قَوْلُهُ: (يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) شَمِلَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ وَانْتَفَى جَمِيعُ الْمَأْكُولَاتِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ) الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْضُ، وَالشَّطْرُ يُطْلَقُ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا، وَيُقَالُ: أَرَادَتْ نِصْفَ وَسْقٍ.
قَوْلُهُ: (فِي رَفٍّ لِي) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفُّ شِبْهُ الطَّاقِ فِي الْحَائِطِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الرَّفُّ خَشَبٌ يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْتِ يُوضَعُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِلْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ) بِكَسْرِ الْكَافِ (فَفَنِيَ)؛ أَيْ فَرَغَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَخْذِ مِنَ الْعَيْشِ بِالِاقْتِصَادِ وَمَا ي سُدُّ الْجَوْعَةَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ طَارِئٌ، أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ يُشِيرُ عَلَى أَهْلِهِ بِإِيثَارِهِمْ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَفَادِ مَا عِنْدَهُمْ أَوْ مُعْظَمِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَكِيلَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ مَعْلُومًا لِلْعِلْمِ بِكَيْلِهِ، وَأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الْمَكِيلِ فِيهِ الْبَرَكَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِقْدَارُهُ قُلْتُ: فِي تَعْمِيمِ كُلِّ الطَّعَامِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ لِعَائِشَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِزْوَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: ادْعُ لِي فِيهِنَّ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Сказал: (Глава о достоинстве бедности). Говорят: эта глава, следующая за предыдущей, указывает на выяснение предмета спора о превосходстве бедности над богатством или наоборот. Потому что из его слов следует, что богатство — это богатство души, и в этом ограничивается смысл, поэтому все, что говорится о достоинстве богатства, следует понимать именно так. Тот, кто не богат душой, не может быть похвален, а наоборот, будет порицаем, и не может быть превосходства. Аналогично и с достоинством бедности, потому что тот, кто не богат душой, тот беден душой, и именно от такой бедности Пророк ﷺ просил защиты. А бедность, о которой идет спор, — это отсутствие имущества и его недостаток. Что же касается бедности, упомянутой в словах Всевышнего: «О люди! Вы нуждаетесь в Аллахе, а Аллах — Богатый, Хвалимый», — то имеется в виду нужда творения в Создателе, и эта бедность для творений — естественное состояние, от которого они не могут избавиться, а Аллах — Богатый, не нуждающийся ни в ком.
Также бедность употребляется в значении, принятом суфиями, и выражения их в этом различны. Суть же, как сказал Абу Исмаил ан-Ансари, — это отречение от мира как в смысле ограничения, так и в смысле стремления, как похвалы, так и порицания. Они говорили, что имеется в виду, чтобы в сердце не было равнодушия, независимо от того, есть ли у человека что-либо в руках или нет. Это возвращается к тому, что было сказано в предыдущем хадисе в этой главе, что богатство — это богатство души, как было объяснено, а бедность здесь — бедность в имуществе.
Ибн Батталь говорил по вопросу превосходства между богатством и бедностью: спор людей в этом вопросе длится долго. Одни предпочитают бедность, приводя в доказательство хадисы этой главы и другие из достоверных и слабых, а другие предпочитают богатство, ссылаясь на то, что было сказано ранее в главе о том, что «многословные — меньшинство, кроме тех, кто говорит о богатстве так», а также на хадис Саада в наставлениях: «Лучше оставить наследникам богатыми, чем оставить их нуждающимися», и хадис Кааба ибн Малика, когда он советовался о расходовании всего своего имущества и ему сказали: «Оставь при себе часть имущества, это лучше для тебя», и хадис: «Люди скупятся на вознаграждения», а в конце: «Это — فضل Аллаха, Он дает кому пожелает», и хадис Амра ибн аль-Аса: «Прекрасно доброе имущество для праведного человека». Эти хадисы приводят Муслим и другие.
Лучшее из того, что я видел по этому вопросу, — слова Ахмада ибн Насра ад-Дауди: бедность и богатство — это испытания от Аллаха, которыми Он испытывает Своих рабов в благодарности и терпении, как сказано в Священном Коране: «Мы сделали то, что на земле, украшением ее, чтобы испытать их, кто из них лучше по деяниям», и: «И Мы испытываем вас злом и добром как испытание», и известно, что Пророк ﷺ просил защиты от зла испытания бедности и от зла испытания богатства. Затем он привел длинные слова, суть которых в том, что бедный и богатый противоположны по тому, что с каждым из них происходит в их бедности и богатстве из обстоятельств, за которые их хвалят или порицают, и все достоинство в достаточности, как сказано: «Не делай руку твою прикованной к шее твоей и не распускай ее всю», и сказал ﷺ: «О Аллах, сделай пропитание семьи Мухаммада достаточным», и скоро это придет. На это можно опираться в словах: «Прошу Тебя о богатстве для себя и богатстве этих людей».
Что касается хадиса, приведенного ат-Тирмизи: «О Аллах, живи меня бедным и умри меня бедным…», то этот хадис слаб, и даже если бы он был достоверен, то имелось бы в виду, чтобы не выходить за пределы достаточности.
Из тех, кто склонялся к предпочтению достаточности, — аль-Куртуби в «аль-Мухимме», который сказал: Аллах собрал для Своего Пророка ﷺ три состояния: бедность, богатство и достаточность. Первое было первым его состоянием, и он исполнял обязанность этого через борьбу с собой, затем ему были открыты победы, и он стал в пределах богатых, и исполнял обязанность этого через щедрость к достойным, сострадание и предпочтение с ограничением себя тем, что покрывает нужды семьи. Это и есть состояние достаточности, на котором он умер. Он сказал: это состояние свободное от чрезмерного богатства и болезненной бедности, и также его обладатель считается среди бедных, потому что он не балуется благами мира, а борется с собой в терпении от того, что превышает достаточность. Из состояния бедности у него остается только избавление от нужды и унижения просить.
Это подтверждается тем, что было сказано о поощрении богатства души и тем, что привел ат-Тирмизи от Абу Хурайры (да будет доволен им Аллах), что он передал: «Удовлетворяйся тем, что Аллах уделил тебе, и будешь самым богатым из людей». Самое достоверное из того, что было передано по этому поводу, — хадис, приведенный Муслимом от Абдуллы ибн Амра (да будет доволен им Аллах), который сказал: «Победил тот, кто был приведен к исламу, получил достаточность, был доволен и имел свидетельство от Фадаля ибн Убейда подобное этому у ат-Тирмизи, а также от Ибн Хиббана, который его подтвердил». Ан-Навави сказал: в этом — достоинство этих качеств, а достаточность — это достаток без прибавления и убавления.
Аль-Куртуби сказал: это то, что покрывает нужды и отгоняет необходимость, не относясь к людям излишеств. Смысл хадиса в том, что тот, кто обладает этими качествами, достигает желаемого и получает желанное в этом мире и в будущем. Поэтому ﷺ сказал: «О Аллах, сделай пропитание семьи Мухаммада достаточным», то есть обеспечь их пропитанием так, чтобы не обременять их унижением просить и чтобы не было излишества, приводящего к баловству и расточительности в этом мире. В этом есть довод для тех, кто предпочитает достаточность, потому что он просит для себя и своей семьи наилучшее состояние. И сказано: «Лучшее из дел — их средина».
Это подтверждается тем, что привел Ибн аль-Мубарак в «аз-Зухд» с достоверным иснадом от Касима ибн Мухаммада ибн Аби Бакра от Ибн Аббаса, что его спросили о человеке с малым количеством дел и малым количеством грехов, лучше ли он или человек с большим количеством дел и большим количеством грехов? Он ответил: «Я не считаю справедливым предпочитать безопасность чего-либо. Тот, кто имеет достаточно, и доволен этим, защищен от бедствий богатства и бедствий бедности».
Есть хадис, если бы он был достоверен, то был бы ясным доказательством в этом вопросе, — это хадис, приведенный Ибн Маджахом от Нувайфа (слабый) от Анас ибн Малик (да будет доволен им Аллах), который сказал: «Нет ни богатого, ни бедного, кто не пожелал бы в День Воскресения, чтобы ему было дано пропитание из этого мира».
Я говорю: все это верно, но не снимает коренной вопрос о том, кто из них лучше: богатство или бедность? Потому что спор возник именно в отношении тех, кто обладает одним из этих качеств, кто из них лучше. Поэтому ад-Дауди в конце своего упомянутого слова сказал: вопрос о том, кто лучше, неустойчив, потому что возможно, что у одного из них есть праведные дела, которых нет у другого, и он будет лучше. Вопрос возникает, когда они равны, и у каждого есть дела, которые противостоят делам другого. Он сказал: знание того, кто лучше у Аллаха, — это предел. Ибн Таймия сказал то же, но добавил, что если они равны в богобоязненности, то они равны в достоинстве.
Ранее Ибн Даких аль-Ид говорил в комментарии к хадису «людей скупцов» перед главой о пятничной молитве, и суть его слов в том, что хадис указывает на превосходство богатства над бедностью, поскольку в нем говорится о вознаграждении и близости материального положения, если не объяснять «лучшее» как высшее по происхождению и качествам души.