قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ"
٦٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ "عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: "إِنِّي مِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ"
٦٨٧٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا" رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
[الحديث ٦٨٧٤ - طرفه في: ٧٠٧٠]
٦٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ وَمَنْ أَحْيَاهَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ أَحْيَاهَا، وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي، وَالْأَصِيلِيُّ (فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَمَضَى بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَذَكَرَهُ مُغَلْطَايْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ خُصَيْفًا ضَعِيفٌ، وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ لِوُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ خُصَيْفٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ صَدْرُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَسَائِرُهَا فِي تَعْظِيمِ أَمْرِ الْقَتْلِ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهَا تَغْلِيظُ أَمْرِ الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ، قَالَ: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَأَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ تَغْلِيظُ الْوِزْرِ وَالتَّعْظِيمُ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَلَفْظُ الْحَسَنِ أَنَّ قَاتِلَ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ يَصِيرُ إِلَى النَّارِ كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَقَتَلَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ خُصَمَاؤُهُ جَمِيعًا، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوَدِ بِقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ غَيْرُ قَتْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمِيعِهِمْ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ الْعُقُوبَةِ وَشِدَّةُ الْوَعِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ وَقَتْلَ الْجَمِيعِ سَوَاءٌ فِي اسْتِيجَابِ غَضَبِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ وَفِي مُقَابِلِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا لِسَلَامَتِهِمْ مِنْهُ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ قِصَاصٌ فَعَفَا عَنْهُ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا لَوْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَقِيلَ وَجَبَ شُكْرُهُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا وَكَأَنَّمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِنَّمَا اخْتَارَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ نَفْسٌ يَقُومُ قَتْلُهَا فِي عَاجِلِ الضُّرِّ مَقَامَ قَتْلِ جَمِيعِ النُّفُوسِ، وَلَا
إِحْيَاؤُهَا فِي عَاجِلِ النَّفْعِ مَقَامَ إِحْيَاءِ جَمِيعِ النُّفُوسِ.
قُلْتُ: وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَخْصِيصَ الشِّقِّ الْأَوَّلِ بِابْنِ آدَمِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ سَنَّ الْقَتْلَ وَهَتَكَ حُرْمَةَ الدِّمَاءِ وَجَرَّأَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ لِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِغَيْرِهِمَا، فَالْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الحديث الأول، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ عُيَيْنَةَ، فَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.
قَوْلُهُ: (الْأَعْمَشُ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ) فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ الْخَارِفِيُّ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَفَاءٍ كُوفِيٌّ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) زَادَ حَفْصٌ فِي رِوَايَتِهِ ظُلْمًا، وَفِي الِاعْتِصَامِ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) هُوَ قَابِيلُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَعَكَسَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ وَاصِلٍ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ: اسْمُ الْمَقْتُولِ قَابِيلُ اشْتُقَّ مِنْ قَبُولِ قُرْبَانِهِ، وَقِيلَ اسْمُهُ قَابِنُ بِنُونٍ بَدَلَ اللَّامِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَقِيلَ قَبِنُ مِثْلُهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ خَلْقِ آدَمَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ فَمَهما قُبِلَ تَنْزِلُ النَّارُ فَتَأْكُلُهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنِ الْحَسَنِ: لَمْ يَكُونَا وَلَدَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَإِنَّمَا كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَا وَلَدَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبَابِ لِوَصْفِهِ ابْنِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ أَيْ أَوَّلُ مَا وُلِدَ لِآدَمَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ فِي الْجَنَّةِ لِآدَمَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ تَوْأَمَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ فَخَرَ عَلَى أَخِيهِ هَابِيلَ فَقَالَ: نَحْنُ مِنْ أَوْلَادِ الْجَنَّةِ وَأَنْتُمَا مِنْ أَوْلَادِ الْأَرْضِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ.
وَعَنِ الْحَسَنِ: ذَكَرَ لِي أَنَّ هَابِيلَ قُتِلَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَلِأَخِيهِ الْقَاتِلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَتَفْسِيرُ هَابِيلَ هِبَةُ اللَّهِ، وَلَمَّا قُتِلَ هَابِيلُ وَحَزِنَ عَلَيْهِ آدَمُ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شِيثُ، وَمَعْنَاهُ عَطِيَّةُ اللَّهِ، وَمِنْهُ انْتَشَرَتْ ذُرِّيَّةُ آدَمَ.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ حَوَّاءَ وَلَدَتْ لِآدَمَ أَرْبَعِينَ نَفْسًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا أَوَّلُهُمْ قَابِيلُ وَأُخْتُهُ إِقْلِيمَا وَآخِرُهُمْ عَبْدُ الْمُغِيثِ وَأَمَةُ الْمُغِيثِ ثُمَّ لَمْ يَمُتْ حَتَّى بَلَغَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَهَلَكُوا كُلُّهُمْ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ الطُّوفَانِ إِلَّا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِ شِيثَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ وَكَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ نَفْسًا وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا بَقِيَ إِلَّا نَسْلُ نُوحٍ فَتَوَالَدُوا حَتَّى مَلَئُوا الْأَرْضَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَرْجَمَةَ نُوحٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (كِفْلٌ مِنْهَا) زَادَ فِي الِاعْتِصَامِ: وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: لِأَنَّهُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، وَهَذَا مِثْلُ لَفْظِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَاضِي فِي خَلْقِ آدَمَ، وَالْكِفْلُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ النَّصِيبُ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَجْرِ وَالضِّعْفِ عَلَى الْإِثْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وَوَقَعَ عَلَى الْإِثْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ أَنَّ مَنْ سَنَّ شَيْئًا كُتِبَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي أَنَّ الْمَعُونَةَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ حَرَامٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ.
وَعَنِ السُّدِّيِّ: شَدَخَ قَابِيلُ رَأْسَ أَخِيهِ بِحَجَرٍ فَمَاتَ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ فَأَخَذَ بِحَجَرٍ فَشَدَخَ بِهِ رَأْسَ طَيْرٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ قَابِيلُ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى جَبَلِ ثَوْرٍ، وَقِيلَ عَلَى عَقَبَةِ حِرَاءٍ، وَقِيلَ بِالْهِنْدِ، وَقِيلَ بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ
بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ فِي دَفْنِهِ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى الصِّيغَةِ، وَوَاقِدٌ هَذَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ: كَذَا وَقَعَ هُنَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالصَّوَابُ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لِقَوْلِهِ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ تَوْجِيهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَسَبَهُ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالَّذِي نَسَبَهُ كَذَلِكَ أَبُو الْوَلِيدِ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَقَالَ: عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي عَمْرِو بْنِ السِّمَاكِ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ، عَنْ شُعْبَةَ كَمَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ، فَلَعَلَّ نِسْبَتَهُ كَذَلِكَ مِنْ شُعْبَةَ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ كُلٌّ عَفَّانَ وَغَيْرِهِ عَنْ شُعْبَةَ كَالْجَادَّةِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ لَا يَنْصَرِفُ لِعَبْدِ اللَّهِ بَلْ لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ جَزْمًا، فَمَنْ تَرْجَمَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ وَاقِدٍ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ أَخْطَأَ، نَعَمْ فِي هَذَا النَّسَبِ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ عَمُّ وَالِدِ وَاقِدٍ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَلَهُ وَالِدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا) جُمْلَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ ثَمَانِيَةٌ؛ أَحَدُهَا: قَوْلُ الْخَوَارِجِ: إِنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، ثَانِيهَا: هُوَ فِي الْمُسْتَحِلِّينَ، ثَالِثُهَا: الْمَعْنَى كُفَّارًا بِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ وَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِ الدِّينِ، رَابِعُهَا: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الْكُفَّارِ فِي قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، خَامِسُهَا: لَابِسِينَ السِّلَاحَ، يُقَالُ: كَفَرَ دِرْعَهُ إِذَا لَبِسَ فَوْقَهَا ثَوْبًا، سَادِسُهَا: كُفَّارًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ، سَابِعُهَا: الْمُرَادُ الزَّجْرُ عَنِ الْفِعْلِ وَلَيْسَ ظَاهِرُهُ مُرَادًا، ثَامِنُهَا: لَا يُكَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَأَنْ يَقُولَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ يَا كَافِرُ فَيَكْفُرَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ وَجَدْتُ تَاسِعًا وَعَاشِرًا ذَكَرْتُهُمَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ جَرِيرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ.
قَوْلُهُ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) أَيِ اطْلُبْ مِنْهُمُ الْإِنْصَاتَ لِيَسْمَعُوا الْخُطْبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْفِتَنِ أَيْضًا.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ) يُرِيدُ قَوْلَهُ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ مُطَوَّلًا فِي الْحَجِّ وَشُرِحَ هُنَاكَ، وَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْكَبَائِرِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، شَكَّ شُعْبَةُ) قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْوَاوِ بِغَيْرِ شَكٍّ وَزَادَ مَعَ الثَّلَاثَةِ: وَقَتْلُ النَّفْسِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مَعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهُوَ مِنْ تَعَالِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مَقُولَ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ: قَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِتَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ قَتْلِ النَّفْسِ، وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ عَلَى شُعْبَةَ أَنَّهُ تَارَةً ذَكَرَهَا وَتَارَةً لَمْ يَذْكُرْهَا وَأُخْرَى ذَكَرَهَا مَعَ الشَّكِّ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْكَبَائِرِ أَيْضًا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ أُسَامَةَ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْبَأَنَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ: أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُو
ظَبْيَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ يَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ وَاسْمُهُ أَيْضًا حُصَيْنٌ وَهُوَ ابْنُ جُنْدَبٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.
قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ تَقَدَّمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ فَأَحْرَقُوهُمْ بِالسِّهَامِ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ.
وَهَذِهِ السَّرِيَّةُ يُقَالُ لَهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ وَكَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَالِبَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ ثُمَّ اللَّيْثِيَّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ وَبِهَا مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْحُرَقَةِ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ فَهَذَا يُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي قَوْلِ أُسَامَةَ: بَعَثْنَا إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ الَّذِي قَتَلَ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ غَيْرُ قِصَّةِ أُسَامَةَ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِيِ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَجَرَى الدَّاوُدِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ فِيهِ: تَأْمِيرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَتُعُقِّبَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ الْأَمِيرَ؛ إِذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ التَّرْجَمَةَ بِاسْمِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ لَا لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَمِيرَ، وَالثَّانِي أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ فَمَا كَانَ أُسَامَةُ يَوْمئِذٍ إِلَّا بَالِغًا لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا.
قَوْلُهُ: (فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ) أَيْ هَجَمُوا عَلَيْهِمْ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَشْعُرُوا بِهِمْ، يُقَالُ صَبَّحْتُهُ أَتَيْتُهُ صَبَاحًا بَغْتَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾
قَوْلُهُ: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ
قَوْلُهُ: (رَجُلًا مِنْهُمْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اسْمُهُ مِرْدَاسُ بْنُ عَمْرٍو الْفَدْكِيُّ وَيُقَالُ: مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ الْفَزَارِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَتَلَهُ أُسَامَةُ وَسَاقَ الْقِصَّةَ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فِيهَا أُسَامَةُ إِلَى بَنِي ضَمْرَةَ فَذَكَرَ قَتْلَ أُسَامَةَ الرَّجُلَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي الدِّيَاتِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلِيمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إِلَى فَدْكٍ فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِرْدَاسٌ الْفَدْكِيُّ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَنِّي لَاحِقٌ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي مُؤْمِنٌ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - وَسَلَّمَ: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ: قَالَ فَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ قَاتِلَ مِرْدَاسٍ مَاتَ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْقَبْرِ فَأَعَادُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْقَبْرِ مِرَارًا فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ أَنْ يُطْرَحَ فِي وَادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَعَظَكُمْ.
قُلْتُ: إِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهُوَ مِرْدَاسٌ آخَرُ، وَقَتِيلُ أُسَامَةَ لَا يُسَمَّى مِرْدَاسًا، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي قَتْلِ مِحْلَمِ بْنِ جَثَّامَةَ، عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ وَأَنَّ مَحَلمًا لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (غَشِينَاهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ لَحِقْنَا بِهِ حَتَّى تَغَطَّى بِنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ أَوَّلًا فَلَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ضَرْبِهِ بِالسَّيْفِ طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيِ الْمَدِينَةَ (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أُسَامَةَ لَا مِنْ غَيْرِهِ، فَتَقْدِيرُهُ الْأَوَّلُ بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَعْدَ أَنْ قَالَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي هَذَا اللَّوْمِ تَعْلِيمٌ وَإِبْلَاغٌ فِي الْمَوْعِظَةِ حَتَّى لَا يُقْدِمَ أَحَدٌ عَلَى قَتْلِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالتَّوْحِيدِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي
تَكْرِيرِهِ ذَلِكَ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ قَبُولِ الْعُذْرِ زَجْرٌ شَدِيدٌ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُسَامَةَ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحْرِزَ دَمَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) كَذَا أَعَادَ الِاعْتِذَارَ وَأُعِيدَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْفَاعِلُ فِي قَوْلِهِ: أَقَالَهَا هُوَ الْقَلْبُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا كُلِّفْتَ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ وَأَمَّا الْقَلْبُ فَلَيْسَ لَكَ طَرِيقٌ إِلَى مَا فِيهِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمَا ظَهَرَ مِنَ اللِّسَانِ فَقَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ لِتَنْظُرَ هَلْ كَانَتْ فِيهِ حِينَ قَالَهَا وَاعْتَقَدَهَا أَوْ لَا، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ لَسْتَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ فَاكْتَفِ مِنْهُ بِاللِّسَانِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ) أَيْ أَنَّ إِسْلَامِي كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَوَّلَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامُ لِيَأْمَنَ مِنْ جَرِيرَةِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ اسْتَصْغَرَ مَا سَبَقَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْفَعْلَةِ لِمَا سَمِعَ مِنَ الْإِنْكَارِ الشَّدِيدِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ.
وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَاتٌ وَلَفْظُهُ: بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَالْتَقَوْا فَأَوْجَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ فَأَبْلَغَ، فَقَصَدَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِيلَتَهُ - كُنَّا نَتَحَدَّثُ: إنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا أَتَتْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَعَلَّ أُسَامَةَ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ وَلِذَلِكَ عَذَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا غَيْرَهَا.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ حَمَلَ نَفْيَ النَّفْعِ عَلَى عُمُومِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ يَنْفَعُهُ نَفْعًا مُقَيَّدًا بِأَنْ يَجِبَ الْكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ هَلْ قَالَ ذَلِكَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ خَشْيَةً مِنَ الْقَتْلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَوَصَلَ خُرُوجُ الرُّوحِ إِلَى الْغَرْغَرَةِ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ تَنْفَعْهُ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً فَتَوَقَّفَ فِيهِ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ: لَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لِعِلْمِ السَّامِعِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ، لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِعَدَمِ السُّكُوتِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ، قَالَ: فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ كَالْخَاتِنِ وَالطَّبِيبِ، أَوْ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مِنَ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقُّ دِيَتَهُ، قَالَ: وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ، أَوْ لِأَنَّ أُسَامَةَ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَلَمْ تَلْزَمِ الْعَاقِلَةَ الدِّيَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ سَبَبَ حَلِفِ أُسَامَةَ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ تَخَلَّفَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.
قُلْتُ: وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَذْكُورَةِ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَقُولُ لَا أُقَاتِلُ مُسْلِمًا حَتَّى يُقَاتِلَهُ أُسَامَةُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى رَدِّ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَنْ رَأَى كَافِرًا أَسْلَمَ فَأُكْرِمَ إِكْرَامًا كَثِيرًا فَقَالَ لَيْتَنِي كُنْتُ كَافِرًا فَأَسْلَمْتُ لِأُكْرَمَ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ جَازِمُ الْإِسْلَامِ فِي الْحَالِ
وَالِاسْتِقْبَالِ، وَإِنَّمَا تَمَنَّى ذَلِكَ فِي الْحَالِ الْمَاضِي مُقَيَّدًا لَهُ بِالْإِيمَانِ لِيَتِمَّ لَهُ الْإِكْرَامُ، وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أُسَامَةَ ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَزِيدُ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ. وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالصَّنَابِحِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ.
قَوْلُهُ: (بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ كَانَتْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْبَيْعَةُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ إِلَى آخِرِهِ.
وَأَمَّا الْبَيْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَيْعَةَ النِّسَاءِ فَكَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، فَإِنَّ آيَةَ النِّسَاءِ الَّتِي فِيهَا الْبَيْعَةُ الْمَذْكُورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَّةِ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلرِّجَالِ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عَامَ الْفَتْحِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ وَالسَّبَبَ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَمَضَى شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (جُوَيْرِيَةُ) بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ وَهُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ، سَمِعَ مِنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَالِكٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا) الْمُرَادُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ لِقِتَالِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِدْخَالِ الرُّعْبِ عَلَيْهِمْ، لَا مَنْ حَمَلَهُ لِحِرَاسَتِهِمْ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ مِنَّا أَيْ عَلَى طَرِيقَتِنَا، وَأُطْلِقَ اللَّفْظُ مَعَ احْتِمَالِ إِرَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمِلَّةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّخْوِيفِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ: سَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَمَعَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بِلَفْظِ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السَّيْفَ.
الحديث الثاني عشر، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَحْنَفِ) هُوَ ابْنُ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ الْأَحْنَفُ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (فِي النَّارِ) أَيْ إِنْ أَنْفَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا فِعْلًا يَسْتَحِقَّانِ أَنْ يُعَذَّبَا مِنْ أَجْلِهِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ احْتَجَّ بِهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يَأْثَمُ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهَا، وَأَجَابَ مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّ هَذَا شُرِعَ فِي الْفِعْلِ وَالِاخْتِلَافِ فِيمَنْ هَمَّ مُجَرَّدًا ثُمَّ صَمَّمَ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا هَلْ يَأْثَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي شَرْحِ حَدِيثِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْوَعِيدُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَى عَدَاوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ طَلَبِ مُلْكٍ مَثَلًا، فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ أَوْ دَفَعَ الصَّائِلَ فَقُتِلَ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْقِتَالِ شَرْعًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Он сказал: «Он продолжал повторять это мне, пока я не пожелал, чтобы не принял ислам до того дня».
6873 - Передал нам Абдуллах ибн Юсуф, передал нам аль-Лайс, передал нам Язид от Абу аль-Хайра от ас-Сунабихи от Убады ибн ас-Самита ﷺ, который сказал: «Я из начальников, которые присягнули Посланнику Аллаха ﷺ. Мы дали присягу не придавать Аллаху ничего, не красть, не прелюбодействовать, не убивать душу, которую запретил Аллах, не грабить и не ослушиваться в этом деле. Если мы совершим что-либо из этого, то решение по этому вопросу принадлежит Аллаху».
6874 - Передал нам Муса ибн Исмаил, передал нам Джувейрия от Нафи', от Абдуллаха ибн Омара رضي الله عنه от Пророка ﷺ, который сказал: «Кто взял на нас оружие, тот не из нас». Это передал Абу Муса от Пророка ﷺ.
[Хадис 6874 — его часть в 7070]
6875 - Передал нам Абдуррахман ибн аль-Мубарак, передал нам Хаммад ибн Зайд, передали нам Айюб и Юнус от аль-Хасана, от аль-Ахнафа ибн Кайса, который сказал: «Я пошёл поддержать этого человека, и встретил меня Абу Бакра, который спросил: куда ты идёшь? Я ответил: поддержать этого человека. Он сказал: возвращайся, ибо я слышал, как Посланник Аллаха ﷺ сказал: „Если два мусульманина встретятся с мечами, то и убийца, и убитый будут в огне“. Я сказал: „О Посланник Аллаха, а что с убитым?“ Он ответил: „Он был жаден убить своего товарища“.
Разбор слова (باب ومن أحياها): В передаче, отличной от передачи Абу Зара, это заглавие звучит как „Глава о словах Всевышнего: „И кто сохранит её жизнь““, и добавлено: „и обладатель права наследования, и первопроходец (الأصيل)“ (فكأنما أحيا الناس جميعا).
Толкование слова (قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق فكأنما أحيا الناس جميعا): Ибн Аббас сказал: „Кто запретил убийство (души) кроме по праву, тот словно оживил всех людей“. Это передал Ибн Абу Хатим, и его объяснение изложено в толковании суры „Аль-Маида“. Его упомянул Мугалтай от пути Вакия, от Суфьяна, от Хусайфа, от Муджахида, от Ибн Аббаса. Возражение, что Хусайф слаб, не имеет силы, поскольку хадис существует и без передачи Хусайфа. Смысл этой аяты — начало её, где сказано: ﴿Кто убьёт душу без права или за развращение на земле, тот словно убил всех людей﴾. На это соотносятся первые хадисы главы, где говорится: „Ибо на сыне Адама лежит часть ответственности за неё“, и остальные, всего двенадцать хадисов.
Ибн Батталь сказал: „В них усиление запрета на убийство и преувеличение в предостережении от него“. Учёные прошлого расходились во мнении о значении слов: „убил всех людей и оживил всех людей“. Некоторые сказали, что это усиление вины и величия убийства верующего. Это передал ат-Табари от аль-Хасана, Муджахида и Катада. Слово аль-Хасана: „Убийца одной души попадёт в огонь, как если бы убил всех людей, и смысл убийства в том, что все люди — его противники“. Другие сказали, что он обязан возмещать убийство верующего так, как если бы убил всех людей, поскольку у него не может быть более одного убийства за всех. Ат-Табари передал это от Зайда ибн Аслама и выбрал мнение, что смысл в величии наказания и строгости угрозы, ибо убийство одного и всех равно в вызове гнева и наказания Аллаха, и в противоположность тому, что тот, кто никого не убил, словно оживил всех людей, сохранив их от вреда.
Ибн ат-Тин сказал, что смысл в том, что если тому, кто должен быть подвергнут киясу (возмездию), прощают, то он получит награду, словно оживил всех людей. Другие сказали, что он обязан благодарностью перед всеми людьми, словно оказал им всем милость.
Ибн Батталь отметил, что он выбрал это мнение, потому что нет души, чьё убийство в настоящем вреде равно убийству всех душ, и нет жизни, которая в настоящей пользе равна оживлению всех душ.
Я сказал: некоторые поздние учёные выбрали ограничение первой части на первого сына Адама, поскольку он установил убийство и нарушил запрет крови, и тем самым осмелил людей на это. Но это слабо, потому что указание в начале аяты ﴿Из-за этого﴾ связано с историей двух сыновей Адама, и это указывает на то, что последующее относится к другим. Поэтому предпочтительнее понимать это в общем смысле. Аллах знает лучше.
Первый хадис, слова (حدثنا سفيان) — это аль-Таври, возможно, это Ибн Уйайна, и он будет упомянут в „Аль-Иттисам“ в передаче аль-Хумайди от него: „Передал нам аль-Амаш“.
Слова (الأعمش) — это Сулейман ибн Михран.
Слова (عن عبد الله بن مرة) в передаче Хафса ибн Гияса от аль-Амаш: „Передал мне Абдуллах ибн Мурра, он из харфи с му'аджамой, с задней сломанной фа, он куфий“. В иснаде три таби'ина в куфийской последовательности.
Слова (لا تقتل نفس) — Хафс добавил в своей передаче „ظلمًا“ (несправедливо), а в „Аль-Иттисам“ нет слова „несправедливо“.
Слова (على ابن آدم الأول) — это Каин по мнению большинства. Судья Джамаль ад-Дин ибн Василь в своей истории сказал: имя убитого Каин, производное от „приношение“ (قبول قربانه), и говорили, что его имя Кабин с буквой нун вместо лам, и говорили Кабин без альфы. Указание на это уже было в главе о сотворении Адама с начала творения. Ат-Табари передал от Ибн Аббаса, что у них не было бедняка, которому можно было бы подать милостыню, и что жертва приближалась человеком, и если она принималась, то сжигался огнём, иначе нет.
От аль-Хасана: у Адама не было детей от его тела, а они были из потомков Израиля. Это передал ат-Табари, и от пути Ибн Аби Наджих от Муджахида, который сказал, что они были детьми Адама от его тела, и это более распространённое мнение. Его подтверждает хадис главы, где Ибн описывает его как первого, то есть первого рожденного у Адама. Говорят, что он не рождён в раю, кроме него и его сестры-близнеца. Об этом упомянул Ибн Исхак в „Аль-Мубтада“.
От аль-Хасана: он рассказал мне, что Хабил был убит в возрасте двадцати лет, а его брат-убийца — в двадцать пять. Толкование имени Хабил — дар Аллаха. Когда Хабил был убит и Адам опечалился, после этого у него родился Шит, что означает „дар Аллаха“, и от него распространилось потомство Адама.
Ат-Тха'леби сказал: учёные по Корану упоминали, что Хава родила Адаму сорок душ в двадцати утробах, первым из них был Каин и его сестра Иклима, а последним — Абд аль-Мугит и раба аль-Мугита. Затем все они умерли, и после потопа остались только потомки Нуха, который был из потомков Шита. Аллах сказал: ﴿И сделали потомство его теми, кто остался﴾. С ним на ковчеге было восемьдесят душ, и он упоминается в словах Аллаха: ﴿И не уверовал с ним, кроме немногих﴾. И всё же остались только потомки Нуха, и они размножились, пока не заполнили землю. Об этом уже упоминалось в переводе хадисов пророков о Нухе.
Слова (كفل منها) — добавлено в „Аль-Иттисам“: „И, возможно, сказал Суфьян: от её крови“, и добавлено в конце: „Потому что он первый, кто установил убийство“. Это похоже на слова Хафса ибн Гияса о сотворении Адама. „Кифль“ с касрой на первой букве и сукун на фа означает долю, и чаще всего применяется к награде, а с дафом — к греху. Из этого слова Аллах сказал: ﴿Двойная часть из милости Его﴾, и оно употреблено в отношении греха в словах: ﴿Кто ходатайствует за зло, у того будет часть от него﴾. И слова: „Потому что он первый, кто...“