٣٣ - (باب ما جاء في قبلة اليد والرجل)
أَيْ فِي تَقْبِيلِهِمَا
[٢٧٣٣] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) هُوَ الْأَوْدِيُّ الْمَعَافِرِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ (وَأَبُو أُسَامَةَ) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُرَادِيِّ الْكُوفِيِّ تَنْبِيهٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ سَلَمَةُ كُلُّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ إِلَّا عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَ قَوْمِهِ وَبَنِي سَلِمَةَ الْقَبِيلَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَبِكَسْرِ اللَّامِ وَفِي عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ سَلَمَةَ الْوَجْهَانِ انْتَهَى
قُلْتُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِمَةَ هَذَا أَيْضًا بِكَسْرِ اللَّامِ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ
قَوْلُهُ (قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ (اذْهَبْ بِنَا) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ (إِلَى هذا النبي) أَيْ لِنَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ (فَقَالَ صَاحِبُهُ لَا تَقُلْ) أَيْ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (نَبِيٌّ) أَيْ هُوَ نَبِيٌّ (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّهُ (لَوْ سَمِعَكَ) أَيْ سَمِعَ قَوْلَكَ إِلَى هَذَا النَّبِيِّ (كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَوَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ بِغَيْرِ التَّاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ يَعْنِي يُسَرُّ بِقَوْلِكَ هَذَا النَّبِيُّ سُرُورًا يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ فَيَزْدَادُ بِهِ نُورًا عَلَى نُورٍ كَذِي عَيْنَيْنِ أَصْبَحَ يُبْصِرُ بِأَرْبَعٍ فَإِنَّ الْفَرَحَ يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ كَمَا أَنَّ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ يُخِلُّ بِهَا وَلِذَا يُقَالُ لِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ الْهُمُومُ أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا (فَسَأَلَاهُ) أَيِ امْتِحَانًا (عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أَيْ وَاضِحَاتٍ وَالْآيَةُ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَعَلَامَةِ الطَّرِيقِ وَالْمَعْقُولَاتِ كَالْحُكْمِ الْوَاضِحِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاضِحَةِ فَيُقَالُ لِكُلِّ مَا تَتَفَاوَتُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ وَحَسَبِ مَنَازِلِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ آيَةٌ وَالْمُعْجِزَةُ آيَةٌ وَلِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ آيَةٌ وَلِكُلِّ كَلَامٍ منفصل بفصل لفظي آية والمراد بالآيات ها هنا
إِمَّا الْمُعْجِزَاتُ التِّسْعُ وَهِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ وَالطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ وَالسُّنُونَ وَنَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ لَا تُشْرِكُوا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْجَوَابِ وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الْجَوَابَ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي
الْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي التَّفْسِيرِ فَسَأَلَاهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بينات وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ لِلْمِلَلِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ وَبَيَانُهَا مَا بَعْدَهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا عَنِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَقَوْلُهُ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَابِ وَلِذَا غَيَّرَ السِّيَاقَ (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ) أَيْ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ (شَيْئًا) مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوِ الْإِشْرَاكِ (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) بهمزة وإدغام أي بمتبرىء من الإثم والباء للتعدية أي لاتسعوا ولا تتكلموا بسوء لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) أَيْ صَاحِبِ قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ وَغَلَبَةٍ وَشَوْكَةٍ (وَلَا تَسْحَرُوا) بِفَتْحِ الْحَاءِ (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فَإِنَّهُ سَحْقٌ وَمَحْقٌ (وَلَا تَقْذِفُوا) بِكَسْرِ الذَّالِ (مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصاد ويكسر أي لا ترموا بالزنى عَفِيفَةً (وَلَا تُوَلُّوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ مِنْ وَلِيَ تَوْلِيَةً إِذَا أَدْبَرَ أَيْ وَلَا تُوَلُّوا أَدْبَارَكُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ مِنَ التَّوَلِّي وَهُوَ الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ أَصْلُهُ تَتَوَلَّوْا فحذف إحدى التائين (الْفِرَارَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ لِأَجْلِ الْفِرَارِ (يَوْمَ الزَّحْفِ) أَيِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ (وَعَلَيْكُمْ) ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا (خَاصَّةً) مُنَوَّنًا حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ وَالْمُسْتَتِرُ فِي الظَّرْفِ عَائِدٌ إِلَى الْمُبْتَدَأِ أَيْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الْعَاشِرَةِ أَوْ حَالُ كَوْنِ الِاعْتِدَاءِ مُخْتَصًّا بِكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ مِنَ الْمِلَلِ أَوْ تَمْيِيزٌ وَالْخَاصَّةُ ضِدُّ الْعَامَّةِ (الْيَهُودَ) نُصِبَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ أَيْ أَعْنِي الْيَهُودَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةً بِمَعْنَى خُصُوصًا وَيَكُونَ الْيَهُودُ مَعْمُولًا لِفِعْلِهِ أَيْ أَخُصُّ الْيَهُودَ خُصُوصًا (أَلَّا تَعْتَدُوا) بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِنَ الِاعْتِدَاءِ (فِي السَّبْتِ) أَيْ لَا تَتَجَاوَزُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِأَنْ لَا تَصِيدُوا السَّمَكَ فِيهِ وَقِيلَ عَلَيْكُمْ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذُوا أَوْ أَنْ لَا تَعْتَدُوا مَفْعُولُهُ أَيِ الْزَمُوا تَرْكَ الِاعْتِدَاءِ (قَالَ) أَيْ صَفْوَانُ (فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) ﷺ (وَقَالُوا) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي التَّفْسِيرِ فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَا (نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) إِذْ هَذَا الْعِلْمُ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ لَكِنْ نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ إِلَى الْعَرَبِ (أَنْ تَتَّبِعُونِي) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مِنْ أَنْ تَقْبَلُوا نُبُوَّتِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ وَتَتَّبِعُونِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ (قَالَ) لَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ (دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ) أَيْ بِأَنْ لَا يَنْقَطِعَ (مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَكُونُ مُسْتَجَابًا
فَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَيَتَّبِعُهُ الْيَهُودُ وَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالشَّوْكَةُ (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تبعناك تقتلتنا اليهود) أي فإن تركتا دِينَهُمْ وَاتَّبَعْنَاكَ لَقَتَلَنَا الْيَهُودُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ نَبِيٌّ وَقُوَّةٌ وَهَذَا افْتِرَاءٌ مَحْضٌ عَلَى دَاوُدَ ﵊ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْأَدْيَانُ فَكَيْفَ يَدْعُو بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَئِنْ سَلِمَ فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَهُوَ نَبِيٌّ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَالَ بن بَطَّالٍ اخْتَلَفُوا فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ فَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ وَاحْتَجُّوا بما روى عن بن عُمَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْغَزْوِ حَيْثُ فَرُّوا قَالُوا نَحْنُ الْفَرَّارُونَ فَقَالَ بَلْ أَنْتُمُ الْكَرَّارُونَ إِنَّا فِئَةُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ قَالَ وَقَبَّلَ أَبُو لُبَابَةَ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ صَاحِبَاهُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ حين تاب الله عليه ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَدَ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ وَقَبَّلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَدَ بن عباس حين أخذ بن عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالتَّكَبُّرِ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جائز
قال بن بَطَّالٍ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ الْحَدِيثَ
وَفِي آخِرِهِ فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حسن صحيح
قال الحافظ حديث بن عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدلائل وبن المقرئ وحديث كعب وصاحبيه أخرجه بن المقرئ وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ
أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ وحديث بن عباس أخرجه الطبراني وبن المقرئ وحديث صفوان أخرجه أيضا النسائي وبن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو بكر بن المقرئ جُزْءًا فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ سَمِعْنَاهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَآثَارًا فَمِنْ جَيِّدِهَا حَدِيثُ الزَّارِعِ الْعَبْدِيِّ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجْلَهُ
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَمِنْ حَدِيثِ فَرِيدَةِ الْعَصْرِ مِثْلُهُ وَمِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قُمْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ
وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ قَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ وَالشَّجَرَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ رَأْسَكَ وَرِجْلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ قَالَ أَخْرَجَ لَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ كَفًّا لَهُ ضَخْمَةً كَأَنَّهَا كَفُّ بَعِيرٍ فَقُمْنَا إِلَيْهَا فَقَبَّلْنَاهَا وَعَنْ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَبَّلَ يَدَ أَنَسٍ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عليا قبل يد العباس ورجله
وأخرجه بن المقرئ
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى نَاوِلْنِي يَدَكَ الَّتِي بَايَعْتَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاوَلَنِيهَا فَقَبَّلْتُهَا
قَالَ النَّوَوِيُّ تَقْبِيلُ يَدِ الرَّجُلِ لِزُهْدِهِ وَصَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ أَوْ صِيَانَتِهِ أَوْ نَحْوِ
ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ شَوْكَتِهِ أَوْ جَاهِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ يَزِيدَ بن الأسود وبن عُمَرَ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) أَمَّا حَدِيثُ يَزِيدَ بن الأسود فأخرجه أحمد وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ
وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّقْبِيلِ
وَأَمَّا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مالك فأخرجه بن المقرئ
قَوْلُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
٣٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مَرْحَبًا)
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) اسْمُهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ (أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ) بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيَّةَ اسْمُهَا فَاخِتَةُ وَقِيلَ هِنْدٌ لَهَا صُحْبَةٌ وَأَحَادِيثُ مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ
قَوْلُهُ (وَفَاطِمَةُ تستره) أي عنها وعن غيرها (قال مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) الْبَاءُ إِمَّا زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ أَيْ أَتَتْ أُمُّ هَانِئٍ
مَرْحَبًا أَيْ مَوْضِعًا رَحْبًا أَيْ وَاسِعًا لَا ضَيِّقًا أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ أَتَى اللَّهُ بِأُمِّ هَانِئٍ مَرْحَبًا فَمَرْحَبًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ وَهَذِهِ كَلِمَةُ إِكْرَامٍ وَالتَّكَلُّمُ بِهَا سُنَّةٌ (فَذَكَرَ قِصَّةً فِي الْحَدِيثِ) رَوَى الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا بِذِكْرِ الْقِصَّةِ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) النَّهْدِيُّ أبو حذيفة البصري صدوق سيىء الْحِفْظِ وَكَانَ يُصَحِّفُ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلِ) بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ صَحَابِيٌّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَاسْتُشْهِدَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ
قَوْلُهُ (يَوْمَ جِئْتُهُ) أَيْ عَامَ الْفَتْحِ وَزَادَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ (مَرْحَبًا) مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ جِئْتَ مَرْحَبًا أَيْ مَوْضِعًا وَاسِعًا قَالَ الْحَافِظُ هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ صَادَفْتَ رُحْبًا بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ سَعَةً وَالرَّحْبُ بِالْفَتْحِ الشَّيْءُ الْوَاسِعُ وَقَدْ يَزِيدُونَ مَعَهَا أَهْلًا أَيْ وَجَدْتَ أَهْلًا فَاسْتَأْنِسْ وَأَفَادَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ مَرْحَبًا سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَأْنِيسِ الْقَادِمِ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ) أَيْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَيْ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَتْحِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً بَلْ شَرْطًا وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَوُجُوبُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي الْإِكْمَالِ هُوَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَاسْمُ أَبِي جَهْلٍ عُرْوَةُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ الْقُرَشِيُّ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَأَبُوهُ وَكَانَ فَارِسًا مَشْهُورًا وَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَلَحِقَ بِالْيَمَنِ فَلَحِقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ فَأَتَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ فَأَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رأيت لأبي جهل عذفا فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ هَذَا هُوَ قَالَتْ وَشَكَا عِكْرِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه إذا مر بالمدينة قالوا هذا بن عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا انْتَهَى
قوله (وفي الباب عن بريدة وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي جُحَيْفَةَ) أَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ بن أَبِي عَاصِمٍ عَنْهُ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا خَطَبَ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَرْحَبًا وَأَهْلًا
وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الحاكم
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَدَبِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى أخرجها بن أبي عاصم وبن السُّنِّيِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عن بن شِهَابٍ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ زَوْجِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبي جهل مطولا
قوله (وموسى بْنُ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ كَثِيرُ الْوَهْمِ تَكَلَّمُوا فِيهِ
قَالَ الْحَافِظُ مَا لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُفْيَانَ سِوَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ مُتَابَعَةً وَلَهُ عِنْدَهُ آخَرُ عن زائدة متابعة أيضا انتهى
٤١ - كتاب الأدب
٣٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ)
التَّشْمِيتُ جواب العاطس بيرحمك اللَّهُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ التَّشْمِيتُ بِالشِّينِ وَالسِّينِ الدُّعَاءُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَالْمُعْجَمَةِ أَعْلَاهُمَا يُقَالُ شَمَّتُ فُلَانًا وَشَمَتُّ عَلَيْهِ تَشْمِيتًا فَهُوَ مُشَمِّتٌ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الشَّوَامِتِ وَهِيَ الْقَوَائِمُ كَأَنَّهُ دَعَا لِلْعَاطِسِ بِالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَبْعَدَكَ اللَّهُ عَنِ الشَّمَاتَةِ وَجَنَّبَكَ مَا يُشَمَّتُ به عليك انتهى
قوله (عن الحارث) عن عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيِّ الْحَارِثِيِّ الْكُوفِيِّ صَاحِبِ عَلِيٍّ كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ فِي رَأْيِهِ وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ وَفِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ مَاتَ فِي خِلَافَةِ بن الزُّبَيْرِ قَالَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خِصَالٌ سِتٌّ مُتَلَبِّسَةٌ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ (يُسَلِّمُ عَلَيْهِ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ أَوْ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ عَرَفَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ (وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ) أَيْ إِلَى دَعْوَةٍ أَوْ حَاجَةٍ (وَيُشَمِّتُهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ يَدْعُو لَهُ بِقَوْلِهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ (إِذَا عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ يَعْنِي فَحَمِدَ الله كما
فِي رِوَايَةٍ (وَيَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ مِنَ الِاتِّبَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِسُكُونِهَا وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَشْهَدُ وَيُشَيِّعُ (جِنَازَتَهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ (وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ) أَيْ مِثْلَ مَا يُحِبُّ (لِنَفْسِهِ) مِنَ الْخَيْرِ وَهَذَا فَذْلَكَةُ الْكُلِّ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السِّتِّ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ الْحَدِيثَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ فَذَكَرَ فِيهَا وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَذَكَرَ مِنْهَا التَّشْمِيتَ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ مَنْ عِنْدَهُ يَرْحَمُكَ الله
وقد أخذ بظاهرها بن مُزَيْنٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الظاهر وقال بن أَبِي جَمْرَةَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا إِنَّهُ فرض عين
وقواه بن الْقَيِّمِ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ فَقَالَ جَاءَ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ الصَّرِيحِ وَبِلَفْظِ الْحَقِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَبِلَفْظٍ عَلَى الظَّاهِرَةِ فِيهِ وَبِصِيغَةِ الْأَمْرِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَالَ لَا رَيْبَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَثْبَتُوا وُجُوبَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ بِدُونِ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ وَرَجَّحَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ
وَقَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وجمهور الحنابلة عَبْدُ الْوَهَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ مستحب ويجزىء الْوَاحِدُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ
وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا تُنَافِي كَوْنَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِنْ وَرَدَ فِي عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ فَفَرْضُ الْكِفَايَةِ يُخَاطَبُ بِهِ الْجَمِيعُ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى مُبْهَمٍ فَإِنَّهُ يُنَافِي كَوْنَهُ فَرْضَ عَيْنٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
وقال بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ أَحَادِيثِ التَّشْمِيتِ مَا لَفْظُهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ
(يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ الْحَدِيثَ) أَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَلَا يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ وَهَذَا أحد قولي العلماء واختاره بن أبي زيد وبن الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَلَا دَافِعَ لَهُ انْتَهَى
قُلْتُ الظاهر ما قاله بن الْقَيِّمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي مَسْعُودٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ كَيْفَ يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ وهو بن عُقْبَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حسن) وأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ) إِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَارْجِعْ إِلَى تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَمُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ لِلنَّوَوِيِّ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْمَخْزُومِيُّ الْمَدِينِيُّ) الْفِطْرِيُّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مِنَ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (وَيَشْهَدُهُ) أَيْ وَيَحْضُرُ وَقْتَ نَزْعِهِ (إِذَا مَاتَ) أَيْ قَرُبَ مَوْتُهُ أَوْ يَحْضُرُ زَمَانَ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَيَنْصَحُ لَهُ) أَيْ يُرِيدُ الْخَيْرَ لِلْمُؤْمِنِ وَيُرْشِدُهُ إِلَيْهِ (إِذَا غَابَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (أَوْ شَهِدَ) أَيْ حَضَرَ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ خَيْرَهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ فَلَا يَتَمَلَّقُ فِي حُضُورِهِ وَيَغْتَابُ فِي غَيْبَتِهِ فَإِنَّ هَذَا صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ
٣٦ - (بَاب مَا يَقُولُ الْعَاطِسُ إِذَا عَطَسَ)
اعْلَمْ أَنَّ الْعُطَاسَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ لِلْعَاطِسِ إِذَا عَطَسَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تعالى
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ الْعَاطِسُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ بِالْعُطَاسِ نِعْمَةٌ وَمَنْفَعَةٌ بِخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي دِمَاغِهِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْدَثَتْ لَهُ أَدْوَاءَ عَسِرَةً شُرِعَ لَهُ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أَعْضَائِهِ عَلَى الْتِئَامِهَا وَهَيْئَتِهَا عَلَى هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الَّتِي هِيَ لِلْبَدَنِ كَزَلْزَلَةِ الْأَرْضِ لَهَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ) هُوَ أَبُو خِدَاشٍ الْيَحْمَدِيُّ الْبَصْرِيُّ (أَخْبَرَنَا حَضْرَمِيٌّ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بِلَفْظِ النِّسْبَةِ بن عَجْلَانَ مَوْلَى الْجَارُودِ مَقْبُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ في ترجمته روى عن نافع مولى بن عُمَرَ وَعَنْهُ زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْيَحْمَدِيُّ وَغَيْرُهُ ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ
رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا فِيمَا يَقُولُهُ الْعَاطِسُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (أَنَّ رَجُلًا عطس إلى جنب بن عُمَرَ) أَيْ مُنْتَهِيًا جُلُوسُهُ إِلَى جَنْبِهِ (فَقَالَ) أَيِ الْعَاطِسُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ زِيَادَةُ السَّلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَذْكَارِ (فَقَالَ) أَيْ (بن عمر وأنا أقول) كما تَقُولُ أَيْضًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) لِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ شَرِيفَانِ كُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِهِمَا لَكِنْ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) بِأَنَّ يُضَمَّ السَّلَامُ مَعَ الْحَمْدِ عِنْدَ الْعَطْسَةِ بَلِ الْأَدَبُ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ مِنْ تِلْقَاءِ النَّفْسِ إِلَّا بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ (عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَالزِّيَادَةُ الْمَطْلُوبَةُ إِنَّمَا هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَمْدَلَةِ سَوَاءٌ وَرَدَ أَوْ لَا وَأَمَّا زِيَادَةُ ذِكْرٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الضَّمِّ إِلَيْهِ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورَاتِ
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ الْعَاطِسُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رفعه إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله عَلَى كُلِّ حَالٍ
وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَفْعَهُ يَقُولُ الْعَاطِسُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
وَلِابْنِ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مِثْلُهُ وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَدِيثَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَوَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَعِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَنْ قَالَ عِنْدَ عَطْسَةٍ سَمِعَهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا كَانَ لِيَجِدَ وَجَعَ الضِّرْسِ وَلَا الْأُذُنِ أَبَدًا
وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَا زَادَ مِنَ الثَّنَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَمْدِ كَانَ حَسَنًا فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الحمد لله فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَرْحَمُكَ اللَّهُ
وَعَطَسَ آخَرُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ فَقَالَ ارْتَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا تِسْعَ عَشْرَةَ دَرَجَةً
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ثَلَاثًا فَقُلْتُ أَنَا فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَغْرِبُ وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ به وأخرج بن السُّنِّيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَطَسَ فَخَلَّى يَدِي ثُمَّ قَامَ فَقَالَ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ فَسَأَلْته فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ فقال إِذَا أَنْتَ عَطَسْتَ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِكَرَمِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِعِزِّ جَلَالِهِ
فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ صَدَقَ عَبْدِي ثَلَاثًا مَغْفُورًا لَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا كله ما لفظه ونقل بن بَطَّالٍ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ الْعَاطِسَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ يَزِيدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ من الأدلة أن كل ذلك مجزىء لَكِنْ مَا كَانَ أَكْثَرَ ثَنَاءً أَفْضَلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَأْثُورًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ عُطَاسِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ أَحْسَنَ فَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ أَفْضَلَ كَذَا قَالَ
وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ثُمَّ الْأَوْلَوِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ
٣٧ - (بَاب مَا جَاءَ كَيْفَ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ ديلم) هو المدائني (عن أبي بردة بن أَبِي مُوسَى) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قِيلَ اِسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ الْحَارِثُ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الْأَشْعَرِيِّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ أَمَّرَهُ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَهُوَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ بِصِفِّينَ
قَوْلُهُ (كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ) أَيْ يَطْلُبُونَ الْعَطْسَةَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (يَرْجُونَ) أَيْ يَتَمَنَّوْنَ بِهَذَا السَّبَبِ (فَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ عُطَاسِهِمْ وَحَمْدِهِمْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ وَلَا يَقُولُ لَهُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا يُصْلِحُ بَالَهُمْ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِيمَانِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أَيُّوبَ وَسَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ وَحَدِيثُ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فَأَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمِ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي والحاكم وَصَحَّحَهُ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ منصور) هو بن الْمُعْتَمِرِ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ) الْأَشْجَعِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ
قَوْلُهُ (أَنَّهُ كَانَ) أَيْ سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ (فَقَالَ) أَيِ الْعَاطِسُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) ظَنًّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بَدَلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
ذَكَرَهُ بن الْمَلَكِ (فَقَالَ) أَيْ سَالِمٌ (عَلَيْكَ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَعَلَيْكَ بِالْوَاوِ (فَكَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (الرَّجُلَ) أَيِ الْعَاطِسَ (وَجَدَ) أَيِ الْكَرَاهَةَ أَوِ الْخَجَالَةَ أَوِ الْحُزْنَ لِمَا قَالَ سَالِمٌ (فِي نَفْسِهِ) لَكِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ آثَارِهِ وَقِيلَ أَيْ غَضِبَ أَوْ حَزِنَ مِنْ الْمُوجَدَةِ وَهُوَ الْغَضَبُ أَوِ الْوَجْدُ وَهُوَ الْحُزْنُ (فَقَالَ) أَيْ سَالِمٌ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) أَيْ فَأَنَا مُتَّبِعٌ لَا مُبْتَدِعٌ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عليك وعلى أمك قال بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَفِي السَّلَامِ عَلَى أُمِّ هَذَا الْمُسَلِّمِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ إِشْعَارُهُ بِأَنَّ سَلَامَهُ قَدْ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ اللَّائِقِ بِهِ كَمَا وَقَعَ هَذَا السَّلَامُ عَلَى أُمِّهِ فَكَمَا أَنَّ هَذَا سَلَامُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهَكَذَا سَلَامُهُ هُوَ
وَنُكْتَةٌ أُخْرَى أَلْطَفُ مِنْهَا وَهِيَ تَذْكِيرُهُ بِأُمِّهِ وَنِسْبَتُهُ لَهُ إِلَيْهَا فَكَأَنَّهُ أُمِّيٌّ مَحْضٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ بَاقٍ عَلَى تَرْبِيَتِهَا لَمْ تُرَبِّهِ الرِّجَالُ انْتَهَى (وَلْيَقُلْ لَهُ) أَيْ لِلْعَاطِسِ وَلْيَقُلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ أَيْ وَلْيَقُلِ الْعَاطِسُ يَغْفِرُ اللَّهُ إِلَخْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَنْصُورٍ وَقَدْ أَدْخَلُوا بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَبَيْنَ سَالِمٍ رَجُلًا) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفَظُهُ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ عَنْ سَالِمٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَالِمٍ وَرَوَاهُ مُسَدِّدٌ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ عَنْ آخَرَ مِنْهُمْ قَالَ كُنَّا مَعَ سَالِمٍ وَرَوَاهُ زَائِدَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ عَنْ سَالِمٍ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ مِنْ آلِ عُرْفُطَةَ عَنْ سَالِمٍ
وَاخْتُلِفَ عَلَى وَرْقَاءَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ أَوْ عَرْفَجَةَ وَيُشْبِهُ أَنْ
يَكُونَ خَالِدٌ هَذَا مَجْهُولًا فَإِنَّ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ قَالَ لَا أَعْرِفُ وَاحِدًا يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ إِلَّا وَاحِدًا الَّذِي لَهُ صُحْبَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
قُلْتَ وَحَدِيثُ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاءَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْفَجَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الخ
قوله (أخبرني بن أَبِي لَيْلَى) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
قَوْلُهُ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ (وَلْيَقُلْ هُوَ) أَيِ الْعَاطِسُ (يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) الْبَالُ الْقَلْبُ يَقُولُ فُلَانٌ مَا يَخْطِرُ بِبَالِي أَيْ قَلْبِي وَالْبَالُ رَخَاءُ الْعَيْشِ يُقَالُ فُلَانٌ رَخِيُّ الْبَالِ أَيْ وَاسِعُ الْعَيْشِ وَالْبَالُ الْحَالُ يَقُولُ مَا بَالُكَ أَيْ حَالُكَ وَالْبَالُ فِي الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ أَنْسَبُ لعمومه المعنيين الأوليين أَيْضًا كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمِ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ
قال بن بَطَّالٍ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقُولُ الْعَاطِسُ فِي جَوَابِ الْمُشَمِّتِ يَهْدِيكُمِ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ
وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَقُولُ يَغْفِرُ اللَّهُ لنا ولكم وأخرجه الطبري عن بن مسعود وبن عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ انْتَهَى وَقِيلَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا
قلت
أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي جَوَابِ الْمُشَمِّتِ هُوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَهَذَا أَثْبَتُ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هُوَ مِنْ أَثْبَتِ الْأَخْبَارِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِيجَابِ التَّشْمِيتِ بِحَمْدِ الْعَاطِسِ)
قَوْلُهُ (أَنَّ رَجُلَيْنِ) وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وبن أَخِيهِ (فَشَمَّتَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أحدهما) بالنصب على المفعولية (شمت) بتشديدتين (وَلَمْ تُشَمِّتْنِي) أَيْ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ (إنه حمد الله وإنك لم تحمده) فِيهِ أَنَّ مَنْ عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ وَمَنْ عَطَسَ وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ وَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
٩ - (بَاب مَا جَاءَ كَمْ يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو بن الْمُبَارَكِ (وَأَنَا شَاهِدٌ) أَيْ حَاضِرٌ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ) وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ الْآتِيَةِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أنت مزكوم وقال الترمذي هذا الرِّوَايَةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المبارك
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ الْبَصْرِيُّ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ فَرْوَةَ الْهَاشِمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْكُرْدِيِّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ ثِقَةٌ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْمَعْرُوفُ بِغُنْدَرٍ
قَوْلُهُ (عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الْمَدَنِيِّ مَجْهُولُ الْحَالِ (عَنْ أُمِّهِ) اسْمُهَا حَمِيدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ مَقْبُولَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ أَبِيهَا) هُوَ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الزُّرَقِيِّ وَيُقَالُ فِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ
قَوْلُهُ (فَإِذَا زَادَ فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا) وقد أخرج أبو يعلي وبن السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّهْيَ عَنِ التَّشْمِيتِ بعد ثلاث ولفظ إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ على ثلاث
فَهُوَ مَزْكُومٌ وَلَا يُشَمِّتْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ رَجُلٌ لَمْ أَتَحَقَّقْ حَالَهُ وَبَاقِي إِسْنَادِهِ صَحِيحٌ
قَالَ الْحَافِظُ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ
وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ وَمُحَمَّدٌ مُوَثَّقٌ وَأَبُوهُ يُقَالُ لَهُ الْحَرَّانِيُّ ضَعِيفٌ قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا الَّذِي رُوِّينَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الصَّحَابِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا
فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ
قَالَ الْحَافِظُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الضَّعْفِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْغَرَابَةِ الضَّعْفُ وَأَمَّا وَصْفُ التِّرْمِذِيِّ إِسْنَادَهُ بِكَوْنِهِ مَجْهُولًا فَلَمْ يُرِدْ جَمِيعَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُمْ مُوَثَّقُونَ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ تَغْيِيرُ اسْمِ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَإِبْهَامُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ أَخْرَجَاهُ مَعًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فَفِيهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمِيدَةَ أَوْ عُبَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهَا وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ
وَالْحَدِيثُ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ وَيَزِيدُ هُوَ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ وَهُوَ صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأُمُّهُ حَمِيدَةُ رَوَى عَنْهَا أَيْضًا زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَذَكَرَهَا بن حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَأَبُوهَا عُبَيْدُ بْنِ رِفَاعَةَ ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَهُ رؤية قاله بن السَّكَنِ قَالَ وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ رِوَايَتُهُ مُرْسَلَةٌ وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ فَفِيهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهَا كَذَا سَمَّاهُ عُمَرُ وَلَمْ يُسَمِّ أُمَّهُ وَلَا أَبَاهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ وَأَنَّ الصَّوَابَ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ لَا عُمَرُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ حَسَنُ بن سفيان وبن السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالُوا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالُوا حَمِيدَةُ بِغَيْرِ شَكٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَجْهُولٌ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِخَيْرٍ وَصِلَةٍ وَتَوَدُّدٍ لِلْجَلِيسِ فَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِهِ
وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ دَلَّ حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ يُشَمَّتُ ثَلَاثًا وَيُقَالُ أَنْتَ مَزْكُومٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا فَالْعَمَلُ بها أولى
ثم حكى النووي عن بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولُ لِمَنْ تَتَابَعَ عُطَاسُهُ
أَنْتَ مَزْكُومٌ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عَلَى أَقْوَالٍ وَالصَّحِيحُ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ وَمَعْنَاهُ أَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يُشَمَّتُ بَعْدَهَا لِأَنَّ الَّذِي بِكَ مَرَضٌ وَلَيْسَ مِنَ الْعُطَاسِ الْمَحْمُودِ النَّاشِئِ عَنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ انْتَهَى
٤٠ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَفْضِ الصَّوْتِ)
أَيْ غَضِّهِ (وَتَخْمِيرُ الْوَجْهِ) أَيْ تَغْطِيَتُهُ بِالْيَدِ أَوْ بِالثَّوْبِ (عِنْدَ الْعُطَاسِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ انْدِفَاعُ الْهَوَاءِ بِعَزْمٍ مِنَ الْأَنْفِ مَعَ صَوْتٍ يُسْمَعُ
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ (عَنْ سُمَيٍّ) هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) اسْمُهُ ذَكْوَانُ
قَوْلُهُ (إِذَا عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَجُوِّزَ كَسْرُهُ (وَغَضَّ) أَيْ خَفَضَ (بِهَا) أَيْ بِالْعَطْسَةِ (صَوْتَهُ) والمعنى لَمْ يَرْفَعْهُ بِصَيْحَةٍ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِصَوْتِهِ
قَالَ الْحَافِظُ وَمِنْ آدَابِ الْعَاطِسِ أَنْ يَخْفِضَ بِالْعَطْسِ صَوْتَهُ وَيَرْفَعَهُ بِالْحَمْدِ وَأَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ لِئَلَّا يَبْدُوَ مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفِهِ مَا يُؤْذِي جَلِيسَهُ وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ يَمِينًا وَلَا شمالا لئلا يتضرر بذلك
قال بن الْعَرَبِيِّ الْحِكْمَةُ فِي خَفْضِ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ أَنَّ فِي رَفْعِهِ إِزْعَاجًا لِلْأَعْضَاءِ وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ أَنَّهُ لَوْ بَدَرَ مِنْهُ شَيْءٌ آذَى جَلِيسَهُ وَلَوْ لَوَى عُنُقَهُ صِيَانَةً لِجَلِيسِهِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ الِالْتِوَاءِ وَقَدْ شَاهَدْنَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ صَوْتَهُ
وَلَهُ شَاهِدٌ من حديث بن عُمَرَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ
١ - (بَاب مَا جَاءَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ)
قَوْلُهُ (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ (الْعُطَاسُ مِنَ اللَّهِ والتثاؤب من
الشَّيْطَانِ) لِأَنَّ الْعُطَاسَ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّشَاطُ لِلْعِبَادَةِ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ وَالتَّثَاؤُبُ يَنْشَأُ مِنَ الِامْتِلَاءِ فَيُورِثُ الْكَسَلَ فَأُضِيفَ لِلشَّيْطَانِ (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) أَيْ فَمِهِ لِيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ (وَإِذَا قَالَ آهْ آهْ) حِكَايَةُ صَوْتِ الْمُتَثَائِبِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْ جَوْفِهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ يَضْحَكُ مِنْهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ يَرْضَى بِتِلْكَ الْغَفْلَةِ وَبِدُخُولِهِ فَمَهُ لِلْوَسْوَسَةِ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَمَرَ بِكَظْمِ التَّثَاؤُبِ وَرَدِّهِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيْطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ وَدُخُولِهِ فَمَهُ وَضَحِكِهِ مِنْهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي (أخبرني بن أَبِي ذِئْبٍ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ وَاسْمُهُ كَيْسَانُ
قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) لِأَنَّهُ سَبَبُ خِفَّةِ الدِّمَاغِ وَصَفَاءِ الْقُوَى الْإِدْرَاكِيَّةِ فَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الطَّاعَةِ (وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ النَّشَاطِ فِي الطَّاعَةِ وَيُوجِبُ الْغَفْلَةَ وَلِذَا يَفْرَحُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَهُوَ الْمَعْنَى فِي ضَحِكِهِ الْآتِي
قَالَ الْقَاضِي التَّثَاؤُبُ بِالْهَمْزِ التَّنَفُّسُ الَّذِي يُفْتَحُ عَنْهُ الْفَمُ وَهُوَ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَثِقَلِ النَّفْسِ وَكُدُورَةِ الْحَوَاسِّ وَيُورِثُ الْغَفْلَةَ وَالْكَسَلَ وَسُوءَ الْفَهْمِ وَلِذَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ الشَّيْطَانُ وَضَحِكَ مِنْهُ وَالْعُطَاسُ لِمَا كَانَ سَبَبًا لِخِفَّةِ الدِّمَاغِ
وَاسْتِفْرَاغِ الْفَضَلَاتِ عَنْهُ وَصَفَاءِ الرُّوحِ وَتَقْوِيَةِ الْحَوَاسِّ كَانَ أَمْرُهُ بِالْعَكْسِ (فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ) احْتِرَازٌ مِنْ حَالِ عَدَمِ سَمَاعِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ (فَإِذَا تَثَاءَبَ أحدكم) قال الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الترمذي وقع في رواية المحبوبي عن التِّرْمِذِيِّ بِالْوَاوِ وَفِي رِوَايَةِ السِّنْجِيِّ بِالْهَمْزِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ بِالْهَمْزِ وَكَذَا فِي حديث أبي سعيد عند أبو دَاوُدَ وَأَمَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَبِالْوَاوِ قَالَ وَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَفِي بَعْضِهَا بِالْهَمْزِ وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَوْهَرِيُّ كَوْنَهُ بِالْوَاوِ
قَالَ تَقُولُ تَثَاءَبَتْ عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلَتْ وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبَتْ قَالَ وَالتَّثَاؤُبُ أَيْضًا مَهْمُوزٌ وَقَدْ يَقْلِبُونَ الهمز المضمومة واوا والاسم الثوباء بِالضَّمِّ ثُمَّ هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ الْخُيَلَاءِ وَجَزَمَ بن دُرَيْدٍ وَثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِأَنَّ الَّذِي بِغَيْرِ وَاوٍ بِوَزْنِ تَيَمَّمَتْ فَقَالَ ثَابِتٌ لَا يُقَالُ تَثَآبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا بَلْ يُقَالُ تثأب بالتشديد
وقال بن دُرَيْدٍ أَصْلُهُ مِنْ ثُئِبَ فَهُوَ مَثْئُوبٌ إِذَا اسْتَرْخَى وَكَسِلَ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِنَّهُمَا لُغَتَانِ وَبِالْهَمْزِ وَالْمَدُّ أَشْهَرُ انْتَهَى (فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أَيْ فَلْيَكْظِمْ فَمَهُ وَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَيْهِ (وَلَا يَقُولُ هَاهْ هَاهْ) حِكَايَةٌ لِصَوْتِ الْمُتَثَائِبِ (فَإِنَّمَا ذَلِكَ) أَيِ التَّثَاؤُبُ (مِنَ الشَّيْطَانِ) قَالَ النَّوَوِيُّ أُضِيفَ التَّثَاؤُبُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَاتِ إِذْ يَكُونُ عَنْ ثِقَلِ الْبَدَنِ وَاسْتِرْخَائِهِ وَامْتِلَائِهِ وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَهُوَ التَّوَسُّعُ فِي الْمَأْكَلِ وَإِكْثَارِ الْأَكْلِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو داود والنسائي (وهذا) أي حديث بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أصح من حديث بن عَجْلَانَ) أَيْ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْقَاطِ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ بَيَّنَ التِّرْمِذِيُّ وجه كونه أصح منه بقوله وبن أَبِي ذِئْبٍ أَحْفَظُ إِلَخْ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أَحَادِيثُ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ رَوَى بَعْضَهَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعْضَهَا سَعِيدٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَخْ) وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ بن عجلان قال يحيى القطان عن بن عَجْلَانَ كَانَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ
يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَاخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ فَجَعَلَهَا كُلَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى
٢ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ)
قَوْلُهُ (عَنْ عَدِيٍّ وَهُوَ بن ثَابِتٍ) الْأَنْصَارِيُّ ثِقَةٌ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ ثَابِتٌ الأنصاري ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ هُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ جَدِّ عَدِيٍّ (رَفَعَهُ) أَيْ رَفَعَ جَدُّهُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْلَا هَذَا الْقَيْدُ لَأَوْهَمَ قَوْلُهُ (قَالَ الْعُطَاسُ) أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَالنُّعَاسُ) هُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ أَوْ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ وَهُوَ السِّنَةُ (وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ الْأُولَى (وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ) بِضَمِّ الرَّاءِ دَمُ الْأَنْفِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) قَالَ الْقَاضِي أَضَافَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يُحِبُّهَا وَيَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى مَا يَبْتَغِيهِ مِنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ والمنع عن العبادة ولأنها تغلب فِي غَالِبِ الْأَمْرِ مِنْ شَرَهِ الطَّعَامِ الَّذِي هومن أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ وَزَادَ التُّورْبَشْتِيُّ وَمِنِ ابْتِغَاءِ الشَّيْطَانِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَا نُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْحُضُورِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي لَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ
وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْعُطَاسِ كَثْرَتُهُ فَلَا يُنَافِيهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْعُطَاسِ الْمُعْتَدِلِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ الثَّلَاثَ عَلَى التَّوَالِي بِدَلِيلِ أنه يسن تشميته حينئذ بعافاك اللَّهُ وَشَفَاكَ
الدَّالُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ انتهى
قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى الْعُطَاسَ مُطْلَقًا عَلَى خَارِجِ الصَّلَاةِ وَكَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا فِي دَاخِلِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ في الصلاة لا يخلو عن اشتغال بال بِهِ وَهَذَا الْجَمْعُ كَانَ مُتَعَيِّنًا لَوْ كَانَ الْحَدِيثَانِ مُطْلَقَيْنِ فَكَيْفَ مَعَ التَّقْيِيدِ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ لكونه مقيدا بحبال الصَّلَاةِ
فَقَدْ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطَانُ فِي حُصُولِ الْعُطَاسِ لِلْمُصَلِّي لِيَشْغَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عن بن مَسْعُودٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النُّعَاسَ وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا (وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ اسْمُهُ دِينَارٌ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ اسْمُهُ دِينَارٌ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ انْتَهَى
وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَقْوَالًا عَدِيدَةً فِي اسْمِ جَدِّ عَدِيٍّ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لِي فِي اسْمِ جَدِّهِ إِلَى الْآنَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا إِلَّا أَنَّ أَقْرَبَهَا إِلَى الصَّوَابِ أَنَّ جَدَّهُ هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ انْتَهَى
٣ - (بَاب كَرَاهِيَةِ أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يُجْلَسُ فِيهِ)
قوله (عن أيوب) هو بن أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ (عَنْ نَافِعٍ) هُوَ أَبُو عبد الله المدني مولى بن عُمَرَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ مَشْهُورٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (لَا يُقِيمُ) مِنَ الْإِقَامَةِ (أَخَاهُ) فِي الدِّينِ (مِنْ مَجْلِسِهِ) أَيْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي سَبَقَهُ إِلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ مُبَاحٍ (ثُمَّ يَجْلِسُ) أَيِ الْمُقِيمُ (فِيهِ) قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ غَالِبِيٌّ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ إِقَامَتُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَا إِذَا أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ أَوْ يَقْرَأُ قُرْآنًا أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِذَا حَضَرَ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ
وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الشَّوَارِعِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ لمعاملة انتهى
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ النَّوَوِيِّ هَذَا وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعْلِيلِ هَلْ يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ الْعَامِ الْمُسْتَفَادِ
مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَخْذِ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ المنافي للإخلاص وقد كان بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشيخان
قوله (لا يقم أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ) قال بن أَبِي جَمْرَةَ هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْمَجَالِسِ وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَجَالِسِ الْمُبَاحَةِ إِمَّا عَلَى الْعُمُومِ كَالْمَسَاجِدِ وَمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْعِلْمِ وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ كَمَنْ يَدْعُو قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ لِوَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمَجَالِسُ الَّتِي لَيْسَ لِلشَّخْصِ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا إِذْنٌ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَامُ وَيُخْرَجُ مِنْهَا ثُمَّ هُوَ فِي الْمَجَالِسِ الْعَامَّةِ وَلَيْسَ عَامًّا فِي النَّاسِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمَجَانِينِ وَمَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْأَذَى كَآكْلِ الثُّومِ النَّيءِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالسَّفِيهِ إِذَا دَخَلَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ أَوِ الْحُكْمِ قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ مَنْعُ اسْتِنْقَاصِ حَقِّ الْمُسْلِمِ المقتضي للضغائن والحث على التواضع المقتضي للمواددة
وَأَيْضًا فَالنَّاسُ فِي الْمُبَاحِ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ وَمَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا فَأُخِذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ غَصْبٌ وَالْغَصْبُ حَرَامٌ
فَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ (قَالَ) أَيْ سَالِمٌ (وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ لِابْنِ عُمَرَ فَمَا يَجْلِسُ فِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وكان بن عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَكَانِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ مَكَانَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا مَا نسب إلى بن عُمَرَ فَهُوَ وَرَعٌ مِنْهُ وَلَيْسَ قُعُودُهُ فِيهِ حَرَامًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا الَّذِي قَامَ وَلَكِنَّهُ تَوَرَّعَ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قام لأجله استحيى مِنْهُ فَقَامَ عَنْ غَيْرِ طِيبِ قَلْبِهِ فَسَدَّ الْبَابَ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا أَوْ رَأَى أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرْتَكِبَ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيُؤْثِرَهُ بِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ
قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يُحْمَدُ الْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الْقُرَبِ انْتَهَى
قُلْتَ وقد ورد ذلك عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أبي الخصيب عن بن عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فَنَهَاهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
٤٤ - (بَاب مَا جَاءَ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ)
إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ قَوْلُهُ (عَنْ وَهْبِ بْنِ حُذَيْفَةَ) الْغِفَارِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ
قَوْلُهُ (الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لِصَلَاةٍ مَثَلًا ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ بِأَنْ فَارَقَهُ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ يَقْضِيَ شُغْلًا يَسِيرًا ثُمَّ يَعُودَ لَمْ يَبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ بَلْ إِذَا رَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَعَدَ فِيهِ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ وَعَلَى الْقَاعِدِ أَنْ يُفَارِقَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَعَدَ فِيهِ مُفَارَقَتُهُ إِذَا رَجَعَ الْأَوَّلُ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا مُسْتَحَبٌّ وَلَا يَجِبُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ مِنْهُ وَيَتْرُكَ لَهُ فِيهِ سَجَّادَةً وَنَحْوَهَا أَمْ لَا فَهَذَا أَحَقُّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ
قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَحْدَهَا دُونَ غَيْرِهَا انْتَهَى
وَقَالَ عِيَاضٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنِ اعْتَادَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى فَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إِذَا عُرِفَ بِهِ قَالَ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَاجِبٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَالِكٍ وَكَذَا قَالُوا فِي مَقَاعِدِ الْبَاعَةِ مِنَ الْأَفْنِيَةِ وَالطُّرُقِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَمَلَّكَةٍ قَالُوا مَنِ اعْتَادَ بِالْجُلُوسِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُتِمَّ غَرَضَهُ قَالَ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَطْعًا لِلتَّنَازُعِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الأدب المفرد ومسلم وأبو داود وبن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إذنهم)
اقوله (حدثنا سويد) هو بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله) هو بن الْمُبَارَكِ (أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) اللَّيْثِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْمَدَنِيُّ
قَوْلُهُ (لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ (بَيْنَ اثْنَيْنِ) أَيْ بِأَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا (إِلَّا بِإِذْنِهِمَا) لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ وَجَرَيَانُ سِرٍّ وَأَمَانَةٍ فَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا التَّفَرُّقُ بِجُلُوسِهِ بَيْنَهُمَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (وَقَدْ رَوَاهُ عَامِرٌ الْأَحْوَلُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَيْضًا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَلَفْظُهُ لَا يَجْلِسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا
٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْقُعُودِ وَسْطَ الْحَلْقَةِ)
قَوْلُهُ (أَوْ لَعَنَ اللَّهُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ) بِسُكُونِ السِّينِ وَاللَّامِ
قال
الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ فِيمَنْ يَأْتِي حَلْقَةَ قَوْمٍ فَيَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَيَقْعُدُ وَسْطَهَا وَلَا يَقْعُدُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ فَلُعِنَ لِلْأَذَى وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ حَالَ بَيْنَ الْوُجُوهِ فَحَجَبَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَيَتَضَرَّرُونَ بِمَكَانِهِ وَبِمَقْعَدِهِ هُنَاكَ انْتَهَى
وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاجِنُ الَّذِي يُقِيمُ نَفْسَهُ مَقَامَ السُّخْرِيَةِ لِيَكُونَ ضُحْكَةً بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنَ الْمُتَآكِلِينَ بِالشَّعْوَذَةِ انْتَهَى وَالشَّعْوَذَةُ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ وَأَخْذٌ كَالسِّحْرِ يُرِي الشَّيْءَ بِغَيْرِ ما عليه أصله في رؤى الْعَيْنِ وَالْمَاجِنُ مَنْ لَا يُبَالِي قَوْلًا وَفِعْلًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَفَّانُ) هو بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ
قَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ) أَيْ إِلَى الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (وَكَانُوا) أَيْ جَمِيعًا (إِذَا رَأَوْهُ) أَيْ مُقْبِلًا (لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ) أَيْ لقيامهم تواضعا لربه ومخالفته لِعَادَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ بَلِ اخْتَارَ الثَّبَاتَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَرْكِ التَّكَلُّفِ فِي قِيَامِهِمْ وَجُلُوسِهِمْ وَأَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ وَلُبْسِهِمْ وَمَشْيِهِمْ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَنُقِلَ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وأقره
قوله (أخبرنا قبيصة) هو بن عُقْبَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ
قَوْلُهُ (خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزبير وبن صَفْوَانَ حِينَ رَأَوْهُ) يَثْبُتُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ قَامَ حِينَ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَرِوَايَاتُ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ
وَرَجَّحَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ النَّافِيَةَ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا وَسُفْيَانُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ إِلَّا أَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَفِيهِمْ مِثْلُ شُعْبَةَ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُمْ مَحْفُوظَةً مِنَ الواحد وقد اتفقوا على أن بن الزُّبَيْرِ لَمْ يَقُمْ (مَنْ سَرَّهُ) أَيْ أَعْجَبَهُ وَجَعَلَهُ مَسْرُورًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مَنْ أَحَبَّ (أَنْ يَتَمَثَّلَ) أَيْ يَنْتَصِبَ (لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا) أَيْ يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمِينَ لِتَعْظِيمِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُثُولًا أَيِ انْتَصَبَ قَائِمًا
قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قِيَامًا مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَا فِي الِانْتِصَابِ مِنْ مَعْنَى الْقِيَامِ وَأَنْ يَكُونَ تَمْيِيزُ الِاشْتِرَاكِ المثول بين المعنيين (فليتبوأ) أي فليهيىء (مقعده من النار) لفظه الأمر معناه الْخَبَرُ كَأَنَّهُ قَالَ مَنْ سَرَّهُ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةً مِنَ النَّارِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمْنَا لَهُ
فَقَالَ لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ كَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ كَالشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَأَمَّا إِكْرَامُ الدَّاخِلِ بِالْقِيَامِ فَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ كَانَ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَرَفٍ أَوْ وِلَايَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَكُونُ هَذَا الْقِيَامُ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ
وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا جَمَعْتُ فِيهِ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ وَأَقْوَالَ السَّلَفِ وَأَفْعَالَهُمِ الدَّالَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ
وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا خَالَفَهَا وَأَوْضَحْتُ الْجَوَابَ عَنْهُ فَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَرَغِبَ فِي مُطَالَعَتِهِ رَجَوْتُ أَنْ يَزُولَ إِشْكَالُهُ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ نَقَلَ بن الحاج ذلك الجزء في كتابه المدخل وتعقب عَلَى كُلِّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ فَمِنْ أَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حكم
سَعْدٍ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ فَجَاءَ فَقَالَ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ الْحَدِيثَ وقد أجاب عنه بن الْحَاجِّ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ لِغَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ وَإِنَّمَا هُوَ لِيُنَزِّلُوهُ عَنْ دَابَّتِهِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ قَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْهَا فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقِصَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَجِيئِهِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Глава 33. О том, что сказано о поцелуе руки и ноги, то есть о поцелуе их.
[2733] Слова: «Сообщил нам Абдуллах ибн Идрис» — это Аль-Удий Аль-Маафири Абу Мухаммад аль-Куфи, и «Абу Усама» — это Хаммад ибн Усама аль-Кураши, их раб аль-Куфи, «от Абдуллаха ибн Салямы» с кясром (с ударением на лям) — аль-Муради аль-Куфи, предупреждение. Ан-Навави в введении к своему шариху Муслима поясняет, что имя Салама обычно произносится с фатхой на лям, кроме Амра ибн Салямы, имама своего народа, и племени Бани Салама из ансаров, у которых произносится с кясром. В отношении Абдуль-Халика ибн Салямы существуют оба варианта, и на этом остановились.
Я говорю: Абдуллах ибн Салама также с кясром, как в «ат-Такриб» и «аль-Хуласа».
Слова: «Сказал иудей своему товарищу» — то есть из иудеев: «Пойдем к этому пророку» — ба в арабском языке указывает на совместное действие или переход к объекту, то есть к этому пророку, чтобы спросить у него о вопросах. «Ответил ему товарищ: не говори „пророк“» — то есть не называй его пророком, как в одной из риваят. «Он пророк» — «иннаху» с кясром хамзы — это возобновление речи с целью объяснения, то есть потому что «если бы он услышал тебя» — то есть услышал твои слова, обращённые к этому пророку, «у него было бы четыре глаза» — так записано в имеющихся рукописях и в «аль-Мишкате» — «четыре глаза» без та, что является явным, то есть радуется твоим словам «этот пророк» с радостью, которая расширяет зрение, и свет увеличивается, как если бы у него было четыре глаза. Радость расширяет зрение, как и печаль и грусть нарушают его. Поэтому говорят о том, кого окружили заботы: «мир стал для него тёмным».
«Спрашивали его» — то есть испытывали, «о девяти ясных аятах» — то есть очевидных знаках. Аят — это знак, явный признак, который употребляется в отношении воспринимаемого, как знак пути, и в отношении разумного, как ясный закон и очевидный вопрос. Говорят, что всё, в чём различается знание в зависимости от размышления и размышления и в зависимости от уровней людей в науке, — это аят. Чудо — это аят. Каждое предложение, указывающее на закон из законов Аллаха, — это аят. И каждое отдельное слово с отдельным лексическим разделением — аят. Здесь под аятами подразумеваются либо девять чудес: посох, рука, потоп, саранча, вши, жабы, кровь, мор, и уменьшение плодов. По этому поводу сказано «не приобщайте» — это возобновление речи, упомянутое после ответа, и передатчик не упомянул ответ, довольствуясь тем, что есть в Коране или в другом месте. Это подтверждается тем, что в риваяте ат-Тирмизи в толковании сказано: «Спрашивали его о словах Аллаха, возвышенного: „И действительно, Мы дали Моисею девять ясных аятов“». А общие и всеобъемлющие законы, закреплённые для всех религий и разъяснённые после них, названы так, потому что они указывают на состояние того, кто обязан ими, относительно счастья и несчастья. Его слова «и для вас в особенности» — это возобновление закона, добавленного к ответу, поэтому он изменил контекст: «не приобщайте Аллаху ничего» — то есть к Его сущности, атрибутам и поклонению, «и не ходите с невиновным» (с хамзой и идгамом), то есть с тем, кто свободен от греха, с ба для перехода, то есть не расширяйтесь и не говорите плохо о том, кто не имеет греха, «к сильному» — то есть к обладателю силы, могущества, превосходства и власти, «и не колдуйте» (с фатхой на ха), «и не ешьте ростовщичество» — ибо это уничтожение и истребление, «и не клевещите» (с кясром на дал) на целомудренную (с фатхой на сад) — то есть не обвиняйте в прелюбодеянии, «и не поворачивайтесь» (с даммой на та и лам) от покровительства, если отвернулись, то есть не отворачивайтесь спинами. Можно также читать с фатхой на та и лам от «тавалли» — уход и отворачивание, корень которого «татаваллау» с пропуском одной та. «Бегство» в винительном падеже, как будто это действие по отношению к нему, то есть ради бегства, «в день сражения» — то есть войны с неверными. «И для вас» — обстоятельство, ставшее предшествующим сообщением, «в особенности» — с танвином, обстоятельство от местоимения в косвенном падеже, скрытое в обстоятельстве, относящееся к подлежащему, то есть ограниченные этими десятью или состояние того, что нападение ограничено вами, а не другими религиями. «Особенность» — противоположность общему. «Иудеи» поставлены в винительном падеже для ограничения и толкования, то есть я имею в виду иудеев, и возможно, что «особенность» в смысле ограничения, а «иудеи» — объект действия, то есть особенно иудеи.
«Не превышайте» — с толкованием источника в позиции именительного падежа, как будто это подлежащее действия превышения, «в субботу» — то есть не переходите приказ Аллаха в отношении почитания субботы, не ловите рыбу в этот день. Говорили, что «вам» — имя действия в значении «возьмите» или «не превышайте», объектом которого является «превышение», то есть придерживайтесь воздержания от превышения.
Сказал: «Сафван» — «поцеловали руки и ноги» ﷺ «и сказали» — в риваяте ат-Тирмизи в толковании: «Поцеловали руки и ноги и сказали: „Свидетельствуем, что ты пророк“», ибо это знание от неграмотного — чудо для него, но «свидетельствуем, что ты пророк» — для арабов, «что вы следуете за мной» с удвоением та, а говорили и с облегчением, то есть чтобы принять моё пророчество относительно вас и следовать за мной в законодательных постановлениях, которые обязательны для вас.
Сказал: это выражение не встречается в большинстве рукописей. «Он молился своему Господу, чтобы не прекращался» — то есть чтобы не прерывался «из его потомства пророк» до Судного дня, чтобы был ответ на мольбу, чтобы из его потомства был пророк, и за ним следовали иудеи, и, возможно, у них была бы сила и превосходство.
«Мы боимся, что если последуем за тобой, иудеи убьют нас» — то есть если они оставят свою религию и последуют за тобой, иудеи убьют их, когда у них появится пророк и сила. Это чистое клеветничество против Давуда ﵊, ибо он читал в Торе и Забуре о посланничестве Мухаммада ﷺ пророка, что он — последний из пророков, и что с ним отменяются религии, так как же он призывает вопреки тому, что сообщил Аллах о положении Мухаммада ﷺ? И если Иса спасётся, будучи из его потомства и пророком, остающимся до Судного дня, то хадис указывает на допустимость поцелуя руки и ноги.
Ибн Батталь сказал: расходятся мнения о поцелуе руки: Малик отвергал его и отвергал то, что передано в этом отношении, а другие разрешали и приводили доводы на основании того, что передано от ибн Умара, что когда они вернулись с похода, где они бежали, сказали: «Мы — беглецы», он сказал: «Нет, вы — стойкие, мы — отряд верующих». Он сказал: «Поцеловали мы его руку». Поцеловали руку Пророка ﷺ также Абу Лубаба и Кааб ибн Малик, его товарищи, когда Аллах принял их покаяние, упомянул это Аль-Абхари. Абу Убайда поцеловал руку Омара, когда тот прибыл, и Зайд ибн Сабит поцеловал руку ибн Аббаса, когда тот взял ибн Аббаса за поводья. Аль-Абхари сказал: Малик отвергал это, если оно было проявлением почтения и гордыни, а если это было проявлением близости к Аллаху, ради религии, знания или достоинства, то это допустимо.
Ибн Батталь сказал: ат-Тирмизи упомянул из хадиса Сафвана ибн Ассала, что два иудея пришли к Пророку ﷺ и спросили его о девяти аятах, и в конце они поцеловали его руку и ногу. Ат-Тирмизи сказал: «Хасан сахих».
Хафиз сказал: хадис ибн Умара передал аль-Бухари в «Адаб аль-Муфрад», а Абу Дауд — хадис Абу Лубабы, который передал аль-Байхаки в «ад-Даляиль», и ибн аль-Мукри и хадис Кааба и его товарищей передал ибн аль-Мукри, и хадис Абу Убайды передал Суфьян в своём «Джами», и хадис ибн Аббаса передал ат-Табарани и ибн аль-Мукри, и хадис Сафвана передал также ан-Насаи и ибн Маджах, и подтвердил его аль-Хаким. Хафиз Абу Бакр ибн аль-Мукри собрал часть в поцелуе руки, мы слышали, что он привёл много хадисов и преданий, из лучших из них — хадис Зарира аль-Абди, который был в делегации Абд аль-Кайса, он сказал: «Мы начали передавать друг другу с наших верховых животных, целуя руку и ногу Пророка ﷺ».
Передал Абу Дауд.
И из хадиса Фариды аль-Аср подобное, и из хадиса Усамы ибн Шарика: «Встали к Пророку ﷺ и поцеловали...»