HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٢٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ. قَالَ: سَمِعْتُ ابن أبي ليلى. حدثنا علي؛ أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها. وأتى النبي ﷺ سبي. فانطلقت فلم تجده. ولقيت عائشة. فأخبرتها. فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها. فجاء النبي ﷺ إلينا. وقد أخذنا مضاجعنا. فذهبنا نقوم. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَى مكانكما» فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري. ثم قال «ألا أعلمكما خيرا مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما، أن تكبرا الله أربعا وثلاثين. وتسبحاه ثلاثا وثلاثين. وتحمداه ثلاثا وثلاثين. فهو خير لكما من خادم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص83
ج ٤ ص ٢٠٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١٧
[٨٦١] وفي حديث فاطمة ﵁ ما يدل على الزهد في الدنيا؛ إذ سألته خادما، فدلها على ما يزيدها درجاتٍ عندَ الله، وفيها ما يدل على أن الأحسن بالمرأة أن تعمل في بيت زوجها، إذ جرَّت الرَّحى، قال: قَد كَلَّفَتْنِي الجَرَّ وَالجَرُّ عَمَل … وَالجَرّ لَا يَسطِيعُهَا إِلَّا الجَمَل يريد استقاء الماء بالحبل، والجرُّ قد يكون بمعنى الطَّحن، وقوله: (مَجَلَتْ يَدُهَا) ، قال صاحب الغريبين: في الحديث أن فاطمة ﵁ شكت إلى علي ﵁ مَجْلَ يديها من الطَّحن، قال الأصمعي: مجلت يد فلان تمجُل مَجْلًا، ومجِلت تمجَل مَجَلًا: إذا خرج فيها مثل البَثْرِ من عمل بفأس أو ما أشبهه . وقيل: المَجْلُ: يشبه البَثْرَ من أثر العمل.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٣٩٨
تذكر اللَّه، فرجع حين ارتفع النهار، أو قال: انتصف، وهي كذلك، فقال: «لقد قلتُ منذ قمتُ عنكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، وهي أكثر، وأرجح، أو أوزن مما قلتِ: سبحان اللَّه، عدد خلقه، سبحان اللَّه رضا نفسه، سبحان اللَّه زنة عرشه، سبحان اللَّه مداد كلماته». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٩١] (٢٧٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ، فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَقَعَدَ بَيْنَنَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ : «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ»). رجال هذا الإسناد: صبعة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه رُبّما دَلَّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها، وله نيف وستون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (ابْن أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] اختُلف في سماعه من عمر -﵁- مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل: إنه غَرِق (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه تقدّم القول فيه قبل حديثين. شرح الحديث: (عَنِ الْحَكَمِ) هو ابن عُتيبة بمثناة، وموحّدة، مصغّرًا، فقيه أهل الكوفة؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى) هو عبد الرحمن، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ) -﵁-؛ (أَنَّ فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه -ﷺ﵂ (اشْتَكَتْ) وفي رواية البخاري: «شَكَت»، (مَا تَلْقَى) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِب؛ أي: الذي تجده (مِنَ الرَّحَى) قال الفيّوميّ: الرَّحَى مقصورًا: الطاحون، والضِّرْس أيضًا، والجمع: أَرْحٍ، وأَرْحَاءٌ، مثلُ سبب وأسباب، وربما جُمعت على أَرْحِيَةٍ، ومَنَعه أبو حاتم، وقال: هو خطأ، وربما جُمعت على رُحيٍّ على فُعُولٍ، وقال ابن الأنباريّ: والاختيار أن تُجمَع الرَّحَى على أَرْحَاءٍ، والقفا على أَقفاء، والندى على أَنداء؛ لأن جمع فَعَلٍ على أَفْعِلة شاذّ، وقال الزجاج أيضًا: الرَّحَى أنثى، وتصغيرها: رُحَيَّةٌ، والجمع: أَرْحَاءٌ، ولا يجوز أَرْحِيَةٌ؛ لأن أَفْعِلة جَمْع الممدود، لا المقصور، وليس في المقصور شيء يُجمع على أَفعِلة، قال ابن السِّكِّيت: والتثنية: رَحَيَانٍ، ورَحَوَانٍ. انتهى . (فِي يَدِهَا) زاد بَدَلُ بن الْمُحَبَّر في روايته: «مما تَطْحَن»، وفي رواية القاسم مولى معاوية عن عليّ عند الطبرانيّ: «وأرَتْه أثرًا في يدها من الرحى». وفي زوائد عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه، وصححه ابن حبان، من طريق محمد بن سيرين، عن عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ: «اشتكت فاطمة مَجْل يدها»، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم، بعدها لام، معناه: التقطيع. وقال الطبريّ: المراد به: غِلَظ اليد، وكلّ مَن عَمِل عملًا بكفه، فغَلُظ جلدها قيل: مَجِلت كفه. وعند أحمد من رواية هُبيرة بن يَرِيم عن عليّ: «قلت لفاطمة: لو أتيت النبيّ -ﷺ-، فسألتيه خادمًا، فقد أجهدك الطحن، والعمل»، وعنده وعند ابن سعد، من رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليّ: «أن رسول اللَّه -ﷺ- لما زوَّجه فاطمة. . .» فذكر الحديث، وفيه: «فقال عليّ لفاطمة ذات يوم: واللَّه لقد سَنَوْت حتى اشتكيت صدري، فقالت: وأنا واللَّه لقد طحنت حتى مَجِلت يداي». وقوله: «سنوت» بفتح السين المهملة، والنون؛ أي: استقيت من البئر، فكنت مكان السانية، وهي الناقة. وعند أبي داود من طريق أبي الورد بن ثُمامة، عن عليّ بن عبد، عن عليّ: «قال: كانت عندي فاطمة بنت النبيّ -ﷺ-، فجَرَّت بالرحى حتى أثَّرت بيدها، واستقت بالقِربة حتى أثّرت في عنقها، وقَمَّت البيتَ حتى اغبرت ثيابها»، وفي رواية له: «وخبزت حتى تغيَّر وجهها». وقوله: (وَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-) جملة حاليّة بتقدير «قد»، أو دون تقديرها على خلاف بين النحاة. (سَبْيٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ «أتى»، و«السبي» بفتح السين المهملة، وسكون الموحّدة، آخره مثنّاة تحتانيّة؛ أي: عبيد مسبيّون، يقال: سَبَيْتُ العدوّ سَبْيًا، من باب رمى: إذا أَسَرْته، والاسم: السِّبَاءُ، وزانُ كتاب، والقصر لغة، وأَسْبَيْتُهُ مثلُه، فالغلام سَبِيٌّ، ومَسْبِيّ -بالتشديد- والجارية سَبِيَّة، ومَسْبِيَّةٌ -بالتشديد أيضًا- وجمعها سَبَايَا، مثلُ عطيّة وعطايا، وقوم سَبْيٌ -بالتخفيف- وصفٌ بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك، قاله الفيّوميّ . ووقع في بعض النسخ بلفظ: «فأُتي النبيّ -ﷺ- بسبيٍ»، فالفعل على هذا مبنيٌّ للمفعول، فتنبّه. وفي رواية البخاريّ: «قوله: فأتت النبيّ -ﷺ- تسأله خادمًا»؛ أي: جارية تخدمها، ويُطلق أيضًا على الذكر، وفي رواية السائب: «وقد جاء اللَّه أباك بسبي، فاذهبي إليه، فاستخدميه»؛ أي: اسأليه خادمًا، وزاد في رواية يحيى القطان، عن شعبة: «وبلَغها أنه جاءه رقيق» . (فَانْطَلَقَتْ)؛ أي: ذهبت فاطمة -﵂- إلى رسول اللَّه -ﷺ- (فَلَمْ تَجِدْهُ) -ﷺ-، وفي رواية: «فلم تصادفه» وفي رواية: «فلم توافقه»، وهي بمعنى تصادفه، وفي رواية: «فأتته، فوجدت عنده حُدّاثًا -بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال، وبعد الألف مثلثة؛ أي: جماعة يتحدثون- فاستحْيَتْ، فرجَعَت»، فيُحْمَل على أن المراد: أنها لم تجده في المنزل، بل في مكان آخر كالمسجد، وعنده من يتحدث معه . (وَلَقِيَتْ) بكسر القاف، (عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- (فَأخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ)؛ أي: النبي -ﷺ- (عَائِشَةُ) -﵂- (بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ) -﵂- (إِلَيْهَا) وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عند جعفر الفِرْيابيّ في «الذكر»، والدارقطني في «العلل»: «حتى أتت منزل النبيّ -ﷺ-، فلم توافقه، فذكرت ذلك له أم سلمة، بعد أن رجعت فاطمة». ويُجمع بأن فاطمة التمسته في بيتَيْ أمَّي المؤمنين. وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها، أخرجها الطبريّ في «تهذيبه» من طريق شهر بن حوشب عنها، قالت: «جاءت فاطمة إلى رسول اللَّه -ﷺ- تشكو إليه الخدمة. . .» فذكرت الحديث مختصرًا. وفي رواية السائب: «فأتت النبيّ -ﷺ-، فقال: ما جاء بك يابنية؟ قالت: جئت لأسلّم عليك، واستحْيَت أن تسأله، ورجعت، فقلت: ما فعلتِ؟ قالت: استحييت». قال الحافظ: وهذا مخالف لِمَا في «الصحيح»، ويمكن الجمع بأن تكون لم تَذْكر حاجتها أوّلًا على ما في هذه الرواية، ثم ذكرتها ثانيًا لعائشة لمّا لم تجده، ثم جاءت هي وعليّ على ما في رواية السائب، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض. وقد اختصره بعضهم، ففي رواية مجاهد عند البخاريّ: «أن فاطمة أتت النبيّ -ﷺ- تسأله خادمًا، فقال: ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟». وفي رواية هُبيرة: «فقالت: انطَلِقْ معي، فانطلقتُ معها، فسألناه، فقال: ألا أدلكما. . .» الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا: «أن فاطمة أتت النبيّ -ﷺ- تسأله خادمًا، وشَكَت العمل، فقال: ما ألْفَيته عندنا»، وهو بالفاء؛ أي: ما وجدته، ويُحْمَل على أن المراد: ما وجدته عندنا فاضلًا عن حاجتنا إليه؛ لِمَا ذَكَر من إنفاق أثمان السبي على أهل الصُّفّة، ففي رواية السائب: «فأتيناه جميعًا، فقلت: بأبي يا رسول اللَّه، واللَّه لقد سَنَوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مَجَلت يداي، وقد جاءك اللَّه بسَبْي وسَعة، فأخْدِمنا، فقال: واللَّه لا أعطيكما، وأدَعُ أهل الصفة تُطْوَى بطونهم، لا أجد ما أُنفق عليهم، ولكني أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم» . قال عليّ -﵁-: (فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْنَا)؛ أي: إلى عليّ وفاطمة -﵄-، (وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا) جملة حاليّة؛ أي: والحال أننا قد أخذنا في أسباب النوم، وتهيّأنا له، ووقع في رواية عَبيدة بن عمرو، عن عليّ -﵁- عند ابن حبان من الزيادة: «فأتانا، وعلينا قطيفة، إذا لَبِسناها طولًا خرجت منها جنوبنا، وإذا لبسناها عرضًا خرجت منها رؤوسنا وأقدامنا»، وفي رواية السائب: «فرجعا، فأتاهما النبيّ -ﷺ-، وقد دخلا في قطيفة لهما، إذا غَطَّيا رءوسهما، تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما، تكشفت رؤوسهما». (فَذَهَبْنَا)؛ أي: شَرَعنا (نَقُومُ) تعظيمًا للنبيّ -ﷺ-، وفي رواية البخاريّ: «فذهبت أقوم»، وفي رواية: «فذهبنا لنقوم»، وفي رواية: «فقاما». (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «عَلَى مَكَانِكُمَا»)؛ أي: استَمِرّا على ما أنتما عليه، وفي رواية: «مكانَكما»، وهو منصوب على الإغراء؛ أي: الزما مكانكما. (فَقَعَدَ بَيْنَنَا) ولفظ البخاريّ: «فجلس بيننا»، وفي رواية: «فقعد بيني وبينها»، وفي رواية عند النسائيّ: «أتى رسول اللَّه -ﷺ- حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «على مكانكما»؛ أي: اثبتا على مكانكما، والزماه، وقعوده -ﷺ- بينهما دليل على جواز مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من فعله إذا لم يؤدّ ذلك إلى اطلاع على عورة، أو إلى شيء ممنوع شرعًا. انتهى . (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي) قال النووي -﵀-: كذا هو في نُسخ مسلم: «قدمه» مفردةً، وفي رواية البخاريّ: «قدميه» بالتثنية، وهي زيادة ثقة لا تخالف الأُولى. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «لا تخالف»؛ أي: لأن المفرد المضاف يعمّ، فيتناول القدمين، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية عطاء، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عند جعفر الفريابيّ في «الذكر» من الزيادة: «فخرج، حتى أتى منزل فاطمة، وقد دخلت هي وعليّ في اللحاف، فلما استأذن هَمّا أن يلبسا، فقال: كما أنتما، إني أُخبرتُ أنكِ جئت تطلبين، فما حاجتك؟ قالت: بلغني أنه قَدِم عليك خَدَم، فأحببت أن تعطيني خادمًا يكفيني الخبز والعجن، فإنه قد شقّ عليّ، قال: فما جئت تطلبين أحب إليك، أو ما هو خير منه؟ قال عليّ: فغمزتها، فقلت قولي: ما هو خير منه أحب إليّ، قال: فإذا كنتما على مثل حالكما الذي أنتما عليه. . .»، فذكر التسبيح. وفي رواية: «فجلس عند رأسها، فأدخلت رأسها في اللفاع حياءً من أبيها». قال الحافظ -﵀-: ويُحمل على أنه فعل ذلك أوّلًا، فلما تآنست به دخل معهما في الفراش مبالغةً منه في التأنيس. وزاد في رواية: «فقال: ما كان حاجتك أمس، فسكتت مرتين، فقلت: أنا واللَّه أحدثك يا رسول اللَّه، فذكرته له». ويُجمع بين الروايتين بأنها أوّلًا استحيت، فتكلم عليّ عنها، فأنشطت للكلام، فأكملت القصة. واتَّفَق غالب الرواة على أنه -ﷺ- جاء إليهما، ووقع في رواية شَبَث -وهو بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة- ابن ربعيّ، عن عليّ، عند أبي داود، وجعفر في «الذكر»، والسياق له: «قَدِم على النبيّ -ﷺ- سبي، فانطلق عليّ وفاطمة، حتى أتيا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ما أتى بكما؟ قال عليّ: شقّ علينا العمل، فقال: ألا أدلكما». وفي لفظ جعفر: «فقال عليّ لفاطمة: ائت أباك، فاسأليه أن يُخدمك، فأتت أباها حين أمست، فقال: ما جاء بك يا بنيّة؟ قالت: جئت أسلم عليك، واستحيت، حتى إذا كانت القابلة، قال: أئت أباك -فذكر مثله- حتى إذا كانت الليلة الثالثة، قال لها عليّ: امشي، فخرجا معًا. . .» الحديث، وفيه: ألا أدلكما على خير لكما من حُمْر النَّعَم؟ «. وفي مرسل عليّ بن الحسين عند جعفر أيضًا:«إن فاطمة أتت النبيّ -ﷺ- تسأله خادمًا، وبيدها أثر الطحن من قطب الرحى، فقال: إذا أويت إلى فراشك. . . «الحديث. فيَحْتَمِل أن تكون قصة أخرى، فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم، أو ضُباعة بنت الزبير؛ أي: ابن عبد المطلب:«قالت: أصاب رسول اللَّه -ﷺ- سبيًا، فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول اللَّه -ﷺ- نشكو إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي، فقال: سبقكنّ يتامى بدر. . . »، فذكر قصة التسبيح إثر كل صلاة، ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم، فلعله عَلَّم فاطمة في كل مرة أحد الذِّكرين. وقد وقع في«تهذيب الطبريّ»من طريق أبي أمامة، عن عليّ في قصة فاطمة من الزيادة:«فقال: اصبري يا فاطمة، إن خير النساء التي نفعت أهلها»، ذكر هذا كلّه في«الفتح». (ثُمَّ قَالَ) وفي نسخة:«وقال»؛ أي: قال النبيّ -ﷺ- لعليّ وفاطمة -﵄-: («أَلا) بالتخفيف أداة تحضيض، (أُعَلمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا) وفي رواية البخاريّ: «فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم»، وفي رواية: «مما سألتماني»، وفي رواية: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني، فقالا: بلى، فقال: كلمات علمنيهنّ جبريل». (إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا) وفي الرواية التالية: «إذا أخذتما مضاجعكما من الليل»، وفي رواية البخاريّ: «إذا أويتما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما» بالشك. [تنبيه]: قال في «الفتح»: زاد في رواية السائب: «تسبّحان دُبُر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبّران عشرًا». قال الحافظ: هذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، عند أصحاب السنن الأربعة في حديثٍ، أوله: «خصلتان لا يُحصيهما عبد إلا دخل الجنة»، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، وفيه ذِكر ما يقال عند النوم أيضًا. قال: ويَحْتَمِل إن كان حديث السائب عن عليّ محفوظًا أن يكون عليّ ذكر القصتين اللتين أشرت إليهما قريبًا معًا، قال: ثم وجدت الحديث في «تهذيب الآثار» للطبريّ، فساقه من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء، كما ذكرتُ، ثم ساقه من طريق شعبة، عن عطاء، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ أن النبيّ -ﷺ- أمر عليًّا وفاطمة إذا أخذا مضاجعهما بالتسبيح، والتحميد، والتكبير. . . فساق الحديث، فظهر أن الحديث في قصة عليّ وفاطمة، وأن من لم يذكرهما من الرواة اختصر الحديث، وأن رواية السائب إنما هي عن عبد اللَّه بن عمرو، وأن قول من قال فيه عن عليّ لم يُرِد الرواية عن عليّ، وإنما معناه عن قصة عليّ، وفاطمة، كما في نظائره. انتهى . (أَنْ تُكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: «فكبّرا أربعًا وثلاثين، وسبّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين»، قال في «الفتح»: كذا هنا بصيغة الأمر، والجزم بأربع في التَّكبير، وفي رواية بدل مثله، ولفظه: «فكبرا اللَّه»، ومثله للقطان، لكن قَدّم التسبيح، وأخَّر التَّكبير، ولم يذكر الجلالة، وفي رواية عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، وفي رواية السائب، كلاهما مثله، وكذا في رواية هُبيرة عن عليّ، وزاد في آخره: «فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان»، وهذه الزيادة ثبتت أيضًا في رواية هُبيرة، وعمارة بن عبد معًا عن عليّ، عند الطبرانيّ، وفي رواية السائب كما مضى، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم كالأول، لكن قال: «تسبِّحين» بصيغة المضارع، وفي رواية عَبيدة بن عمرو: «فأمرنا عند منامنا بثلاث وثلاثين، وثلاث وثلاثين، وأربع وثلاثين، من تسبيح، وتحميد، وتكبير». وفي رواية غندر للكشميهنيّ مثل الأول، وعن غير الكشميهنيّ: «تكبّران» بصيغة المضارع، وثبوت النون، وحُذفت في نسخة، وهي إما على أن «إذا» تعمل عمل الشرط، وإما حذفت تخفيفًا. وفي رواية مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند البخاريّ في «النفقات» بلفظ: «تسبّحين اللَّه عند منامك»، وقال في الجميع: «ثلاثًا وثلاثين»، ثم قال في آخره: قال سفيان روايةً: «إحداهن أربع». وفي رواية النسائيّ عن قتيبة، عن سفيان: «لا أدري أيها أربع وثلاثون». وفي رواية الطبريّ من طريق أبي أمامة الباهليّ، عن عليّ في الجميع: «ثلاثًا وثلاثين، واختماها بلا إله إلا اللَّه». وله من طريق محمد ابن الحنفية عن عليّ: «وكبّراه، وهلّلاه أربعًا وثلاثين»، وله من طريق أبي مريم عن عليّ: «احمدا أربعًا وثلاثين»، وكذا له في حديث أم سلمة، وله من طريق هُبيرة: أن التهليل أربع وثلاثون، ولم يذكر التحميد، وقد أخرجه أحمد من طريق هبيرة كالجماعة، وما عدا ذلك شاذّ. وفي رواية عطاء، عن مجاهد، عند جعفر: «أشكُّ أيها أربع وثلاثون، غير أني أظنه التَّكبير»، وزاد في آخره: «قال عليّ: فما تركتها بعدُ، فقالوا له: ولا ليلة صِفِّين؟ فقال: ولا ليلة صِفّين»، وفي رواية القاسم مولى معاوية، عن عليّ: «فقيل لي»، وفي رواية عمرو بن مرة: «فقال له رجل»، وكذا في رواية هبيرة . (فَهُوَ)؛ أي: الذِّكر المذكور، (خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ») الخادم يُطلق على الذكر والأنثى، قال الفيّوميّ -﵀-: خَدَمَهُ يَخْدِمُهُ، -من بابي ضرب، ونصر- خِدْمَة، فهو خادم غلامًا كان، أو جاريةً، والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليل، والجمع خَدَمٌ، وخُدَّامٌ، وقولهم: فُلانَة خَادِمَة غَدًا ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى: ستصير كذلك، كما يقال: حائضة غدًا، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادمًا، وخَدَّمْتُهَا بالتثقيل للمبالغة والتكثير، واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يُخدمني، أو جعلته كذلك. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٨٩١ و٦٨٩٢ و٦٨٩٣] (٢٧٢٧)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣١١٣) و«فضائل الصحابة» (٣٧٠٥) و«النفقات» (٥٣٦١) و«الدعوات» (٦٣١٨)، و(أبو داود) في «الخراج» (٢٩٨٨ و٢٩٨٩) و«الأدب» (٥٠٦٢)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٠٨ و٣٤٠٩)، و(النسائيّ) في «عشرة النساء» (٢٩٠)، و(ابن السنّيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٧٤٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٨٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٩٦ و١٠٦ و١٠٧ و١٤٦ - ١٤٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٢٤ و٥٥٢٩ و٦٨٨٢ و٦٨٨٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥٥١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٣٢٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الذكر عند النوم بهذه الأذكار، ويُستفاد من تقييده بالليل في الرواية التالية حيث قال: «إذا أخذتما مضاجعكما من الليل» أن هذا الذكر خاصّ بنوم الليل، لا في القيلولة، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: هذا نوع من الذكر عند النوم، ويمكن أن يكون -ﷺ- كان يقول جميع ذلك عند النوم، وأشار لأمته بالاكتفاء ببعضها إعلامًا منه أن معناه الحضّ والندب، لا الوجوب. وقال عياض -﵀-: جاءت عن النبيّ -ﷺ- أذكار عند النوم مختلفة، بحسب الأحوال، والأشخاص، والأوقات، وفي كلٍّ فضل. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: وفي هذا الحديث حجة لمن فضَّل الفقر على الغني؛ لقوله: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم» فعلَّمهما الذكر، فلو كان الغني أفضل من الفقر لأعطاهما الخادم، وعلَّمهما الذكر، فلما منعهما الخادم، وقَصَرَهما على الذكر عُلم أنه إنما اختار لهما الأفضل عند اللَّه. قال الحافظ: وهذا إنما يتم أن لو كان عنده -ﷺ- من الخدّام فضلة، وقد صَرَّح في الخبر أنه كان محتاجًا إلى بيع ذلك الرقيق؛ لنفقته على أهل الصفّة، ومن ثَمّ قال عياض: لا وجه لمن استدَلّ به على أن الفقير أفضل من الغني. انتهى، وهو تعقّب جيّد، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه قد اختُلف في معنى الخيرية في الخبر، فقال عياض: ظاهره أنه أراد أن يُعَلِّمهما أن عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا على كل حال، وإنما اقتصر على ذلك لَمّا لم يمكنه إعطاء الخادم، ثم علّمهما إذ فاتهما ما طلباه ذكرًا يُحَصِّل لهما أجرًا أفضل مما سألاه. وقال القرطبيّ: إنما أحالهما على الذكر؛ ليكون عوضًا عن الدعاء عند الحاجة، أو لكونه أحب لابنته ما أحب لنفسه من إيثار الفقر، وتَحَمّل شدته بالصبر عليه؛ تعظيمًا لأجرها. وقال المهَلب: عَلّم -ﷺ- ابنته من الذكر ما هو أكثر نفعًا لها في الآخرة، وآثر أهل الصفّة؛ لأنهم كانوا وقفوا أنفسهم لسماع العلم، وضبط السُّنَّة على شِبَع بطونهم، لا يرغبون في كسب مال، ولا في عيال، ولكنهم اشتروا أنفسهم من اللَّه بالقوت. انتهى. ٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تقديم طلبة العلم على غيرهم في الخُمس. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف الصالح من شَظَف العيش، وقلة الشيء، وشدّة الحال، وأن اللَّه تعالى حماهم من الدنيا مع إمكان ذلك صيانةَ لهم من تبعاتها، وتلك سُنَّة أكثر الأنبياء، والأولياء. ٧ - (ومنها): بيان مشروعية خدمة المرأة بيت زوجها، والقيام بالطبخ، والخبز، والغسل ونحو ذلك، وهو على الوجوب على القول الراجح، وقد قدمنا البحث في هذا مستوفًى في غير هذا المحلّ، وللَّه الحمد والمنّة. ٨ - (ومنها): ما قاله إسماعيل القاضي -﵀-: في هذا الحديث أن للإمام أن يقسم الخمس حيث رأى؛ لأن السبي لا يكون إلا من الخمس، وأما الأربعة الأخماس فهو حقّ الغانمين. انتهى. وهو قول مالك، وجماعة، وذهب الشافعيّ، وجماعة إلى أن لآل البيت سهمًا من الخمس. قال الحافظ: ثم وجدت في «تهذيب الطبريّ» من وجه آخر ما لعله يعكر على ذلك، فساق من طريق أبي أمامه الباهليّ، عن عليّ -﵁- قال: أُهدي لرسول اللَّه -ﷺ- رقيق، أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت لفاطمة: ائت أباك، فاستخدميه، فلو صحّ هذا لأزال الإشكال من أصله؛ لأنه حينئذ لا يكون للغانمين فيه شيء، وإنما هو من مال المصالح، يصرفه الإمام حيث يراه. ٩ - (ومنها): أن فيه حملَ الإنسان أهله على ما يَحمل عليه نفسه، من إيثار الآخرة على الدنيا، إذا كانت لهم قدرة على ذلك. ١٠ - (ومنها): جواز دخول الرجل على ابنته، وزوجها بغير استئذان، وجلوسه بينهما في فراشهما، ومباشرة قدميه بعض جسدهما، قاله المهلّب. وتعقّبه الحافظ في قوله: «بغير استئذان»، فقال: فيه نظر؛ لأنه ثبت في بعض طرقه أنه استأذن فقد ورد من رواية عطاء، عن مجاهد في «الذكر» لجعفر، وأصله عند مسلم، وهو في «العلل» للدارقطنيّ أيضًا بطوله. وأخرج الطبريّ في «تهذيبه» من طريق أبي مريم: سمعت عليًّا يقول: «إن فاطمة كانت تدقّ الدَّرْمَك بين حجرين، حتى مَجَلت يداها. . .» فذكر الحديث، وفيه: «فأتانا وقد دخلنا فراشنا، فلما استأذن علينا تخششنا لنلبس علينا ثيابنا، فلما سمع ذلك قال: كما أنتما في لحافكما». ودفع بعضهم الاستدلال المذكور؛ لعصمته -ﷺ-، فلا يلحق به غيره، ممن ليس بمعصوم . ١١ - (ومنها): أن في الحديث منقبةً ظاهرةً لعليّ وفاطمة -﵄-. ١٢ - (ومنها): أن فيه بيانَ إظهار غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر، ونهاية الاتحاد رفع الْحِشْمة والحجاب حيث لم يزعجهما عن مكانهما، فتركهما على حالة اضطجاعهما، وبالغ حتى أدخل رجله بينهما، ومكث بينهما حتى علّمهما ما هو الأَولى بحالهما من الذِّكر عوضًا عما طلباه من الخادم، فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب؛ إيذانًا بأن الأهمّ من المطلوب هو التزود للمعاد، والصبر على مشاقّ الدنيا، والتجافي عن دار الغرور. ١٣ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ -﵀-: فيه دلالة على مكانة أم المؤمنين عائشة -﵂- من النبيّ -ﷺ- حيث خصَّتها فاطمة بالسِّفَارة بينها وبين أبيها، دون سائر الأزواج. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أنها لم تُرِد التخصيص، بل الظاهر أنها قصدت أباها في يوم عائشة في بيتها، فلمَّا لم تجده ذكرت حاجتها لعائشة، ولو اتَّفق أنه كان يوم غيرها من الأزواج لذكرت لها ذلك، وقد تقدم أن في بعض طرقه أن أم سلمة ذكرت للنبيّ -ﷺ- ذلك أيضًا، فيَحْتَمِل أن فاطمة لمّا لم تجده في بيت عائشة مرّت على بيت أم سلمة، فذكرت لها ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون تخصيص هاتين من الأزواج؛ لكون باقيهن كنّ حزبين، كل حزب يتبع واحدة من هاتين، كما تقدّم ذلك صريحًا. انتهى. ١٤ - (ومنها): أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل، فأحالها -ﷺ- على ذلك، كذا أفاده ابن تيمية. قال الحافظ: وفيه نظر، ولا يتعيَّن رَفْع التعب، بل يَحْتَمِل أن يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل، ولا يشقّ عليه، ولو حصل له التعب. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله ابن تيميّة أَولى، وأقرب، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفي حَدِيثِ مُعَاذٍ: «أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا مِنَ اللَّيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و«وكيع» هو: ابن الْجَرّاح، ووالد «عبيد اللَّه» هو: معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، و«ابن المثنّى» هو: محمد، و«ابن أبي عديّ» هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: أن كلًّا من وكيع، ومعاذ بن معاذ، وابن أبي عديّ رووا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد المذكور؛ أي: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عليّ -﵁-. وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض، ويستفاد منه كما أسلفته أن هذا الذكر في نوم الليل، لا في القيلولة ونحوها، ويَحتمل أن يكون تقييده بالليل لتأكّده فيه، فلا يخصّ الليل، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية وكيع عن شعبة، فقد ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٧٤٠) - حدثنا وكيع، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثنا عليّ؛ أن فاطمة شكت إلى النبيّ -ﷺ- أثر العجين في يديها، فأَتَى النبيَّ -ﷺ- سبي، فأتته تسأله خادمًا، فلم تجده، فرجعت، قال: فأتانا، وقد أخذنا مضاجعنا، قال: فذهبت لأقوم، فقال: «مكانكما»، فجاء حتى جلس، حتى وجدت برد قدميه، فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أخذتما مضجعكما، سبَّحتما اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدتماه ثلاثًا وثلاثين، وكبّرتماه أربعًا وثلاثين». انتهى . وأما رواية معاذ بن معاذ، وابن أبي عديّ كلاهما عن شعبة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أولَ الكتاب قال: [٦٨٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِ حَدِيثِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ عَلِيٌّ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينِ، وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في «الصيام» ٢١/ ٢٦٦٢. ٢ - (مُجَاهِدُ) بن جبر-بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ إمامٌ في التفسير، وغيره [٣] مات سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٣ - (عُبَيْدُ بْنُ يَعِيش) -بفتح التحتانيّة، وكسر المهملة- الْمَحَامليّ، أبو محمد الكوفيّ العطار، ثقة، من صغار [١٠] (ت ١٢٨) أو بعدها بسنة (ي م س) تقدم في «فضائل الصحابة» ٢١/ ٦٣٠٤. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ -بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وبالزاي المفتوحة- صدوقٌ، له أوهام [٥] (١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) -بفتح الراء، والموحّدة- واسم أبي رباح أسلم القرشيُّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأخرة، ولم يكثر ذلك منه (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ الْحَكَمِ. . . إلخ)؛ يعني: أن مجاهدًا روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى بنحو رواية الحكم في السند الماضي عنه. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل «زاد» ضمير مجاهد. وقوله: (مَا تَرَكْتُهُ)؛ أي: الذكر المذكور. وقوله: (قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟)؛ أي: قال له قائل -ويأتي الاختلاف في تعيينه-: ولا تركته ليلة وقعة صفّين بسبب اشتغالك بشأن الحرب؟، فأجاب علي -﵁-، فـ (قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينِ)؛ أي: لم أترك هذا الذكر ولا في تلك الليلة، وهذا يدلّ على شدّة تمسّك عليّ -﵁- بما أمره النبيّ -ﷺ-، وإن كان من المستحبّات، ففيه بيان فضل الصحابة -﵃-، وقوّة إيمانهم، ومحبتهم للنبيّ -ﷺ-. [تنبيه]: المراد بليلة صفين: الحرب التي كانت بين عليّ ومعاوية -﵄- بصِفّين، وهي بلد معروف بين العراق والشام، وأقام الفريقان بها عدّة أشهر، وكانت بينهم وقعات كثيرة، لكن لم يقاتلوا في الليل إلا مرّة واحدة، وهي ليلة الْهَرِير بوزن عَظيم، سُمّيت بذلك؛ لكثرة ما كان الفرسان يهرّون فيها، وقُتل بين الفريقين تلك الليلة عدّة آلاف، وأصبحوا وقد أشرف عليّ وأصحابه على النصر، فرفع معاوية وأصحابه المصاحف، فكان ما كان من الاتفاق على التحكيم، وانصراف كل منهم إلى بلاده، واستفدنا من هذه الزيادة أن تحديث عليّ بذلك كان بعد وقعة صفين بمدة، وكانت صفين سنة سبع وثلاثين، وخرج الخوارج على عليّ عقب التحكيم في أول سنة ثمان وثلاثين، وقَتَلهم بالنهروان، وكل ذلك مشهور مبسوط في تاريخ الطبريّ وغيره، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَفي حَدِيثِ عَطَاءٍ، عنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟) بيَّن به المبهم السابق بأنّ السائل هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال في «الفتح» بعد رواية عطاء هذه ما نصّه: وفي رواية جعفر الفريابيّ في «الذكر» من هذا الوجه: «قال عبد الرحمن: قلت: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين»، وكذا أخرجه مُطَيَّن في مسند عليّ من هذا الوجه، وأخرجه أيضًا من رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، حدّثني هُبيرة، وهانئ بن هانئ، وعمارة بن عبد «أنهم سمعوا عليًّا يقول. . .» فذكر الحديث، وفي آخره: «فقال له رجل -قال زهير: أراه الأشعث بن قيس-: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين». وفي رواية السائب: «فقال له ابن الْكَوّاء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم اللَّه يا أهل العراق، نعم، ولا ليلة صفين». وللبزار من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب: فقال له عبد اللَّه بن الكواء -والْكَوّاء بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المدّ-، وكان من أصحاب عليّ -﵁-، لكنه كان كثير التعنت في السؤال.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٢٥١.

٢. وفي نسخة: «وقال: ألا».

٣. «المصباح المنير»١/ ٢٢٣.

٤. مجل من بابي نصر، وفَرِح. اهـ.«ق».

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٥، بزيادة من «القاموس» ص ٥٩٢.

٦. «الفتح» ١٤/ ٣١٥، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

٧. «الفتح» ١٤/ ٣١٥، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

٨. «الفتح» ١٤/ ٣١٦، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

٩. «المفهم» ٧/ ٥٥.

١٠. «الفتح» ١٤/ ٣١٧ - ٣١٨، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

١١. «الفتح» ١٤/ ٣١٧ - ٣١٨، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

١٢. «الفتح» ١٤/ ٣١٩.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

١٤. «الدَّرْمَكُ» كجعفر: دقيق الْحُوَّارَى. اهـ «ق».

١٥. «الفتح» ١٤/ ٣٢١، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

١٦. «الْحَشْمة» بكسر، فسكون: الحياء، والانقباض. اهـ. «ق».

١٧. «الفتح» ١٤/ ٣٢١ - ٣٢٣، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣١٨).

١٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٩٥.

١٩. «الفتح» ١٤/ ٣٢٠.