HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٥٧

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أبي. حدثنا شعبة عن قتادة. سمع عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سعيد الخدري يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ «أن رجلا فيمن كان قبلكم. راشه الله مالا وولدا. فقال لولده: لتفعلن ما آمركم به. أو لأولين ميراثي غيركم. إذا أنا مت، فأحرقوني (وأكثر علمي أنه قال) ثم إسحاقوني. واذروني في الريح. فإني لم أبتهر عند الله خيرا، وإن الله يقدر على أن يعذبني. قال فأخذ منهم ميثاقا. ففعلوا ذلك به. وربي! فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: مخافتك. قال فما تلافاه غيرها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص98
ج ٤ ص ٢١١١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٢
[٨٧٥] وفي حديث أبي سعيد ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللهُ مَالًا) ، وفي رواية: (رَأَسَهُ اللهُ مَالًا) بالهمز؛ وليس بمحفوظ ، قال أهل اللغة : الرَّغْسُ: البركة والنماء والخير، قال: حَتَّى رَأَيْنَا وَجْهَكَ المَرْغُوسَا قال صاحب المجمل : وفي الحديث أن رجلًا رَغَسَه الله مالًا، أي: أعطاه إياه، وبارك له فيه، قال: إِمَامَ رَغْسٍ فِي نِصَابِ رَغْسِ وقوله: (فَإِنَّه لَم يَبتَئِر عِندَ اللهِ خَيرًا) أي: لم يقدم خبيئةَ خيرٍ لنفسه؛ ولم [يدخرها] ، يقال: بَأَرْتُ الشيء وابتأَرتُه: إذا ادخرته وخبَّأته، والبَئِيرَة على وزن فعيلة: الذخيرة، والبُؤْرَة على وزن فُعلة: الحفرة، وفيه لغة أخرى: ائْتَبَر بتقديم الهمز على الباء، قال: إِذَا لَم تَأْتَبِرْ رُشْدًا قُرَيْشٌ … فَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ ائْتِبَارُ وروي: إيتبار، وفي رواية في الصحيح: (فَإِنِّي لَم أَبْتَهِر عِندَ اللَّهِ) بالهاء، ويمكن أن تكون الهاء مبدلة من الهمزة، وقوله: (ثُمَّ اسحَقُونِي، وَاذرُونِي) قال ابن قتيبة : ذَرَّوتُه وأَذْرَيتُه، والرواية: (وَاذْرُونِي) بوصل الألف، وفي القرآن: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، قال بعض أهل العلم : في قوله: (لَئِن قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ)، أي: ضَيَّق علي، وناقشني الحساب ليعذبني عذابا شديدا، قيل: لم يجهل إحياء الموتى، ولكنه ابتدع بدعة في إحراقه نفسه، معتقدا أن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، قيل: ولإيقانه بوحدانية الله، ولخوفه من ربه؛ أمر ولده أن يحرقوه، وحَسِب أن ذلك غايةُ الخوف، فلذلك غفر له ربه، ولو كان شاكا ما غفر له.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٦٦٥
[تنبيه]: رواية الزبيديّ عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «المجتبى»، فقال: (٢٠٧٩) - أخبرنا كثير بن عُبيد، قال: حدّثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «أسرف عبد على نفسه، حتى حضرته الوفاة، قال لأهله: إذا أنا متّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فواللَّه لئن قدر اللَّه عليّ ليعذبنّي عذابًا، لا يعذبه أحدًا من خلقه، قال: ففعل أهله ذلك، قال اللَّه -﷿- لكل شيء أخذ منه شيئًا: أَدِّ ما أخذت، فإذا هو قائم، قال اللَّه -﷿-: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك، فغفر اللَّه له». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٩] (٢٧٥٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ «أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مِتُّ، فَأَحْرِقُونِي -وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ-: ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قريبًا. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزديّ الْعَوْذيّ، أبو نَهّار البصريّ، ثقةٌ [٤] قديم الموت، مات سنة ثلاث وثمانين (خ م س) تقدم في«البيوع»٣٩/ ٤٠٧٦. ٣ - (أَبُو سعِيدٍ الْخُدْريُّ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ؛ أنه (سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزديّ البصريّ، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁-، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ «أَنَّ رَجُلًا) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه. (فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)؛ أي: من الأمم السابقة، بني إسرائيل، أو غيرهم، (رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا) قال النوويّ -﵀-: هذه اللفظة رويت بوجهين في»صحيح مسلم«: أحدهما:»راشه«بألف ساكنة غير مهموزة، وبشين معجمة، والثاني: رأسه بهمزة، وسين مهملة، قال القاضي: والأول هو الصواب، وهو رواية الجمهور، ومعناه: أعطاه اللَّه مالًا وولدًا، قال: ولا وجه للمهملة هنا، وكذا قال غيره: ولا وجه له هنا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«راشه اللَّه مالًا»كذا الرواية الصحيحة، ومعناه: أكسبه اللَّه مالًا. قال ابن الأعرابيّ: الرِّياش: المال، وقال القتبيّ: أصله من الرِّيش، كأنّ الْمُعْدِمَ لا نهوض له مثل المقصوص من الطير. وعند الفاسيّ:«رأسه»بألف مهموزة، وسين مهملة، وهو تصحيف، ولا وجه له. وفي رواية:«رغسه اللَّه مالًا وولدًا»بغين معجمة، وسين مهملة؛ أي: أعطاه اللَّه تعالى من ذلك كثيرًا. قال أبو عبيد: يقال: رغسه اللَّه يَرْغَسه رغسًا : إذا كان ماله ناميًا كثيرًا، وكذلك هو في الحَسَب. انتهى . (فَقَالَ لِوَلَدِهِ) بفتحتين، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ، فسكون، وهو لغة فيه: قال الفيّوميّ -﵀-: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما وَلَده شيء، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ وزان قُفْل لغة فيه، وقيس تجعل المضموم جَمْع المفتوح، مثل أُسْدٍ، جمع أَسَدٍ. انتهى . (لَتَفْعَلُنَّ) باللام الموطّئة للقسم؛ أي: واللَّه لتفعلنّ، وهو فعل مضارع مسند لضمير الجماعة، مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة، وأصله لتَفعلوننّ، حُذفت نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار لتَفْعَلُنّ. (مَا) موصولة؛ أي: الشيء الذي (آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لأُوَلِّيَنَّ) بنون التوكيد الثقيلة أيضًا، من التولية؛ أي: لأعطينّ (مِيرَاثِي)؛ أي: ما يورث مني من المال، (غَيْرَكُمْ) ممن لا يرثني، قال القرطبيّ -﵀-: وفيه ما يدلّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يُوَرِّث ماله من يشاء من الناس، فنَسخ ذلك شرعنا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ويَحْتَمل أن يكون قاله تهديدًا لهم، لا ليفعله، واللَّه تعالى أعلم. والمعنى: اختاروا أحد الأمرين: إما أن تفعلوا ما آمركم به، أو يحصُل مني إعطاء ميراثكم مني غيركم، ثم بيّن لهم ما يفعلونه بقوله: (إِذَا أَنَا مُتُّ) بضمّ الميم، من مات يموت، كقال يقول، وبكسرها، كخاف يخاف، (فَأَحْرِقُونِي) بهمزة القطع، من الإحراق، قال شعبة: (وَأَكْثَرُ) بالثاء المثلّثة (عِلْمِي)؛ أي: أكبر ظنّي (أَنَّهُ)؛ أي: قتادة (قَالَ: ثُمَّ اسْحَقُونِي)؛ أي: دُقّوني، واطحنوني، وهو بفتح الحاء المهملة، أمْر من سَحَق يَسْحَق، كمنع يمنع، قيل: روي «اسحكُوني»، و«اسهكوني»، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن. وقال في «العمدة»: قوله: «فاسحقوني» من السحق، وهو دَقّ الشيء ناعمًا، أو قال: «فاسهكوني»، شكّ من الراوي، من السهك، قالوا: السحق والسهك بمعنى واحد، وقيل: السهك دونه، وهو أن يُفَتّ الشيء، أو يدقّ قِطَعًا صغارًا. انتهى . وقال القاضي عياض في «المشارق»: قوله في حديث المحرق: «اسحكوني، أو قال: اسحقوني» كذا في بعض الروايات، وفي رواية عن أبي ذرّ: «أو قال: اسهكوني»، وفي باب آخر: «اسكهوني» بتقديم الكاف. انتهى . (وَاذْرُونِي) يصحّ أن يُقرأ موصول الألف، من ذَرأت الشيء: فرّقته، ويصح أن يكون أصله من الثلاثي المزيد فيه، فتُقطع الهمزة، من قولهم: أذرت العين دمعَها، وأذريتُ الرجلَ عن فرسه؛ أي: رميته، وقال ابن التين: قرأناه بقطع الهمزة، قاله في «العمدة» . (فِي الرِّيحِ) متعلّق بما قبله، ثم ذكر لهم سبب أمْره بذلك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنِّي)؛ أي: لأني (لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا) قال القرطبيّ -﵀-: بالهاء، رواية الشيوخ، وعند ابن ماهان: «لم يبتئر»، بالهمزة، وكلاهما بمعنى واحد، والهمزة تُبدل من الهاء، وكذلك ابتار، وامتار، بالباء، والميم، فإنَّها تُبدل منها. وقد فسّرها قتادة، فقال: لم يَدّخر، وهو تفسير صحيح، ويشهد له المعنى، والمساق. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: هكذا هو في بعض النسخ، ولبعض الرواة: «أبتئر» بهمزة بعد التاء، وفي أكثرها: «لم أبتهر» بالهاء، وكلاهما صحيح، والهاء مُبدلة من الهمزة، ومعناهما: لم أُقَدِّم خيرًا، ولم أَدِّخره، وقد فسَّرها به قتادة في كلامه الآتي، وفي رواية: «لم يبتئر» هكذا هو في جميع النسخ، وفي رواية: «ما امتأر» بالميم، مهموزٌ أيضًا، والميم مبدلة من الباء الموحّدة. انتهى . (وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي) قال القرطبيّ -﵀-: وجدنا الروايات، والنُّسخ تختلف في ضَبْط هذه الكلمات، وحاصله يرجع إلى تقييدين: أحدهما: تشديد «إنَّ» مكسورة، ونَصْب الاسم المعظّم بها، و«يَقْدِرُ» مرفوعًا فعل مضارع، وهو خبر «إنَّ»، و«على أن يعذبني» متعلّق به، وهذا خبر محقَّق عن الرجل، أخبر به عن نفسه أن اللَّه يَقْدِر على تعذيبه، وهي رواية مصححة لقول من قال: لم يكن جاهلًا، ولا شاكًّا، وإنما كان خائفًا. وثانيهما: تخفيف «إِنْ» المكسورة، ورَفْع اسم اللَّه تعالى بعدها، وجَزْم «يَقْدِرْ» بها، و«عليّ» مشددة الياء، و«يُعَذِّبْني» مجزوم على جواب الشرط، وهذه الرواية مصححة لقول من قال: إن الرجل كان شاكًّا على ما ذكرناه، والأول أشبه ما اخترناه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي» هكذا هو في معظم النُّسخ ببلادنا، ونقل القاضي عياض اتفاق الرواة، والنسخ عليه، هكذا بتكرير «إن»، وسقطت لفظة «إن» الثانية في بعض النسخ المعتمدة، فعلى هذا تكون «إن» الأُولى شرطية، وتقديره: إن قدر اللَّه عليَّ عَذّبَنِي، وهو موافق للرواية السابقة، وأما على رواية الجمهور، وهي إثبات «إن» الثانية مع الأولى، فاختُلف في تقديره، فقال القاضي: هذا الكلام فيه تلفيق، قال: فإن أُخذ على ظاهره، ونُصِب اسم اللَّه، وجُعِل «يَقدِر» في موضع خبر «إنَّ» استقام اللفظ، وصح المعنى، لكنه يصير مخالفًا لِمَا سبق من كلامه الذي ظاهره الشكّ في القدرة، قال: وقال بعضهم: صوابه حذف «إن» الثانية، وتخفيف الأُولى، ورَفْع اسم اللَّه تعالى، قال: وكذا ضبطناه عن بعضهم، هذا كلام القاضى. وقيل: هو على ظاهره بإثبات «إن» في الموضعين، والأُولى مشدّدة، ومعناه: إن اللَّه قادر على أن يعذبني، ويكون هذا على قول من تأوَّل الرواية الأُولى على أنه أراد بقَدَر: ضيّق، أو غيره مما ليس فيه نفي حقيقة القدرة، ويجوز أن يكون على ظاهره، كما ذكر هذا القائل، لكن يكون معنى قوله هنا: إن اللَّه قادر على أن يعذبني، إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني، وذريتموني في البرّ والبحر، فلا يقدر عليّ، ويكون جوابه كما سبق، وبهذا تجتمع الروايات، واللَّه أعلم. انتهى . (قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ «صحيح مسلم»: «وربي» على القَسَم، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه أيضًا في كتاب مسلم، قال: وهو على القَسَم من المخبِر بذلك عنهم؛ لتصحيح خبره، وفي «صحيح البخاريّ»: «فأخذ منهم ميثاقًا، وربي ففعلوا ذلك به»، قال بعضهم: وهو الصواب، قال القاضي: بل هما متقاربان في المعنى والقسم، قال: ووجدته في بعض نُسخ «صحيح مسلم» من غير رواية لأحد من شيوخنا، إلا للتميميّ من طريق ابن الحذّاء: «ففعلوا ذلك، وذري» قال: فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام؛ لأنه أمرهم أن يَذرُوه، ولعل الذال سقطت لبعض النساخ، وتابعه الباقون، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والروايات الثلاث المذكورات صحيحات المعنى، ظاهرات، فلا وجه لتغليط شيء منها، واللَّه أعلم. انتهى . (فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا)؛ أي: ما تداركه، والتاء فيه زائدة، قاله النوويّ، وضمير «غيرها» للرحمة؛ أي: لم يصادفه عند قوله: «مخافتك» إلا الرحمة والمغفرة، ويبيّن هذا رواية البخاريّ للحديث بلفظ: «فتلقّاه برحمته»، وفي رواية: «فتلقاه رحمته»، قال في «الفتح»: قوله: «فتلقاه رحمته» في رواية الكشميهني «فتلافاه»، قال ابن التين: أما تلقاه بالقاف فواضح، لكن المشهور تعديته بالباء، وقد جاء هنا بغير تعدية، وعلى هذا فالرحمة منصوبة على المفعولية، ويَحْتَمِل أن يكون ذَكَر الرحمة، وهي على هذا بالرفع، قال: وأما تلافاه بالفاء فلا أعرف له وجهًا، إلا أن يكون أصله فتلففه؛ أي: غشاه، فلما اجتمعت ثلاث فاءات أُبدلت الأخيرة ألفًا، مثل دسّاها. قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر أنه من الثلاثيّ، والقول فيه كالقول في التلقي، وقد وقع في حديث سلمان: «مما تلافاه عندها أن غَفَر له». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وفي الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة اللَّه تعالى، ومغفرته ، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٩٥٩ و٦٩٦٠] (٢٧٥٧)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٧٨) و«الرقاق» (٦٤٨١) و«التوحيد» (٧٥٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٣ و١٧)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٦٤٩ و٦٥٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٦/ ٢٣٢)، و(الطحاويّ) في «شرح مشكل الآثار» (٥٥٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٢٨٤ و٨/ ٤٦٩)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٢/ ٢٦١)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، ذَكَرُوا جَمِيعًا بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ، وَأَبِي عَوَانَةَ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا»، وَفِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ: «فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا»، قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ: «فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا ابْتَأَرَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: «مَا امْتَأَرَ» بِالْمِيمِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) هو: يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ الحافظ تقدّم قبل بابين. ٣ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب -بمعجمة، ثم تحتانية- أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٤ - (شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة، بطن من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى، أبو موسى الْعَنّزي المعروف بالزّمِن، تقدّم قريبًا. ٦ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٣. ٧ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) ضمير التثنية لشيبان، وأبي عوانة. وقوله: (ذَكَرُوا جَمِيعًا. . . إلخ) ضمير الجماعة للثلاثة، وهم: سليمان التيميّ، وشيبان النحويّ، وأبو عوانة. وقوله: (بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ)؛ أي: عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِ)؛ أي: نحو حديث شعبة. وقوله: (رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا) هو بِالغين المعجمة المخففة، والسين المهملة؛ أي: أعطاه مالًا، وبارك له فيه، قاله النوويّ. وقال في «الفتح»: قوله: «رغسه اللَّه» بفتح الراء، والغين المعجمة، بعدها سين مهملة؛ أي: كَثّر ماله، وقيل: رَغْسُ كلِّ شيء أصله، فكأنه قال: جعل له أصلًا من مال، قال: ووقع في مسلم: «رأسه اللَّه» بهمز بدل الغين المعجمة، قال ابن التين: وهو غلط، فإن صح -أي: من جهة الرواية- فكأنه كان فيه رَاشَهُ -يعني: بألف ساكنة، بغير همز، وبشين معجمة- والريش والرياش: المال. انتهى. ويَحْتَمِل في توجيه رواية مسلم أن يقال: معنى «رأسه»: جعله رأسًا، ويكون بتشديد الهمزة، وقوله: «مالًا»؛ أي: بسبب المال. انتهى . وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا) قال في «الفتح»: كذا وقع هنا «يبتئر» بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثناة، بعدها تحتانية مهموزة، ثم راء مهملة، وتفسير قتادة صحيح، وأصله من البئيرة بمعنى الذخيرة، والخبيئة، قال أهل اللغة: بأرت الشيءَ، وابتأرته أبأره، وأبتئره: إذا خبأته، ووقع في رواية ابن السكن: «لم يأبتر» بتقديم الهمزة على الموحّدة، حكاه عياض، وهما صحيحان بمعنى، والأول أشهر، ومعناه: لم يُقَدِّم خيرًا، كما جاء مفسرًا في الحديث، يقال: بأرتُ الشيء، وابتأرته، وائبترته: إذا ادّخرته، ومنه قيل للحفرة: البئر، ووقع في «التوحيد»، وفي رواية أبي زيد المروزيّ فيما اقتصر عليه عياض، وقد ثبت عندنا كذلك في رواية أبي ذرّ: «لم يبتئر، أو لم يبتئز» بالشك في الزاي، أو الراء، وفي رواية الجرجاني بنون بدل الموحّدة، والزاي، قال: وكلاهما غير صحيح، وفي بعض الروايات في غير البخاريّ: «ينتهز» بالهاء بدل الهمزة، وبالزاي، و«يمتئر» بالميم بدل الموحّدة، وبالراء أيضًا، قال: وكلاهما صحيح أيضًا، كالأولين. انتهى . وقوله: (قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ. . . إلخ) فاعل «قال» ضمير سليمان التيميّ. وقوله: (مَا ابْتَأَرَ، وكذا مَا امْتَأَرَ) بِالْمِيمِ معناهما واحد، كما سبق آنفًا؛ أي: ما ادّخر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية سليمان التيميّ عن قتادة فساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦١١٦) - حدّثنا موسى، حدّثنا معتمر، سمعت أبي، حدّثنا قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- ذكر رجلًا فيمن كان سلف، أو قبلكم، آتاه اللَّه مالًا وولدًا؛ يعني: أعطاه، قال: فلما حُضِر، قال لبنيه: أيُّ أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر عند اللَّه خيرًا -فسَّرها قتادة: لم يدخر- وإن يَقْدَم على اللَّه يعذبه، فانظروا، فإذا متّ، فأحرقوني، حتى إذا صِرْت فَحْمًا، فاسحقوني، أو قال: فاسهكوني، ثمَّ إذا كان ريح عاصف، فاذروني فيها، فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا، فقال اللَّه: كن، فإذا رجل قائم، ثم قال: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك، أو فَرَق منك، فما تلافاه أن -﵀-»، فحدّثت أبا عثمان ، فقال: سمعت سلمان، غير أنه زاد:«فاذروني في البحر»، أو كما حدث. وقال معاذ: حدّثنا شعبة، عن قتادة، سمعت عقبة، سمعت أبا سعيد الخدريّ، عن النبيّ -ﷺ-. انتهى . وأما رواية شيبان النحويّ عن قتادة، فساقها الإمام أحمد -﵀- في«مسنده»، فقال: (١١٦٨٢) - حدّثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«إن رجلًا ممن خلا من الناس، رَغَسه اللَّه مالًا وولدًا، فلما حضره الموت، ودعا بنيه، فقال: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه واللَّه ما ابتأر عند اللَّه خيرًا قط، فإذا مات فاحرقوه، حتى إذا كان فَحْمًا، فاسحقوه، ثم اذروه في يوم؛ يعني: ريحًا عاصفًا، قال: وقال نبيّ اللَّه -ﷺ-: أخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا وربي، لمّا مات أحرقوه، حتى إذا كان فحمًا سحقوه، ثم أذروه في يوم عاصف، قال ربه: كن، فإذا هو رجل قائم، قال له ربه: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: رب خِفت عذابك، قال: فوالذي نفس محمد بيده ما تلافاه غيرها، أن غفر اللَّه له»، قال الحسن مرّةً:«ما تلاقاه غيرها، أن غفر اللَّه له»، قال قتادة: رجل خاف عذاب اللَّه، فأنجاه اللَّه من مخافته. انتهى . وأما رواية أبي عوانة عن قتادة، فساقها البخاريّ -﵀- في«صحيحه»، فقال:
مصادر المؤلف (٢١)

١. «سنن النسائيّ (المجتبى) » ٤/ ١١٢.

٢. «شرح النوويّ»١٧/ ٧٣.

٣. من باب منع، ويقال: أرغسه بالهمزة، كما في«القاموس».

٤. «المفهم» ٧/ ٧٧ - ٧٨.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧١.

٦. «المفهم» ٧/ ٧٩.

٧. «عمدة القاري» ٢٣/ ٧٤.

٨. «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٠٨.

٩. «عمدة القاري» ٢٣/ ٧٤.

١٠. «المفهم» ٧/ ٧٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٧/ ٧٣.

١٢. «المفهم» ٧/ ٧٨ - ٧٩.

١٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ٧٣ - ٧٤.

١٤. «شرح النوويّ» ١٧/ ٧٤.

١٥. «الفتح» ٨/ ١٣٨ - ١٣٩، «كتاب الأنبياء» رقم (٣٤٧٨).

١٦. «المفهم» ٧/ ٧٩.

١٧. «الفتح» ٨/ ١٣٦.

١٨. «الفتح» ٨/ ١٣٦.

١٩. القائل:«فحدثت»هو سليمان التيميّ، و«أبو عثمان»هو: النهديّ، و«سلمان»هو الفارسيّ الصحابيّ -﵁-.

٢٠. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢٣٧٨.

٢١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٦٩.