سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لَحْمٌ قَالُوا هَذَا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانَا فَقَالَ أَخِّرُوهُ لَا أَذُوقُهُ قَالَ ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أَخِي أَبَا قَتَادَةَ وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ".
٥٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ قال النبي ﷺ: "مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ: كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا".
٥٥٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا إِلاَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
٥٥٧١ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ "أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ".
٥٥٧٢ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ".
٥٥٧٣ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ".
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ
٥٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قال رسول الله ﷺ: "كُلُوا مِنْ الأَضَاحِيِّ ثَلَاثًا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ".
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِثُلُثٍ وَلَا نِصْفٍ (وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا) أَيْ لِلسَّفَرِ وَفِي الْحَضَرِ. وَبَيَانُ التَّقْيِيدِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِمَّا مَنْسُوخٌ وَإِمَّا خَاصٌّ بِسَبَبٍ. فِيهِ أَحَادِيثُ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَوْلُهُ: (لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي قَوْلِهِ: إِلَى الْمَدِينَةِ فِي بَابِ مَا كَانَ السَّلَفُ يَدَّخِرُونَ مِنْ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُ مَرَّةٍ لُحُومُ الْهَدْيِ) فَاعِلٌ قَالَ هُوَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَائِلُ ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ بَيَّنَ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ تَارَةً يَقُولُ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ وَمِرَارًا يَقُولُ لُحُومُ الْهَدْيِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا وَقَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سُفْيَانَ لُحُومُ الْهَدْيِ.
الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقِ: ويَحْيَى، وَالْقَاسِمِ وَشَيْخِهِ، وَفِيهِ صَحَابِيَّانِ: أَبُو سَعِيدٍ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ) أَيْ مِنَ السَّفَرِ (فَقُدِّمَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَخِّرُوهُ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ التَّأْخِيرِ (لَا أَذُوقُهُ) أَيْ لَا آكُلُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: إنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِهِ حَتَّى أَسْأَلَ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِي أَخِي أَبَا قَتَادَةَ، وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ، وَالْقَابِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: حَتَّى آتِي أَخِي قَتَادَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كُلِّ النُّسَخِ أَبَا قَتَادَةَ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِهِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَآخَرُونَ، وَأُمُّ أَبِي سَعِيدٍ وَقَتَادَةُ الْمَذْكُورَةُ أُنَيْسَةُ بِنْتُ أَبِي خَارِجَةَ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ
قَوْلُهُ: (حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ) زَادَ اللَّيْثُ: نَقْضٌ لِمَا كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ مُطَوَّلًا، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ نُسُكِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، قَالَ فَخَرَجْتُ فِي سَفَرٍ ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي - وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَضْحَى بِأَيَّامٍ - فَأَتَتْنِي صَاحِبَتِي بِسِلْقٍ قَدْ جَعَلَتْ فِيهِ قَدِيدًا فَقَالَتْ: هَذَا مِنْ ضَحَايَانَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَوَلَمْ يَنْهَنَا؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ رَخَّصَ لِلنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ أُصَدِّقْهَا حَتَّى بَعَثْتُ إِلَى أَخِي قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - قَدْ أَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَقَلَبَ الْمَتْنَ جَعَلَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَبَا سَعِيدٍ وَالْمُمْتَنِعَ مِنَ الْأَكْلِ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَصَحُّ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَجَعَلَ الْقِصَّةَ لِأَبِي قَتَادَةَ وَأَنَّهُ سَأَلَ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا الْأَضَاحِيَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِتِسْعِكُمْ، وَإِنِّي أُحِلُّهُ لَكُمْ، فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمُ الْحَدِيثَ. فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقْتَ الْإِحْلَالِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَا سَمِعَ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ فِيهِ أَيْضًا السَّبَبَ فِي التَّقْيِيدِ، وَأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ التَّوْسِعَةِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ لِمَنْ لَمْ يُضَحِّ.
الثَّالِثُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي)؟ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ
لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْإِذْنَ كَانَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ قَوْلِهِمْ هَلْ نَفْعَلُ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ؟ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ، لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَلَمَّا احْتَمَلَ عِنْدَهُمْ عُمُومَ النَّهْيِ أَوْ خُصُوصَهُ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ سَأَلُوا، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِذَلِكَ الْعَامِّ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: كُلُوا وَأَطْعِمُوا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ فَيَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ إِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ضَعُفَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومِ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَتِهِ، لَكِنْ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: (وَادَّخِرُوا) بِالْمُهْمَلَةِ، وَأَصْلُهُ مِنْ ذَخَرَ بِالْمُعْجَمَةِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَاءُ الِافْتِعَالِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْإِذْنِ فِي الِادِّخَارِ الْجَوَازُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الِادِّخَارِ: كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِغَدٍ، وَالْأَوَّلُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالثَّانِي فِي مُسْلِمٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ وَيَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَيَتْرُكُهُ عِنْدَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَيَفْعَلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ (كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ) بِالْفَتْحِ أَيْ مَشَقَّةٌ مِنْ جَهْدِ قَحْطِ السَّنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا) كَذَا هُنَا مِنَ الْإِعَانَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: فَأَرَدْتُ أَنْ تَفْشُوَا فِيهِمْ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ: فَأَرَدْتُ أَنْ تَقْسِمُوا فِيهِمْ، كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا قَالَ عِيَاضٌ: الضَّمِيرُ فِي تُعِينُوا فِيهَا لِلْمَشَقَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْجَهْدِ أَوْ مِنَ الشِّدَّةِ أَوْ مِنَ السَّنَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْجَهْدِ، وَفِي تَفْشُوَا فِيهِمْ أَيْ فِي النَّاسِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا، قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَوْجَهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَشْبَهُ. قُلْتُ: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ وَمَدَارُهُ عَلَى أَبِي عَاصِمٍ، وَأَنَّهُ تَارَةً قَالَ هَذَا وَتَارَةً قَالَ هَذَا، وَالْمَعْنَى فِي كُلٍّ صَحِيحٌ فَلَا وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنِي أَخِي هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. فَإِسْمَاعِيلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَقَدْ تَكَرَّرَ لَهُ هَذَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَذَلِكَ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُدَلِّسُ.
قَوْلُهُ: (الضَّحِيَّةُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (نُمَلِّحُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَنَقْدَمُ) بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ مِنَ الْقُدُومِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ نَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ أَوْجُهٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا) أَيْ مِنْهُ، هَذَا صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ؟ فَقَالَتْ: لَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا نَفَتْ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا مُطْلَقَ النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ نُطْعِمَ مِنْهُ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الطَّاءِ أَيْ نُطْعِمَ غَيْرَنَا. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ: كَأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
قُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ بِتَمَامِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ؟ قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَكَانَ يُحَرِّمُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَفَعَلَ لِيُطْعِمَ مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الدَّفُّ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الثَّقِيلَةِ السَّيْرَ السَّرِيعَ، وَالدَّافَّةُ مَنْ يَطْرَأُ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ، وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْيِيدَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجْزِي مِنَ الْإِطْعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ شَيْئًا وَيُطْعِمُ الْبَاقِيَ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يُسْتَحَبُّ قِسْمَتُهَا ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ: كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَطْعِمُوا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ وَيُطْعِمَ النِّصْفَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَتِهِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: الصَّوَابُ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِذْنِ. وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ مِنْهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمُعْظَمِهَا.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ أَحَادِيثُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ عُثْمَانَ ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ) تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا اتَّحَدَتْ جِهَتُهُ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الصَّوْمِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جِهَتَانِ فَلَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَدَّدَتِ الْجِهَةُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ فَيَصِحُّ فِي الْمَغْصُوبِ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ) لَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَهُ أَضْحًى أَوْ فِطْرًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْأَضْحَى الَّذِي قَدَّمَهُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُمَرَ فَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَيْ يَوْمَ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: (قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ) أَيْ يَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي) جَمْعُ الْعَالِيَةِ وَهِيَ قُرًى مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَنْتَظِرْ) أَيْ يَتَأَخَّرْ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِسُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى الْعِيدَ إِذَا وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَذِنْتُ لَهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ الْعَوْدِ، وَأَيْضًا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ لِبُعْدِ مَنَازِلِهِمْ عَنِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَهِدْتُهُ) أَيِ الْعِيدَ، وَدَلَّ السِّيَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَضْحَى، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ: شَهِدْتُ عَلِيًّا فِي يَوْمِ عِيدٍ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ - ثُمَّ قَالَ - سَمِعْتُ، فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ.
قَوْلُهُ: (نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَا تَأْكُلُوهَا بَعْدَهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الثَّلَاثِ الَّتِي كَانَ الِادِّخَارُ فِيهَا جَائِزًا، فَقِيلَ أَوَّلُهَا يَوْمُ النَّحْرِ، فَمَنْ ضَحَّى فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ، وَمَنْ ضَحَّى بَعْدَهُ أَمْسَكَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ أَوَّلُهَا يَوْمَ يُضَحِّي، فَلَوْ ضَحَّى فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ ثَلَاثًا بَعْدَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ
فَوْقَ ثَلَاثٍ أَنْ لَا يُحْسَبَ الْيَوْمُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ النَّحْرُ مِنَ الثَّلَاثِ، وَتُعْتَبَرُ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِيهِ وَمَا بَعْدَهَا. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَإِنَّ ثَلَاثَ مِنًى تُتَنَاوَلُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَهْلِ النَّفْرِ الثَّانِي، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَعَلَّ عَلِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ الَّذِي قَالَ عَلِيٌّ فِيهِ ذَلِكَ كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ كَمَا وَقَعَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إِنَّمَا خَطَبَ عَلِيٌّ بِالْمَدِينَةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ عُثْمَانُ حُوصِرَ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي قَدْ أَلْجَأَتْهُمُ الْفِتْنَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَصَابَهُمُ الْجَهْدُ، فَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ مَا قَالَ.
قُلْتُ: أَمَّا كَوْنُ عَلِيٍّ خَطَبَ بِهِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورًا فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْعِيدَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، وَأَمَّا الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ فَلِمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُخَارِقِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ، ثُمَّ جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ يُجَابُ عَمَّا أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ سُلَيْمَانَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَقَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْهَا ثُمَّ رَخَّصَ فِيهَا، فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ السَّفَرِ فَأَتَتْهُ فَاطِمَةُ بِلَحْمٍ مِنْ ضَحَايَاهَا فَقَالَ: أَوَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ رُخِّصَ فِيهَا، فَهَذَا عَلِيٌّ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ خَطَبَ بِالْمَنْعِ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ مَا ذَكَرْتُهُ. وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْعِلَلِ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: فَإِذَا دَفَّتِ الدَّافَّةُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَإِنْ لَمْ تَدُفَّ دَافَّةٌ فَالرُّخْصَةُ ثَابِتَةٌ بِالْأَكْلِ وَالتَّزَوُّدِ وَالِادِّخَارِ وَالصَّدَقَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخًا فِي كُلِّ حَالٍ.
قُلْتُ: وَبِهَذَا الثَّانِي أَخَذَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْيَوْمُ بِحَالٍ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِادِّخَارُ الْيَوْمَ بِحَالٍ، وَحَكَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ نَسْخُ النَّهْيِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَحْرِيمٌ وَلَا كَرَاهَةٌ، فَيُبَاحُ الْيَوْمَ الِادِّخَارُ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَالْأَكْلُ إِلَى مَتَى شَاءَ اهـ. وَإِنَّمَا رَجَّحَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ إِذَا دَفَّتِ الدَّافَّةُ إِيجَابَ الْإِطْعَامِ، وَقَدْ قَامَتِ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا يُوَافِقُ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي إِجَازَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، كَذَا أَطْلَقَ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَدِيثُ سَلَمَةَ، وَعَائِشَةَ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِعِلَّةٍ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعَ لِارْتِفَاعِ مُوجِبِهِ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ، وَبِعَوْدِ الْحُكْمِ تَعُودُ الْعِلَّةُ، فَلَوْ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ نَاسٌ مُحْتَاجُونَ فِي زَمَانِ الْأَضْحَى وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ سَعَةٌ يَسُدُّونَ بِهَا فَاقَتَهُمْ إِلَّا الضَّحَايَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَدَّخِرُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ.
قُلْتُ: وَالتَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ وَاقِعَةُ حَالٍ، وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ تَسْتَدَّ الْخَلَّةُ إِلَّا بِتَفْرِقَةِ الْجَمِيعِ لَزِمَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ عَدَمُ الْإِمْسَاكِ وَلَوْ لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ لِعِلَّةٍ فَلَمَّا زَالَتْ زَالَ الْحُكْمُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ عَوْدُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَوْدِ الْعِلَّةِ. قُلْتُ: وَاسْتَبْعَدُوهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْخَلَّةَ لَمْ تَسْتَدَّ يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِمَا ذَكَرَ فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّ الْخَلَّةَ تَسْتَدُّ بِغَيْرِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا يَعُودُ الْحُكْمُ إِلَّا لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْخَلَّةَ لَا تَسْتَدُّ إِلَّا بِلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ النُّدُورِ. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلتَّنْزِيهِ، قَالَ: وَهُوَ كَالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾؛ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ احْتِمَالًا، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَلَيْسَ بِعَزِيمَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ
الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ فَوْقَ ثَلَاثٍ خَاصٌّ بِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةِ، فَأَمَّا مَنْ أُهْدِيَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلَا، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى مَا يُفِيدُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ قَدْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِ نُسُكِهِمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِمَا أُهْدِيَ لَنَا؟ قَالَ: أَمَّا مَا أُهْدِيَ إِلَيْكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ فَهَذَا نَصٌّ فِي الْهَدِيَّةِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنَّ الْفَقِيرَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا يُهْدَى لَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ تَقَعَ الْمُوَاسَاةُ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ وَقَدْ حَصَلَتْ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوُهُ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّنَدِ الْمَذْكُورِ، فَيَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّرْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمِزِّيِّ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى فَسَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بِتَمَامِهَا. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ قُلْتُ: فَاحْتَمَلَ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ مُعَلَّقَةً، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ قَبْلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ حِبَّانَ بِسَنَدِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، وَمَالِكٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ به، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ، أَيْ لَمْ يُوَصِّلِ السَّنَدَ إِلَى مَعْمَرٍ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ، وَابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَسَالِمٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كُلُوا مِنَ الْأَضَاحِيِّ ثَلَاثًا) أَيْ فَقَطْ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ (يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ) سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: (حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ حَتَّى بَدَلَ حِينَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ يُفْسِدُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكَانَ إِذَا انْقَضَتْ ثَلَاثُ مِنًى ائْتَدَمَ بِالزَّيْتِ وَلَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ تَمَسُّكًا بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْإِذْنُ بَعْدَ الْمَنْعِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ وَيَصِيرُ الْمَعْنَى: كَانَ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ إِلَى أَنْ يَنْفِرَ، فَإِذَا نَفَرَ أَكَلَ بِغَيْرِ الزَّيْتِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ. وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْهَدْيِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ لَحْمِ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ عَلَى لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ لَحْمَ الْهَدْي لِمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ نَسْخُ الْأَثْقَلِ بِالْأَخَفِّ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ ادِّخَارِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى الْمُضَحِّينَ، وَالْإِذْنُ فِي الِادِّخَارِ أَخَفُّ مِنْهُ.
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَثْقَلِ لِلْأَخَفِّ، وَعَكَسَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ زَاعِمًا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الِادِّخَارِ نُسِخَ بِالنَّهْيِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِادِّخَارَ كَانَ مُبَاحًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ لَيْسَ نَسْخًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا فَفِيهِ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الْإِذْنَ فِي أَكْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(خَاتِمَةٌ):
اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ خَمْسَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ، وَسِوَى زِيَادَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهِيَ قَوْلُهُ بِكَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ فَإِنَّ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Слышал Абу Саид, как он рассказывал, что он был в отъезде, затем вернулся, и ему подали мясо. Сказали: «Это мясо наших жертвоприношений». Он ответил: «Отложите его, я не буду его пробовать». Затем он встал и вышел, чтобы навестить своего брата Абу Катада, который был его сводным братом по матери и был из тех, кто участвовал в битве при Бадре. Я рассказал ему об этом, и он сказал: «После тебя произошёл случай».
5569 - Передал нам Абу Асим от Язида ибн Аби Убейда от Салямы ибн аль-Аква, что Пророк ﷺ сказал: «Кто из вас приносит жертву, пусть не оставляет у себя дома её мясо после трёх дней». Когда наступил следующий год, они спросили: «О Посланник Аллаха, можем ли мы поступать так же, как в прошлом году?» Он ответил: «Ешьте, кормите других и сохраняйте мясо, ибо в том году люди испытывали трудности, и я хотел, чтобы вы им помогли».
5570 - Передал нам Исмаил ибн Абдуллах, что его брат рассказал ему от Сулеймана от Яхьи ибн Саида от Умры бинт Абдуррахмана от Айши ﵂, что она сказала: «Мы солили мясо жертв и приносили его Пророку ﷺ в Медину. Он сказал: „Не ешьте его более трёх дней, и это не обязательное правило, но он хотел, чтобы люди кормились им, и Аллах знает лучше“.
5571 - Передал нам Хиббан ибн Муса, что Абдуллах рассказал ему, что Юнус передал от аз-Зухри, что Абу Убейд, раб ибн Азхара, сказал: „Он присутствовал на празднике Ид аль-Адха с Умаром ибн аль-Хаттабом ﵁. Умар молился до проповеди, затем обратился к людям: „О люди, Пророк ﷺ запретил вам поститься в оба праздника. Один из них — день разговения после поста, а другой — день, когда вы едите мясо своих жертв“.
5572 - Абу Убейд сказал: „Затем я присутствовал на празднике с Усманом ибн Аффаном, и это был день пятницы. Он молился до проповеди, затем сказал: „О люди, сегодня у вас два праздника. Кто хочет ждать пятничной молитвы из знатных людей, пусть ждёт, а кто хочет уйти — я разрешаю“.
5573 - Абу Убейд сказал: „Затем я был с Али ибн Аби Талибом, он молился до проповеди, затем сказал: „Пророк ﷺ запретил вам есть мясо ваших жертв более трёх дней“.
И от Ма’мара от аз-Зухри от Абу Убейда подобное.
5574 - Передал нам Мухаммад ибн Абдуррахим, что Якуб ибн Ибрахим ибн Саад рассказал от племянника Ибн Шихаба от его дяди Ибн Шихаба от Салима от Абдуллаха ибн Омара ﵄, что Посланник Аллаха ﷺ сказал: „Ешьте мясо жертв три дня“. Абдуллах ел его с маслом, когда отправлялся из Миня ради мяса жертв.
Заголовок: „Глава о том, какое мясо жертв можно есть“, то есть без ограничения трети или половины, и что можно брать с собой в дорогу и есть дома. Объяснение ограничения тремя днями: либо отменено, либо связано с особой причиной. В этом разделе есть хадисы, первый из которых — хадис Джабира.
Выражение „мясо жертв“ уже обсуждалось в разделе о том, что оставляли предшественники в Медине из книги о продуктах питания.
Выражение „и в другой раз сказал „мясо жертв““ — деятелем является Суфьян ибн Уййайна, и передавший от него Али ибн Абдуллах, сын аль-Мадини, пояснил, что Суфьян иногда говорил „мясо жертв“, а иногда „мясо приношений“. В риваяте аль-Кушмейхани здесь есть искажение, и это уже обсуждалось в разделе с другой риваятой от Суфьяна о мясе приношений.
Второе.
„Передал нам Исмаил“ — это сын Абу Увайса, Сулейман — сын Билаля, Яхья ибн Саид — ансари, Касим — сын Мухаммада ибн Аби Бакра ас-Сиддика, а Ибн Хаббаб с двумя му’аддатами — первый из которых тяжёлый, его имя Абдуллах. Вся цепочка иснада мединская. В ней три таби’ина в порядке: Яхья, Касим и их шейх, а также два сподвижника: Абу Саид и Катада ибн ан-Ну’ман.
„Пришёл“ — то есть из путешествия, „ему подали“ — с даммой на кафе и удвоением дал, то есть положили перед ним.
„Сказал: отложите“ — повелительное от „откладывать“, „не пробую“ — то есть не ем.
„Встал и вышел“ — уже упоминалось в рассказе о битве при Бадре в книге о походах по риваяту аль-Лейса с таким иснадом: Абу Саид вернулся из путешествия, и его семья подала ему мясо жертв, он сказал: „Я не буду есть, пока не спрошу“.
„Вышел, чтобы навестить брата Абу Катада, который был сводным братом по матери“ — так же у Абу Зара, и это совпадает с аль-Асили и аль-Кабиси в их риваятах от Абу Зайда аль-Марвизи и Абу Ахмада аль-Джурджани, что является ошибкой. Аль-Бакун отметил: „До брата Катада“ — это правильно. В риваяте аль-Лейса уже упоминалось: он отправился к брату по матери Катаде ибн ан-Ну’ману. Некоторые, кто не вникал, ошибочно считали, что во всех рукописях написано „Абу Катада“, что неверно. На это обратил внимание Абу Али аль-Джияни в своём уточнении, за ним последовали Ийяд и другие. Мать Абу Саида и упомянутый Катада — Унайса бинт Абу Хариджа Амру ибн Кайс ибн Малик из племени Бани Ади ибн ан-Наджжар, что упомянул Ибн Саад.
„После тебя произошёл случай“ — аль-Лейс добавил: „Отмена того, что они запрещали есть мясо жертв после трёх дней“. Это передал Ахмад от риваяты Мухаммада ибн Исхака, который сказал: „Передал мне отец и Мухаммад ибн Али ибн Хусейн от Абдуллаха ибн Хаббаба подробно, и его слова от Абу Саида: Пророк ﷺ запретил нам есть мясо жертв более трёх дней. Я отправился в путешествие, затем вернулся к своей семье — это было через несколько дней после Ид аль-Адха. Моя жена принесла мне салк с кусками вяленого мяса и сказала: „Это от наших жертв“. Я спросил: „Разве нам не запрещали?“ Она ответила: „Он разрешил людям после этого“. Я не поверил ей, пока не послал к брату Катаде ибн ан-Ну’ману — он подтвердил это. Пророк ﷺ разрешил мусульманам это“. Насаи передал и Ибн Хиббан подтвердил через Зайнаб бинт Ка’б от Абу Саида, перевернув матн и сделав рассказчиком Абу Саида, а отказывающимся от еды — Катаду ибн ан-Ну’мана. В двух сахихах это достовернее.
Ахмад передал с другой стороны, приписав рассказ Абу Катаде, и что он тоже спрашивал Катаду ибн ан-Ну’мана об этом. В нём говорится, что Пророк ﷺ выступил в прощальном хадже и сказал: „Я приказывал вам не есть мясо жертв более трёх дней для ограничения, но теперь разрешаю вам есть сколько хотите“. Этот хадис поясняет время разрешения и что это было на прощальном хадже, и, видимо, Абу Саид этого не слышал.
Также в нём объясняется причина ограничения — чтобы обеспечить достаточное количество мяса жертв для тех, кто не приносил жертву.
Третье — хадис Салямы ибн аль-Аква, один из его трёх хадисов.
„Когда наступил следующий год, они сказали: „О Посланник Аллаха, можем ли мы поступать так же, как в прошлом году?““ — из этого следует, что запрет был в девятый год, поскольку предыдущий хадис указывает, что разрешение было в десятый год. Ибн аль-Мунир сказал: смысл их вопроса „Можем ли мы делать, как раньше?“ хотя запрет подразумевает постоянство, потому что они поняли, что запрет был по особой причине, и когда он стал для них общим или частным из-за причины, они спросили.