هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
قَوْلُهُ (قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ) أَيِ الْقَرِيبَةِ الْعَهْدِ بِالصِّغَرِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ الْمَتْنِ فِي الْعِيدَيْنِ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ بِنْتَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَزْيَدَ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْجَارِيَةُ الْعَرِبَةُ؛ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.
٨٣ - بَاب مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا
٥١٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، وَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ، فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا؛ فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ؛ فَصَخِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، قَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ.
فَأَفْزَعَنِي ذَلِكَ فقُلْتُ لَهَا: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ ﷺ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ؛ فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِ الله ﷺ فَتَهْلِكِي؟ لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ ﷺ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتغَزْوِنَا؛ فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ؛ فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا؛ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ.
طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ؛ فَقَالَ: اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَزْوَاجَهُ؛ فَقُلْتُ: خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، وقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ؛ فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ
فِيهَا، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا؟ أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَاهُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ؛ فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَقَالَ: كَلَّمْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ؛ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ؛ فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ؛ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، قَالَ: إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي؛ فَقَالَ: قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ؛ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَسُّمَةً أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ؛ فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا؛ فَقَالَ: أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ قد عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ
حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ ﷿؛ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا؛ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا؛ فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخَيُّرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ فَاخْتَرْتُهُ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ.
قَوْلُهُ (بَابُ مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا) أَيْ لِأَجْلِ زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الْمَاضِيَةِ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ.
قَوْلُهُ (عَنِ
الْمَرْأَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدٍ عَنْ آيَةٍ.
قَوْلُهُ (اللَّتَيْنِ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ وَخَطَّأَهَا، فَقَالَ: الصَّوَابُ اللَّتَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ. قُلْتُ: وَلَوْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً لَأَمْكَنَ تَوْجِيهُهَا.
قَوْلُهُ (حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدٍ: فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ فَكُنْتُ أَهَابُهُ، حَتَّى حَجَجْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا، قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا حَاجَتُكَ؟
قَوْلُهُ (وَعَدَلَ) أَيْ عَنِ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ الْمَسْلُوكَةِ إِلَى طَرِيقٍ لَا يُسْلَكُ غَالِبًا لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدٍ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَذْكُورَ هُوَ مَرُّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ فَتَبَرَّزَ) أَيْ قَضَى حَاجَتَهُ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْإِدَاوَةِ وَتَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَأَصْلُ تَبَرَّزَ مِنَ الْبَرَازِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي الْبَارِزُ عَنِ الْبُيُوتِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطيَالِسِيِّ: فَدَخَلَ عُمَرُ الْأَرَاكَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَقَعَدْتُ لَهُ حَتَّى خَرَجَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا يَجِدُ الْفَضَاءَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ اسْتَتَرَ بِمَا يُمْكِنُهُ السِّتْرُ بِهِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ.
قَوْلُهُ (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ: فَسَكَبْتُ مِنَ الْإِدَاوَةِ.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟)، فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ حَدِيثٍ مُنْذُ سَنَةٍ فَتَمْنَعُنِي هَيْبَتُكَ أَنْ أَسْأَلَكَ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ قَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ الْمَذْكُورَةِ، فَقَالَ: مَا تَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنِّي.
قَوْلُهُ (اللَّتَانِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ اللَّتَانِ بِالتَّثْنِيَةِ. وَقَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا إِنْ تَتُوبَا مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أَيْ تَتَعَاوَنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ، وَمَعْنَى تَظَاهُرِهِمَا أَنَّهُمَا تَعَاوَنَتَا حَتَّى حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ مَا حَرَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَوْلُهُ ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ وَضَعَا رِحَالَهُمَا أَيْ رَحْلَيْ رَاحِلَتَيْهِمَا.
قَوْلُهُ (وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْعِلْمِ وَأَنَّ عُمَرَ تَعَجَّبَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ شُهْرَتِهِ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرُ مَعَ شُهْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ فِي نَفْسِ عُمَرَ وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَمَعَ مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَشْهُورًا بِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَمُدَاخَلَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ، أَوْ تَعَجَّبَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ فُنُونِ التَّفْسِيرِ حَتَّى مَعْرِفَةِ الْمُبْهَمِ، وَوَقَعَ فِي الْكَشَّافِ كَأَنَّهُ كَرِهَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ. قُلْتُ: وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ، قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ عُمَرُ وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ، وَلَا يَسْتَبْعِدُ الْقُرْطُبِيُّ مَا فَهِمَهُ الزُّهْرِيُّ، وَلَا بُعْدَ فِيهِ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ فِي عَجَبًا التَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَا فِي قَوْلِهِ وَا عَجَبًا إِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ، وَمِثْلُهُ وَاهًا وَوَيْ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ عَجَبًا جِيءَ بِهَا تَعَجُّبًا تَوْكِيدًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَالْأَصْلُ فِيهِ وَا عَجَبِي فَأُبْدِلَتِ الْكَسْرَةُ فَتْحَةً فَصَارَتِ
الْيَاءُ أَلِفًا كَقَوْلِهِمْ يَا أَسَفَا وَيَا حَسْرَتَا، وَفِيهِ شَاهِدٌ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ وَا فِي مُنَادًى غَيْرِ مَنْدُوبٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ وَهُوَ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ اهـ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَا عَجَبِي لَكَ.
قَوْلُهُ (عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحْدَهُ عَنْهُ حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، فَقَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ.
تَنْبِيهٌ:
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِسُؤَالِ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ فَلَحِقَنَا عُمَرُ وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ فِي شَأْنِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، فَسَكَتْنَا حِينَ لَحِقَنَا، فَعَزَمَ عَلَيْنَا أَنْ نُخْبِرَهُ، فَقُلْنَا: تَذَاكَرْنَا شَأْنَ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَسَوْدَةَ، فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ سَابِقَةً وَلَمْ يَتَمَكَّنِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ سُؤَالِ عُمَرَ عَنْ شَرْحِ الْقِصَّةِ عَلَى وَجْهِهَا إِلَّا فِي الْحَالِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ) أَيِ الْقِصَّةَ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا.
قَوْلُهُ (كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْعِلْمِ، وَمَضَى فِي الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي قَوْلِهِ إِنِّي.
قَوْلُهُ (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ.
قَوْلُهُ (وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ) أَيِ السُّكَّانِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَهِيَ أَيِ الْقَرْيَةِ، وَالْعَوَالِي جَمْعُ عَالِيَةٍ وَهِيَ قُرًى بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ وَكَانَتْ مَنَازِلَ الْأَوْسِ، وَاسْمُ الْجَارِ الْمَذْكُورِ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ سَمَّاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ: وَكَانَ عُمَرُ مُؤَاخِيًا أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ وَلَا يَسْمَعُ عُمَرُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ في العلم عَمَّنْ قَالَ إِنَّهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ فَهُوَ مِنْ تَرْكِيبِ ابْنِ بَشْكُوَالَ، فَإِنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ الْمَذْكُورُ عِتْبَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمْ مِنَ الْإِخَاءِ أَنْ يَتَجَاوَرَا، وَالْأَخْذُ بِالنَّصِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخْذِ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُؤَاخِيًا لِأَوْسٍ فَهَذَا بِمَعْنَى الصَّدَاقَةِ لَا بِمَعْنَى الْإِخَاءِ الَّذِي كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ ثُمَّ نُسِخَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ أَوْسِ بْنِ خَوْلِيٍّ، وَشُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِأَنَّهُ آخَى بَيْنَ عُمَرَ، وَعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَانَ مُؤَاخِيًا أَيْ مُصَادِقًا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا نَزَلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّ إِذَا شَرْطِيَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً.
قَوْلُهُ (جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ)، أَيْ مِنَ الْحَوَادِثِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ وَلَا يَسْمَعُ عُمَرُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ، وَسَيَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ بِلَفْظِ: إِذَا غَابَ وَشَهِدْتُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ يَحْضُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا غِبْتُ وَأَحْضُرُهُ إِذَا غَابَ وَيُخْبِرُنِي وَأُخْبِرُهُ.
قَوْلُهُ (وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أَيْ نَحْكُمُ عَلَيْهِنَّ وَلَا يَحْكُمْنَ عَلَيْنَا، بِخِلَافِ الْأَنْصَارِ فَكَانُوا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: كُنَّا وَنَحْنُ بِمَكَّةَ لَا يُكَلِّمُ أَحَدٌ امْرَأَتَهُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالنِّسَاءِ وَلَا نُدْخِلُهُنَّ فِي أُمُورِنَا.
قَوْلُهُ (فَطَفِقَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقَدْ تَفَتَّحَ أَيْ جَعَلَ أَوْ أَخَذَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُنَّ أَخَذْنَ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ) أَيْ مِنْ سِيرَتِهِنَّ وَطَرِيقَتِهِنَّ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَظَالِمِ مِنْ أَرَبِ بِالرَّاءِ وَهُوَ الْعَقْلُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَفِي
رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ تَزَوَّجْنَا مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْنَ يُكَلِّمْنَنَا وَيُرَاجِعْنَنَا.
قَوْلُهُ (فَسَخِبْتُ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّخَبُ وَالسَّخَبُ الزَّجْرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ فَصِحْتُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مِنَ الصِّيَاحِ وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ، أَيْ أَتَفَكَّرُ فِيهِ وَأُقَدِّرُهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا.
قَوْلُهُ (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أَيْ تُرَادِدَنِي فِي الْقَوْلِ وَتُنَاظِرَنِي فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ؟، وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَذَكَرَهُنَّ اللَّهُ رَأَيْنَ لَهُنَّ بِذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلَامٌ فَأَغْلَظَتْ لِي، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: فَقُمْتُ إِلَيْهَا بِقَضِيبٍ فَضَرَبْتُهَا بِهِ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ (وَلِمَ؟) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ. قَوْلُهُ (تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، وَوَقَعَ فِي الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ غَضْبَانًا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي رِوَايَتُهُ الَّتِي فِي اللِّبَاسِ قَالَتْ: تَقُولُ لِي هَذَا وَابْنَتُكَ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟، وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ فَقُلْتُ: مَتَى كُنْتِ تَدْخُلِينَ فِي أُمُورِنَا؟ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَكَ، وَابْنَتُكَ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ غَضْبَانَ.
قَوْلُهُ (لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلَ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَبِالْجَرِّ فِي اللَّيْلِ أَيْضًا أَيْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَتَّى أَنَّهَا لَتَهْجُرُهُ اللَّيْلَ مُضَافًا إِلَى الْيَوْمِ.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لَهَا قَدْ خَابَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ خَابَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فَقُلْتُ: قَدْ جَاءَتْ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ بِالْجِيمِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْمَجِيءِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا بِعَظِيمٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ فَفِيهَا خَابَتْ وَخَسِرَتْ فَخَابَتْ بِالْخَاءِ الْمُعَجَّمَةِ لِعَطْفِ وَخَسِرَتْ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَغْفَلَ مَنْ جَزَمَ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَنْ فَعَلَتْ فَالتَّذْكِيرُ بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ وَالتَّأْنِيثُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ (ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أَيْ لَبِسْتُهَا جَمِيعَهَا. فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الشَّخْصَ يَضَعَ فِي الْبَيْتِ بَعْضَ ثِيَابِهِ فَإِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ لَبِسَهَا.
قَوْلُهُ (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يَعْنِي ابْنَتَهُ، وَبَدَأَ بِهَا لِمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ (قَالَتْ: نَعَمْ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ إِنَّا لِنُرَاجِعُهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ.
قَوْلُهُ (أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَهْلِكِي؟ كَذَا هُوَ بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فَتَهْلِكِينَ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَظَالِمِ أَفَتَأْمَنِ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ فَتَهْلِكِينَ؟ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ: الصَّوَابُ أَفَتَأْمَنِينَ؟ وَفِي آخِرِهِ فَتَهْلِكِي كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ لِإِمْكَانِ تَوْجِيهِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فَتَهْلَكْنَ بِسُكُونِ الْكَافِ عَلَى خِطَابِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَعِنْدَهُ فَقُلْتُ تَعَلَّمِينَ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ إِنِّي أُحَذِّرُكَ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ.
قَوْلُهُ (لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ ﷺ أَيْ لَا تَطْلُبِي مِنْهُ الْكَثِيرَ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: لَا تُكَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ وَلَا دَرَاهِمُ، فَمَا كَانَ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ حَتَّى دُهْنَةٍ فَسَلِينِي.
قَوْلُهُ (وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) أَيْ لَا تُرَادِدِيهِ فِي الْكَلَامِ وَلَا تَرُدِّي عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَهْجُرِيهِ) أَيْ وَلَوْ هَجَرَكِ.
قَوْلُهُ (مَا بَدَا لَكِ) أَيْ ظَهَرَ لَكِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ
(جَارَتُكِ) أَيْ ضَرَّتُكِ، أَوْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً لَهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَحْمِلَ اللَّفْظُ هُنَا عَلَى مَعْنَيَيْهِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى الضَّرَّةِ جَارَةً لِتَجَاوُرِهِمَا الْمَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِمَا عِنْدَ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِسِّيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ كُنْتُ بَيْنَ جَارَتَيْنِ يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ امْرَأَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ تَسْمِيَتَهَا ضَرَّةً، وَيَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَذْهَبُ مِنْ رِزْقِ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا هِيَ جَارَةٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي صَاحِبَ الرَّجُلِ وَخَلِيطَهُ جَارًا وَتُسَمِّي الزَّوْجَةَ أَيْضًا جَارَةً لِمُخَالَطَتِهَا الرَّجُلَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَارَ عُمَرُ تَسْمِيَتَهَا جَارَةً أَدَبًا مِنْهُ أَنْ يُضَافَ لَفْظُ الضَّرَرِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ (أَوْضَأُ) مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَوْسَمُ بِالْمُهْمَلَةِ مِنَ الْوَسَامَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَالْمُرَادُ أَجْمَلُ كَأَنَّ الْجَمَالَ وَسَمَهُ أَيْ أَعْلَمَهُ بِعَلَامَةٍ.
قَوْلُهُ (وَأَحَبُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَعْنَى لَا تَغْتَرِّي بِكَوْنِ عَائِشَةَ تَفْعَلُ مَا نَهَيْتُكِ عَنْهُ فَلَا يُؤَاخِذُهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تَدِلُّ بِجَمَالِهَا وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا، فَلَا تَغْتَرِّي أَنْتِ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونِي عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا يَكُونُ لَكِ مِنَ الْإِدْلَالِ مِثْلُ الَّذِي لَهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ: وَلَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنَهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهِيَ أَبْيَنُ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ: لَا تَغْتَرِّي بِحُسْنِ عَائِشَةَ وَحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ إِيَّاهَا وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّهُ لَيْسَ لَكِ مِثْلُ حُظْوَةِ عَائِشَةَ وَلَا حُسْنُ زَيْنَبَ يَعْنِي بِنْتَ جَحْشٍ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَالطَّيَالِسِيِّ يُؤَيِّدُ مَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ وَاسْتَحْسَنَهُ مَنْ سَمِعَهُ وَكَتَبُوهُ حَاشِيَةً، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْفَاعِلِ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَهُوَ هَذِهِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ فَهَذِهِ فَاعِلٌ، وَالَّتِي نَعْتٌ، وَحُبٌّ بَدَلُ اشْتِمَالٍ، كَمَا تَقُولُ أَعْجَبَنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَوْمٌ فِيهِ، وَسَرَّنِي زَيْدٌ حُبُّ النَّاسِ لَهُ اهـ.
وَثُبُوتُ الْوَاوِ يَرُدُّ عَلَى رَدِّهِ، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: يَجُوزُ فِي حُبِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ، أَوْ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، قَالَ: وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: حُبٌّ فَاعِلٌ وَحُسْنَهَا بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ وَالتَّقْدِيرُ أَعْجَبَهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ إِيَّاهَا مِنْ أَجْلِ حُسْنِهَا، قَالَ: وَالضَّمِيرُ الَّذِي يَلِي أَعْجَبَهَا مَنْصُوبٌ فَلَا يَصِحُّ بَدَلُ الْحُسْنِ مِنْهُ وَلَا الْحُبِّ، وَزَادَ عُبَيْدٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا يَعْنِي لِأَنَّ أُمَّ عُمَرَ كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً مِثْلَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَوَالِدَةُ عُمَرَ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةَ، فَهِيَ بِنْتُ عَمِّ أُمِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: وَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ خَالَتِي وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا خَالَةً لِكَوْنِهَا فِي دَرَجَةِ أُمِّهِ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ارْتَضَعَتْ مَعَهَا أَوْ أُخْتَهَا مِنْ أُمِّهَا.
قَوْلُهُ (دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) يَعْنِي مِنْ أُمُورِ النَّاسِ، وَأَرَادَتِ الْغَالِبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا: حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهَا كُلِّ شَيْءٍ لَكِنَّهَا لَمْ تَرُدَّهُ. قَوْلُهُ (فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا) أَيْ مَنَعَتْنِي مِنَ الَّذِي كُنْتُ أُرِيدُهُ، تَقُولُ: أَخَذَ فُلَانٌ عَلَى يَدِ فُلَانٍ، أَيْ: مَنَعَهُ عَمَّا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
قَوْلُهُ (كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ) أَيْ أَخَذَتْنِي بِلِسَانِهَا أَخْذًا دَفَعَنِي عَنْ مَقْصِدِي وَكَلَامِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَيْ وَاللَّهِ، إِنَّا لِنُكَلِّمُهُ، فَإِنْ تَحَمَّلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ نَهَانَا عَنْهُ كَانَ أَطْوَعَ عِنْدَنَا مِنْكَ، قَالَ عُمَرُ: فَنَدِمْتُ عَلَى كَلَامِي لَهُنَّ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: مَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَغَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجُكُمْ يَغَرْنَ عَلَيْكُمْ، وَكَانَ الْحَامِلُ لِعُمَرِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ شِدَّةَ شَفَقَتِهِ وَعِظَمِ نَصِيحَتِهِ،
فَكَانَ يَبْسُطُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ لَهُ افْعَلْ كَذَا وَلَا تَفْعَلْ كَذَا، كَقَوْلِهِ احْجُبْ نِسَاءَكَ. وَقَوْلِهِ: لَا تُصَلِّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ نَصِيحَتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: لَئِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ كَمَا أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ لِكَلَامِهَا الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ هُنَا، لَكِنَّ التَّعَدُّدَ أَوْلَى، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَبَلَغَنِي مَا كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ أَقُولُ لَتَكُفُّنَّ الْحَدِيثَ، وَيُؤَيِّدُ التَّعَدُّدَ اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ فِي جَوَابَيْ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تَنْعَلُ الْخَيْلَ) فِي الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ تَنْعَلُ النِّعَالَ أَيْ تَسْتَعْمِلُ النِّعَالَ وَهِيَ نِعَالُ الْخَيْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ الْخَيْلِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وتَنْعَلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَأَنْكَرَ الْجَوْهَرِيُّ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ فَقَالَ: أَنْعَلْتُ الدَّابَّةَ وَلَا تَقُلْ نَعَلْتُ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ. وَحَكَى عِيَاضٌ فِي تَنْعَلُ الْخَيْلَ الْوَجْهَيْنِ، وَغَفَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: الْمَوْجُودُ فِي الْبُخَارِيِّ تَنْعَلُ النِّعَالَ فَاعْتَمَدَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَظَالِمِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الَّتِي هُنَا وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا عِيَاضٌ.
قَوْلُهُ (لِتَغْزُونَا) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، وَفِي رِوَايَتِهِ الَّتِي فِي اللِّبَاسِ: وَكَانَ مَنْ حَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّامِ كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَخْوَفَ عِنْدَنَا مِنْ أَنْ يَغْزُوَنَا مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ.
قَوْلُهُ (فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ)؟ أَيْ فِي الْبَيْتِ، وَذَلِكَ لِبُطْءِ إِجَابَتِهِمْ لَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ أَنَائِمٌ هُوَ؟ وَهِيَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ (فَفَزِعْتُ) أَيْ خِفْتُ مِنْ شِدَّةِ ضَرْبِ الْبَابِ بِخِلَافِ الْعَادَةِ.
قَوْلُهُ (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَجَاءَتْ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ أَجَاءَ الْغَسَّانِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ (لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ) هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمَرَ، لِكَوْنِ حَفْصَةَ بِنْتَهُ مِنْهُنَّ.
قَوْلُهُ (طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ طَلَّقَ بِالْجَزْمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لَعَلَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ سَارَ إِلَيْنَا، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَدْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَسَمَّى الْأَنْصَارِيَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَقَعَ قَوْلُهُ طَلَّقَ مَقْرُونًا بِالظَّنِّ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ (فَقَالَ) يَعْنِي الْأَنْصَارِيَّ (اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَزْوَاجَهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقُلْتُ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ فَهُوَ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ قَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ: فَقُلْتُ جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ اعْتَزَلَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ سِيَاقِ الطَّرِيقِ الْمُعَلَّقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنْتُهُ، وَالْمُوقِعُ فِي ذَلِكَ
إِيرَادُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فِي أَثْنَاءِ الْمَتْنِ الْمُسَاقِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ، فَصَارَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى سِيَاقِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ النَّسَفِيُّ فَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ وَلَا الْقَدْرَ الْمُعَلَّقَ بَلْ قَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَاجْتَزَأَ بِمَا وَقَعَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ فِي الْمَظَالِمِ، وَمِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ، وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ ذِكْرُ الْقَدْرُ الْمُعَلَّقُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ لَمْ تَتَّفِقِ الرِّوَايَاتُ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهَا بِالْمَعْنَى، نَعَمْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
أَنَّ عُمَرَ قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَقِيَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِبَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَاقَى أَبَاهُ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ مَنْزِلِهِ فَأَخْبَرَهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَعَلَّ الْجَزْمَ وَقَعَ مِنْ إِشَاعَةِ بَعْضِ أَهْلِ النِّفَاقِ فَتَنَاقَلَهُ النَّاسُ، وَأَصْلُهُ مَا وَقَعَ مِنِ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ وَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاتِبْ عُمَرُ الْأَنْصَارِيَّ عَلَى مَا جَزَمَ لَهُ بِهِ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا أَسْتَنْبِطُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَالْمَعْنَى لَوْ رَدُّوهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُخْبِرَ بِهِ أَوْ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ كَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَعَلِمُوهُ لِفَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهُ بِاسْتِخْرَاجِهِمْ بِالْفَهْمِ وَالتَّلَطُّفِ مَا يَخْفَى عَنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْإِذَاعَةِ قَوْلُهُمْ وَإِشَاعَتُهُمْ أَنَّهُ طَلَّقَ نِسَاءَهُ بِغَيْرِ تَحَقُّقٍ وَلَا تَثَبُّتٍ حَتَّى شَفَى عُمَرُ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ وَفِي الْمُرَادِ بِالْمُذَاعِ، وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا.
قَوْلُهُ (خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) إِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِمَكَانَتِهَا مِنْهُ لِكَوْنِهَا بِنْتَهُ. وَلِكَوْنِهِ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِتَحْذِيرِهَا مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حَنِينٍ فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ وَكَأَنَّهُ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا كَانَتَا السَّبَبَ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ (قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ) بِكَسْرِ الشِّينِ مِنْ يُوشِكُ أَيْ يَقْرُبُ، وَذَلِكَ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُنَّ قَدْ تَقْضِي إِلَى الْغَضَبِ الْمُفْضِي إِلَى الْفُرْقَةِ.
قَوْلُهُ (فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُثُونَ الْحَصَا وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ فَإِنَّ نُزُولَ الْحِجَابِ كَانَ فِي أَوَّلِ زَوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ آيَةِ التَّخْيِيرِ وَكَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فِيمَنْ خُيِّرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عُمَرَ لَهَا فِي قَوْلِهِ وَلَا حُسْنُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِينَ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَ عُمَرُ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرًا، فَحُضُورُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُشَاهَدَتُهُ لِذَلِكَ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنِ الْحِجَابِ، فَإِنَّ بَيْنَ الْحِجَابِ وَانْتِقَالِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ أَبَوَيْهِ نَحْوَ أَرْبَعِ سِنِينَ، لِأَنَّهُمْ قَدِمُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَآيَةُ التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ لِأَنَّ الْفَتْحَ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَالْحِجَابُ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ مُسْلِمٌ أَيْضًا قَوْلَ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدِي أَجْمَلُ الْعَرَبِ أُمُّ حَبِيبَةَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: نَعَمْ وَأَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي إِنْكَارِهِ، وَأَجَابُوا بِتَأْوِيلَاتٍ
بَعِيدَةٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَأَحْسَنُ مَحَامِلِهِ عِنْدِي أَنْ
يَكُونَ الرَّاوِي لَمَّا رَأَى قَوْلَ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ فَجَزَمَ بِهِ، لَكِنَّ جَوَابَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الدُّخُولِ رَفْعُ الْحِجَابِ فَقَدْ يدخلَ مِنَ الْبَابِ وَتُخَاطِبُهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وَهْمِ الرَّاوِي فِي لَفْظَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يُطْرَحَ حَدِيثُهُ كُلُّهُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ مُشْكِلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَقِبَ مَا خَاطَبَهُ عُمَرُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ تَأَخَّرَ كَلَامُهُ مَعَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَسِيَاقُ غَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَيْفَ يُمْهِلُ عُمَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا لَا يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْبِرْ سَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَقُومَ وَيَرْجِعَ إِلَى الْغُرْفَةِ وَيَسْتَأْذِنَ، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ هَذَا سَهْلٌ، وَهُوَ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَهُ فَنَزَلَ أَيْ بَعْدَ أَنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهٌ عِنْدَ إِرَادَتِهِ النُّزُولَ فَنَزَلَ مَعَهُ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَذَكَّرَهُ كَمَا ذَكَّرَتْهُ عَائِشَةَ كما سَيَأْتِي، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّةِ التَّخْيِيرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الَّتِي قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا فِي الْمَظَالِمِ: وَكَانَ مَنْ حَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ إِلَّا مَلِكَ غَسَّانَ بِالشَّامِ فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ مَضَى فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ
سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ اهـ. وَالْفَتْحُ كَانَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَرُجُوعُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا فَلِهَذَا كَانَتْ سَنَةُ تِسْعٍ تُسَمَّى سَنَةَ الْوُفُودِ لِكَثْرَةِ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَظَهَرَ أَنَّ اسْتِقَامَةَ مَنْ حَوْلَهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ كَانَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وهو المعتمد.
قَوْلُهُ (وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي) فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ أَنَّهُ: دَخَلَ أَوَّلًا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَلَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ وَهِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ، أَيْ: عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ وَمَوْضِعِ سِرِّكَ، وَأَصْلُ الْعَيْبَةِ الْوِعَاءُ الَّذِي تُجْعَلُ فِيهِ الثِّيَابُ وَنَفِيسُ الْمَتَاعِ، فَأَطْلَقَتْ عَائِشَةُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا عَيْبَةُ عُمَرَ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ، وَمُرَادُهَا عَلَيْكَ بِوَعْظِ ابْنَتِكَ.
قَوْلُهُ (أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ لِمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا مِنَ الْحُزْنِ عَلَى فِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِمَا تَتَوَقَّعُهُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِ أَبِيهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ لَهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ طَلَّقَكِ لَا أُكَلِّمُكِ أَبَدًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُهُ وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ لِي: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ وَقَيْسٌ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَنَحْوُهُ عِنْدَهُ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ (هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ) فِي رِوَايَةِ سَمَاكٍ فَقُلْتُ لَهَا أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَشْرُبَةِ وَتَفْسِيرُهَا فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَأَنَّهَا بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا وَجَمْعُهَا مَشَارِبُ وَمَشْرُبَاتٌ.
قَوْلُهُ (فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُثُونَ بِالْحَصَا أَيْ يَضْرِبُونَ بِهِ الْأَرْضَ كَفِعْلِ الْمَهْمُومِ الْمُفَكِّرِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ غَلَبَنِي
مَا أَجِدُ) أَيْ مِنْ شُغُلِ قَلْبِهِ بِمَا بَلَغَهُ مِنِ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَضَبٍ مِنْهُ، وَلِاحْتِمَالِ صِحَّةِ مَا أُشِيعَ مِنْ تَطْلِيقِ نِسَائِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهِنَّ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ فَتَنْقَطِعُ الْوُصْلَةُ بَيْنَهُمَا، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ مَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ وَغُلَامٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدَ عَلَى رَأْسِ الْعَجَلَةِ وَاسْمُ هَذَا الْغُلَامِ رَبَاحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ سَمَّاهُ سِمَاكٌ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَفْظُهُ: فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَنْحَدِرُ، وَعُرِفَ بِهَذَا تَفْسِيرُ الْعَجَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي في حَدِيث أَبِي الضُّحَى الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيه بَحْث فِي ذَلِكَ. وَالْأُسْكُفَّةُ فِي رِوَايَتِهِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ ثُمَّ فَاءٌ مُشَدَّدَةٌ هِيَ عَتَبَةُ الْبَابِ السُّفْلَى، وَقَوْلُهُ عَلَى نَقِيرٍ بِنُونٍ ثُمَّ قَافٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ أَيْ مَنْقُورٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِفَاءٍ بَدَلَ النُّونِ وَهُوَ الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ فِقَرٌ كَالدَّرَجِ.
قَوْلُهُ (اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَوْلُهُ (فَصَمَتَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ سَكَتَ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَعَادَ الذَّهَابَ وَالْمَجِيءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ بَلْ ظَاهِرُ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ أَعَادَ الِاسْتِئْذَانَ فَقَطْ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَانَ نَائِمًا، أَوْ ظَنَّ أَنَّ عُمَرَ جَاءَ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَى أَزَوَاجِهِ لِكَوْنِ حَفْصَةَ ابْنَتِهِ مِنْهُنَّ.
قَوْلُهُ (فَنَكَسْتُ مُنْصَرِفًا) أَيْ رَجَعْتُ إِلَى وَرَائِي (فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي)، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا وَهَذَا يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ فِي حَقِّ ابْنَتِهِ بِمَا قَالَ كَانَ أَبْعَدَ أَنْ يَسْتَعْطِفَهُ لِضَرَائِرِهَا.
قَوْلُهُ (فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُضَمُّ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَلَى رَمْلٍ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّسْجُ تَقُولُ رَمَلْتُ الْحَصِيرَ وَأَرْمَلْتُهُ إِذَا نَسَجْتُهُ وَحَصِيرٌ مَرْمُولٌ أَيْ مَنْسُوجٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ سَرِيرَهُ كَانَ مَرْمُولًا بِمَا يُرْمَلُ بِهِ الْحَصِيرُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ عَلَى حَصِيرٍ وَقَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي جَنْبِهِ وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ حَصِيرًا تَغْلِيبًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: رِمَالُ الْحَصِيرِ ضُلُوعُهُ الْمُتَدَاخِلَةُ بِمَنْزِلَةِ الْخُيُوطِ فِي الثَّوْبِ، فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ اسْمُ جَمْعٍ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْتُهُ أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى نَسْجِ السَّرِيرِ حَصِيرًا.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ: وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَمَّا ظَنَّ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الِاعْتِزَالَ طَلَاقٌ أَوْ نَاشِئٌ عَنْ طَلَاقٍ أَخْبَرَ عُمَرَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ جَازِمًا بِهِ، فَلَمَّا اسْتَفْسَرَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ حَقِيقَةً كَبَّرَ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَبَّرَ اللَّهَ حَامِدًا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فَكَبَّرَ عُمَرُ تَكْبِيرَةً سَمِعْنَاهَا وَنَحْنُ فِي بُيُوتِنَا، فَعَلِمْنَا أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَقَالَ لَا فَكَبَّرَ، حَتَّى جَاءَنَا الْخَبَرُ بَعْدُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُثُونَ الْحَصَا يَقُولُونَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ وَفِيهِ فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ اسْتِفْهَامًا بِطَرِيقِ الِاسْتِئْذَانِ،
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ لِلِاسْتِفْهَامِ فَيَكُونُ أَصْلُهُ بِهَمْزَتَيْنِ تُسَهَّلُ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ تُحْذَفُ تَخْفِيفًا وَمَعْنَاهُ انْبَسَطَ فِي الْحَدِيثِ وَاسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ لِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بِنْتَهُ كَانَتِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فَخَشِيَ أَنْ يَلْحَقَهُ هُوَ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْتَبَةِ، فَبَقِيَ كَالْمُنْقَبِضِ عَنْ الِابْتِدَاءِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى اسْتَأْذَنَ فِيهِ.
قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ) فَسَاقَ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّ قَوْلَهُ أَسْتَأْنِسُ بَعْدَ سِيَاقِ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - فَسَاقَ الْقِصَّةَ - فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا يُعَيِّنُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي الِاسْتِئْنَاسِ فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ فِيهِ جَلَسَ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَةً أُخْرَى) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ حَالَ دُخُولِي عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قُلْتُ لَحَفْصَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ فَضَحِكَ وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى كَشَّرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ﷺ وَقَوْلُهُ تَحَسَّرَ بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ تَكَشَّفَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ كَشَّرَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيْ أَبْدَى أَسْنَانَهُ ضَاحِكًا، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: كَشَّرَ وَتَبَسَّمَ وَابْتَسَمَ وَافَتَرَّ بِمَعْنًى، فَإِذَا زَادَ قِيلَ قَهْقَهَ وَكَرْكَرَ، وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ ﷺ: كَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا.
قَوْلُهُ (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَسُّمَةً) بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ تَبْسِيمَةً.
قَوْلُهُ (فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ) أَيْ نَظَرْتُ فِيهِ.
قَوْلُهُ (غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثَلَاثٍ، الْأَهَبَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا بِمَعْنَى الْأُهُبِ وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ وَهُوَ جَمْعُ إِهَابٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَقِيلَ هُوَ الْجِلْدُ مُطْلَقًا دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا جِلْدٌ شُرِعَ فِي دَبْغِهِ وَلَمْ يَكْمُلْ، لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ فَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ وَالْأَفِيقُ بِوَزْنِ عَظِيمٍ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ دِبَاغُهُ، يُقَالُ أَدَمٌ وَأَدِيمٌ، وَأَفَقٌ وَأَفِيقٌ، وَإِهَابٌ وَأَهَبٌ، وَعِمَادٌ وَعَمُودٌ وَعُمُدٌ، وَلَمْ يَجِئْ فَعِيلٌ وَفَعُولٌ عَلَى فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ فِي الْجَمْعِ إِلَّا هَذِهِ الْأَحْرُفُ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَجِيءَ فُعُلٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَأَنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا - بِقَافٍ وَظَاءٍ مُعْجَمَةٍ - مَصْبُوبًا بِمُوَحَّدَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَصْبُورًا بِرَاءٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ مَضْبُورًا بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْمَصْبُورِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ الْمَجْمُوعُ، وَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَصْبُوبًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَثِرٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وِعَاءٍ بَلْ هُوَ مَصْبُوبٌ مُجْتَمِعٌ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ فَنَظَرْتُ فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ.
قَوْلُهُ (ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ وَمَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِيَ لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ: وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ.
قَوْلُهُ (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ)؟ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَالْمَعْنَى أَأَنْتَ فِي شَكٍّ فِي أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا؟ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ﷺ ظَنَّ أَنَّهُ بَكَى مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَهُوَ غَضَبُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى اعْتَزَلَهُنَّ، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ أَمْرَ الدُّنْيَا أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ.
قَوْلُهُ (إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ قَدْ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: أَلَا تَرْضَى أَنْ
تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ لِتَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ، وَالْأُخْرَى بِإِرَادَتِهِمَا وَمَنْ تَبِعَهُمَا أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا، زَادَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ فَقُلْتُ: بَلَى.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي) أَيْ عَنْ جَرَاءَتِي بِهَذَا الْقَوْلِ بِحَضْرَتِكَ، أَوْ عَنِ اعْتِقَادِي أَنَّ التَّجَمُّلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مَرْغُوبٌ فِيهَا، أَوْ عَنْ إِرَادَتِي مَا فِيهِ مُشَابَهَةُ الْكُفَّارِ فِي مَلَابِسِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ.
قَوْلُهُ (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ لَمْ يُفَسِّرِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ، وَفِيهِ أَيْضًا وَكَانَ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ وَهَذَا أَيْضًا مُبْهَمٌ وَلَمْ أَرَهُ مُفَسَّرًا، وَكَانَ اعْتِزَالُهُ فِي الْمَشْرُبَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، فَأَفَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ فِي كِتَابِهِ أَخْبَارُ الْمَدِينَةِ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَشْرُبَةِ وَيَقِيلُ عِنْدَ أَرَاكَةٍ عَلَى خَلْوَةِ بِئْرٍ كَانَتْ هُنَاكَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَاتَبَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الْآيَاتِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعُوتِبَ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ حَلِفِهِ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ الْعَسَلُ كَمَا مَضَى فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
وَذَكَرْتُ فِي التَّفْسِيرِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ فِي تَحْرِيمِ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَا يَجْمَعُ الْقَوْلَيْنِ وَفِيهِ: أَنَّ حَفْصَةَ أُهْدِيَتْ لَهَا عُكَّةٌ فِيهَا عَسَلٌ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَبَسَتْهُ حَتَّى تُلْعِقَهُ أَوْ تَسْقِيَهُ مِنْهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِجَارِيَةٍ عِنْدَهَا حَبَشِيَّةٍ يُقَالُ لَهَا خَضْرَاءُ: إِذَا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَانْظُرِي مَا يَصْنَعُ، فَأَخْبَرَتْهَا الْجَارِيَةُ بِشَأْنِ الْعَسَلِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى صَوَاحِبِهَا فَقَالَتْ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكُنَّ فَقُلْنَ: إِنَّا نَجْدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، فَقَالَ: هُوَ عَسَلٌ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حَفْصَةَ اسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَأْتِيَ أَبَاهَا فَأَذِنَ لَهَا فَذَهَبَتْ فَأَرْسَلَ إِلَى جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ فَأَدْخَلَهَا بَيْتَ حَفْصَةَ، قَالَتْ حَفْصَةُ فَرَجَعْتُ فَوَجَدْتُ الْبَابَ مُغْلَقًا فَخَرَجَ وَوَجْهُهُ يَقْطُرُ وَحَفْصَةُ تَبْكِي، فَعَاتَبَتْهُ فَقَالَ: أُشْهِدُكِ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ، انْظُرِي لَا تُخْبِرِي بِهَذَا امْرَأَةً وَهِيَ عِنْدَكِ أَمَانَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ قَرَعَتْ حَفْصَةُ الْجِدَارَ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَلَا أُبَشِّرُكِ؟ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، فَنَزَلَتْ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: خَرَجَتْ حَفْصَةُ مِنْ بَيْتِهَا يَوْمَ عَائِشَةَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِجَارِيَتِهِ الْقِبْطِيَّةِ بَيْتَ حَفْصَةَ فَجَاءَتْ فَرَقَبَتْهُ حَتَّى خَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ لَهُ: أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعْتَ، قَالَ: فَاكْتُمِي عَلَيَّ وَهِيَ حَرَامٌ، فَانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَمَّا يَوْمِي فَتَعْرِضُ فِيهِ بِالْقِبْطِيَّةِ وَيَسْلَمُ لِنِسَائِكَ سَائِرُ أَيَّامِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ وَجَاءَ فِي ذَلِكَ ذِكْرُ قَوْلٍ ثَالِثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيْتَهَا فَوَجَدَتْ مَعَهُ مَارِيَةَ فَقَالَ: لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبَشِّرْكِ بِبِشَارَةٍ، إِنَّ أَبَاكَ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أَنَا مِتُّ، فَذَهَبَتْ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ أَنْ يُحَرِّمَ مَارِيَةَ فَحَرَّمَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: أَمَرْتُكِ أَلَّا تُخْبِرِي عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتِهَا، فَعَاتَبَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعَاتِبْهَا عَلَى
أَمْرِ الْخِلَافَةِ، فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ، وَجَاءَ فِي سَبَبِ غَضَبِهِ مِنْهُنَّ وَحَلِفِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا
قِصَّةٌ أُخْرَى، فَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ نَصِيبَهَا، فَلَمْ تَرْضَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ بِنَصِيبِهَا فَزَادَهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ تَرْضَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ أَقْمَأَتْ وَجْهَكَ تَرُدُّ عَلَيْكَ الْهَدِيَّةَ، فَقَالَ: لَأَنْتُنَّ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ تُقْمِئْنَنِي، لَا أَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ شَهْرًا الْحَدِيثَ. وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: ذَبَحَ ذَبْحًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى زَيْنَبَ بِنَصِيبِهَا فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ زِيدُوهَا ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ تَرُدُّهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ بِبَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا فَذَكَرَ نُزُولَ آيَةِ التَّخْيِيرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ.
وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَسَعَةِ صَدْرِهِ وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ. وَقَصَّرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَنَسَبَ قِصَّةَ الذَّبْحِ لِابْنِ حَبِيبٍ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ وَهِيَ مُسْنَدَةٌ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَأَبْهَمَ قِصَّةَ النَّفَقَةِ وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا قِصَّةُ مَارِيَةَ لِاخْتِصَاصِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِهَا بِخِلَافِ الْعَسَلِ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُنَّ كَمَا سَيَأْتِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ جَمِيعُهَا اجْتَمَعَتْ فَأُشِيرَ إِلَى أَهَمِّهَا، وَيُؤَيِّدُهُ شُمُولُ الْحَلِفِ لِلْجَمِيعِ وَلَوْ كَانَ مَثَلًا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ فَقَطْ لَاخْتَصَّ بِحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ. وَمَنِ اللَّطَائِفِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الشَّهْرِ مَعَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْهَجْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَنَّ عِدَّتَهُنَّ كَانَتْ تِسْعَةً فَإِذَا ضُرِبَتْ فِي ثَلَاثَةٍ كَانَتْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ وَالْيَوْمَانِ لِمَارِيَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَمَةً فَنَقَصَتْ عَنِ الْحَرَائِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) الْعَدَدُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ قَالَ مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا أَيْ حَلَفَ أَوْ أَقْسَمَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيلَاءَ الَّذِي فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اتِّفَاقًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلَفْظِ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ لَمْ يُعَبِّرُوا بِلَفْظِ الْإِيلَاءِ.
قَوْلُهُ (مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ) أَيْ غَضَبِهِ.
قَوْلُهُ (دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) فِيهِ أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ حَضَرَ يَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ وَلَا أَنْ يُقْرِعَ، كَذَا قِيلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَاءَةُ بِعَائِشَةَ لِكَوْنِهِ اتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَهَا.
قَوْلُهُ (فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ عُمَرَ ذَكَّرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَّرَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْغُرْفَةِ وَعَائِشَةُ ذَكَّرَتْهُ بِذَلِكَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهُمَا تَوَارَدَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَقُلْنَا فَظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يُوهِمُ أَنَّهُ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Хишам — это сын Юсуфа ас-Санъани.
Его слова (قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ) означают «возраст молодой рабыни, близкий к детскому». Я уже разъяснял в комментарии к тексту в разделе об Ид аль-Фитр и Ид аль-Адха, что в тот день ей было пятнадцать лет или больше. В риваяте Муслима от передачи Амра ибн аль-Хариса от аз-Зухри говорится о арабской рабыни; слово «الْجَارِيَةُ» здесь с фатхой на мухаммаде и касрой после неё — в единственном числе. Ранее было дано его толкование в описании Рая с начала творения.
83 — ГЛАВА: НАСТАВЛЕНИЕ МУЖА СВОЕЙ ДОЧЕРИ ОТНОСИТЕЛЬНО ПОВЕДЕНИЯ ЕЁ С МУЖЕМ
5191 — Передал нам Абу аль-Яман, сообщил нам Шуайб от аз-Зухри, который сказал: сообщил мне Убайд Аллах ибн Абдуллах ибн Аби Тавр от Ибн Аббаса ﷺ, что он всегда стремился спросить у Умара ибн аль-Хаттаба о двух женщинах из жён Пророка ﷺ, о которых сказал Аллах Всевышний: «Если вы обе покаетесь перед Аллахом, то сердца ваши смягчились» (Коран, сура ат-Тахрим, аят 5), пока не совершил хадж, и я совершил хадж вместе с ним, и он отправился в путь, и я отправился с ним с посохом. Тогда он омылся, и я вылил воду на его руки, и он совершил омовение. Я спросил его: «О, Амир аль-Муминин, кто эти две женщины из жён Пророка ﷺ, о которых сказал Аллах: „Если вы обе покаетесь перед Аллахом, то сердца ваши смягчились“?» Он ответил: «Удивляюсь тебе, о сын Аббаса! Это Айша и Хафса». Затем Умар начал рассказывать историю, говоря: «Я был соседом из ансаров в племени Бани Умайя ибн Зайд, которые были из высших слоёв Медины, и мы по очереди посещали Пророка ﷺ, то он приходил ко мне, то я к нему. Когда я приходил, я приносил ему новости о том дне, о ниспослании или о другом. И когда он приходил, он делал то же самое. Мы, курайшиты, превосходили женщин, а когда мы пришли к ансарам, там женщины превосходили мужчин, и наши жёны стали перенимать манеры жен ансаров. Я строго отнёсся к своей жене, и она возражала мне, а я не хотел, чтобы она возражала. Она сказала: „Почему ты не хочешь, чтобы я возражала? Клянусь Аллахом, жёны Пророка ﷺ возражали ему, и одна из них сегодня избегает его до ночи“. Это меня встревожило, и я сказал ей: „Погибли те, кто так поступал из них“. Затем я собрал свои одежды и спустился к Хафсе. Я сказал ей: „О Хафса, разве одна из вас сердится на Пророка ﷺ сегодня до ночи?“ Она ответила: „Да“. Я сказал: „Ты потерпела неудачу и убыток. Не боишься ли, что Аллах разгневается из-за гнева Посланника Аллаха ﷺ, и ты погибнешь? Не преувеличивай в отношении Пророка ﷺ, не возражай ему и не избегай его, и спрашивай меня о том, что тебе непонятно. Пусть тебя не обманывает, если твоя соседка грязнее тебя и более любима Пророком ﷺ, она желает Айшу“. Умар сказал: „Мы уже говорили о том, что Гассан наделяет лошадей обувью, чтобы нападать на нас“. В день его дежурства мой друг из ансаров пришёл к нам вечером и сильно постучал в дверь, спросив: „Есть ли кто?“ Я испугался и вышел к нему. Он сказал: „Сегодня случилось великое событие“. Я спросил: „Что это? Пришёл Гассан?“ Он ответил: „Нет, это гораздо важнее и страшнее“. Пророк ﷺ развёлся со своими жёнами. Убайд ибн Хунайн сказал: „Ибн Аббас слышал от Умара, что Пророк ﷺ отстранился от своих жён“. Я сказал: „Хафса потерпела неудачу и убыток, и я думал, что это скоро произойдёт“. Я собрал свои одежды и совершил с Пророком ﷺ утреннюю молитву. Пророк ﷺ вошёл в свою комнату и отстранился там. Я зашёл к Хафсе, и она плакала. Я спросил: „Что тебя заставляет плакать? Разве я не предупреждал тебя об этом? Разве Пророк ﷺ не развёлся с вами?“ Она ответила: „Не знаю, он сейчас уединён в комнате“. Я вышел и пришёл к минбару, где собралась группа людей, некоторые из них плакали. Я сел с ними немного, но меня охватило то, что я чувствовал, и я вернулся к комнате, где был Пророк ﷺ. Я сказал своему чёрному слуге: „Попроси разрешения у Умара“. Слуга вошёл и поговорил с Пророком ﷺ, затем вышел и сказал: „Я говорил с Пророком ﷺ и упомянул тебя, он молчал“. Я сел с людьми у минбара, но меня снова охватило то, что я чувствовал, и я снова попросил слугу просить разрешения у Умара. Слуга вошёл, вышел и сказал то же самое. Я снова сел с людьми, меня снова охватило то, что я чувствовал, и я в третий раз попросил слугу просить разрешения у Умара. Слуга вошёл, вышел и сказал: „Я упомянул тебя, он молчал“. Когда я уже собирался уходить, слуга позвал меня и сказал: „Пророк ﷺ разрешил тебе“. Я вошёл к Посланнику Аллаха ﷺ, и он лежал на песке на циновке, между ним и циновкой не было никакой постели, он опирался на подушку из кожи с наполнением из пальмовых волокон. Я поздоровался с ним и сказал стоя: „О Посланник Аллаха, развёл ли ты своих жён?“ Он поднял на меня взгляд и сказал: „Нет“. Я сказал: „Аллах велик“. Затем, стоя, я сказал, чтобы утешить его: „О Посланник Аллаха, если бы ты видел меня, когда мы, курайшиты, превосходили женщин, а когда мы пришли в Медину, там люди, которых превосходят их женщины“. Пророк ﷺ улыбнулся. Затем я сказал: „О Посланник Аллаха, если бы ты видел меня, когда я вошёл к Хафсе и сказал ей: „Пусть тебя не обманывает, если твоя соседка грязнее тебя и более любима Пророком ﷺ, она желает Айшу““. Пророк ﷺ улыбнулся снова. Я сидел, когда увидел его улыбку, и поднял взгляд на его дом. Клянусь Аллахом, я не видел в его доме ничего, что могло бы отвлечь взгляд, кроме трёх ковров. Я сказал: „О Посланник Аллаха, молись Аллаху, чтобы Он расширил удел твоей уммы, ведь персы и римляне получили расширение и дары в этом мире, хотя не поклоняются Аллаху“. Пророк ﷺ сидел, опираясь, и сказал: „Ты верен в этом, о сын аль-Хаттаба! Эти люди — те, кому поспешили дать блага в этой жизни“. Я сказал: „О Посланник Аллаха, прости меня“. Пророк ﷺ отстранился от своих жён из-за этого разговора, когда Хафса распространила его среди Айши на двадцать девять ночей. Он сказал: „Я не входил к ним месяц из-за тяжести, которую испытывал к ним, когда Аллах упрекнул его ﷿“. Когда прошло двадцать девять ночей, он вошёл к Айше и начал с неё. Айша сказала ему: „О Посланник Аллаха, ты поклялся, что не войдёшь к нам месяц, а сегодня двадцать девять ночей, и я считаю это месяцем“. Он ответил: „Месяц — это двадцать девять ночей“. Айша сказала: „Затем Аллах ниспослал аят о выборе, и Он начал со мной как с первой из своих жён, и я выбрала его, затем Он дал выбор всем своим жёнам, и они сказали то же, что сказала Айша“.
Слова (بَابُ مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا) означают „ради её мужа“.
Слова (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) в риваяте Убайда ибн Хунайна, упомянутом в толковании запрета от Ибн Аббаса, означают: „Я оставался год, желая спросить Умара“.
Слова (عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ) в риваяте Убайда относятся к аяту.
Слова (اللَّتَيْنِ) встречаются во всех рукописях во множественном числе, и Ибн ат-Тин, который встретил их в единственном числе, ошибся и сказал, что правильно — во множественном числе. Я считаю, что если бы текст был сохранён, можно было бы направить его иначе.
Слова (حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ) в риваяте Убайда означают: „Я не мог спросить его из-за его величия, пока он не отправился в хадж“. В риваяте Язида ибн Румана у Ибн Мардуйи от Ибн Аббаса говорится: „Я хотел спросить Умара, но боялся его, пока мы не совершили хадж вместе. Когда мы завершили хадж, он сказал: „Добро пожаловать, сын двоюродного брата Посланника Аллаха ﷺ, в чём твоя нужда?““
Слова (وَعَدَلَ) означают „по прямому пути, ведущему к пути, который обычно не выбирают, чтобы выполнить обязанность хаджа“.