النَّبِيِّ ﷺ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا قَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلًا سَدِيدًا وَسَدَادًا صِدْقًا"
٦٤٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ قَدْ أُرِيتُ الْآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَصْدِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، هُوَ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْمُعْتَدِلَةِ أَيِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمْ فَسَّرُوا السَّدَادَ بِالْقَصْدِ وَبِهِ تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ)؛ أَيِ الصَّالِحِ، ذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا مُكَرَّرٌ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضٍ، وَمُحَصَّلُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْحَثُّ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَإِنْ قَلَّ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَقِصَّةُ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي صَلَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَالثَّانِي ذُكِرَ اسْتِطْرَادًا وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالتَّرْجَمَةِ أَيْضًا، وَالثَّالِثُ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْضًا بَطَرِيقٍ خَفِيٍّ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَشْعَثُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا الشَّعْثَاءِ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ مِنْ كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَالْمُرَادُ بِالصَّارِخِ الدِّيكُ. وَقَوْلُهُ هُنَا: قُلْتُ فِي أَيِّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَيُّ حِينٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ، وَأَعْقَبَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بِلَفْظِ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى اخْتَصَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِيهِ: قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي فَذَكَرَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَهَذَا يُفَسِّرُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِي الَّذِي بَعْدَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُنَجِّيهُ عَمَلُهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَمْ يُدْخِلْ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَهُوَ كَلَفْظِ عَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ هُنَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنَجِّيهُ عَمَلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ: لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُنَجِّي أَيْ يُخَلِّصُ، وَالنَّجَاةُ مِنَ الشَّيْءِ التَّخَلُّصُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَا مُحَصَّلُهُ أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ تُنَالُ الْمَنَازِلُ فِيهَا بِالْأَعْمَالِ، فَإِنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَعْمَالِ، وَأَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالْخُلُودِ فِيهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ قَوْلَهُ - تَعَالَى - ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَصَرَّحَ بِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ أَيْضًا بِالْأَعْمَالِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ بَيَّنَهُ الْحَدِيثُ، وَالتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا مَنَازِلَ الْجَنَّةِ وَقُصُورَهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَصْلَ الدُّخُولِ.
ثُمَّ قَالَ:
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُفَسِّرًا لِلْآيَةِ، وَالتَّقْدِيرُ ادْخُلُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَكُمْ وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ اقْتِسَامَ مَنَازِلِ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ، وَكَذَا أَصْلُ دُخُولِ الْجَنَّةِ هُوَ بِرَحْمَتِهِ حَيْثُ أَلْهَمَ الْعَامِلِينَ مَا نَالُوا بِهِ ذَلِكَ، وَلَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ مُجَازَاتِهِ لِعِبَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمُ ابْتِدَاءً بِإِيجَادِهِمْ ثُمَّ بِرِزْقِهِمْ ثُمَّ بِتَعْلِيمِهِمْ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: طَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْحَدِيثَ فَسَّرَ مَا أُجْمِلَ فِي الْآيَةِ، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ الْأَخِيرِ، وَأَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَوْفِيقُهُ لِلْعَمَلِ وَهِدَايَتُهُ لِلطَّاعَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْعَامِلُ بِعَمَلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَتَحَصَّلُ عَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَوْلَا رَحْمَتُ اللَّهِ السَّابِقَةُ مَا حَصَلَ الْإِيمَانُ وَلَا الطَّاعَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّجَاةُ. الثَّانِي: أَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَعَمَلُهُ مُسْتَحَقٌّ لِمَوْلَاهُ، فَمَهْمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَزَاءِ فَهُوَ مِنْ فَضْلِهِ. الثَّالِثُ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ نَفْسَ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَاقْتِسَامَ الدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ. الرَّابِعُ: أَنَّ أَعْمَالَ الطَّاعَاتِ كَانَتْ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَالثَّوَابُ لَا يَنْفَدُ فَالْإِنْعَامُ الَّذِي لَا يَنْفَدُ فِي جَزَاءِ مَا يَنْفَدُ بِالْفَضْلِ لَا بِمُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لَيْسَت لِلسَّبَبِيَّةِ؛ بَلْ لِلْإِلْصَاقِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ، أَيْ أُورِثْتُمُوهَا مُلَابَسَةً أَوْ مُصَاحَبَةً، أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ نَحْوَ أُعْطِيتُ الشَّاةَ بِالدِّرْهَمِ، وَبِهَذَا الْأَخِيرِ جَزَمَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي فَسَبَقَ إِلَيْهِ فَقَالَ: تَرِدُ الْبَاءُ لِلْمُقَابَلَةِ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَعْوَاضِ، كَاشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ، وَمِنْهُ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَإِنَّمَا لَمْ تُقَدَّرْ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكَمَا قَالَ الْجَمِيعُ فِي: لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا بِخِلَافِ الْمُسَبَّبِ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ، قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ يَنْتَفِي التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ.
قُلْتُ: سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ فِي كِتَابِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: الْبَاءُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلدُّخُولِ غَيْرُ الْبَاءِ الْمَاضِيَةِ، فَالْأُولَى السَّبَبِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ سَبَبُ الدُّخُولِ الْمُقْتَضِيَةُ لَهُ كَاقْتِضَاءِ سَائِرِ الْأَسْبَابِ لِمُسَبَّبَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ: بِالْمُعَاوَضَةِ نَحْوَ اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بِكَذَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ أَحَدٍ، وَأَنَّهُ لَوْلَا رَحْمَتُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ لَمَا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهِ وَلَوْ تَنَاهَى لَا يُوجِبُ بِمُجَرَّدِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يُقَاوِمُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ بَلْ جَمِيعُ الْعَمَلِ لَا يُوَازِي نِعْمَةً وَاحِدَةً، فَتَبْقَى سَائِرُ نِعَمِهِ مُقْتَضِيَةً لِشُكْرِهَا وَهُوَ لَمْ يُوَفِّهَا حَقَّ شُكْرِهَا، فَلَوْ عَذَّبَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَعَذَّبَهُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ، وَإِذَا رَحِمَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي ذِكْرِ الْقَدَرِ فَفِيهِ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمُ، الْحَدِيثَ، قَالَ: وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ مَعَ الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ الْأَعْمَالُ سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ عِوَضُ الْعَمَلِ، وَأَنَّهَا ثَمَنُهُ، وَأَنَّ دُخُولَهَا بِمَحْضِ الْأَعْمَالِ، وَالْحَدِيثُ يُبْطِلُ دَعْوَى الطَّائِفَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ بِالْعَمَلِ، وَالْإِدْخَالُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْإِرْثِ بِالْعَمَلِ، وَهَذَا إِنْ مَشَى فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لَمْ يَمْشِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَيَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَلٌ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْعَامِلُ دُخُولَ الْجَنَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْرُ الْقَبُولِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ لِمَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أَيْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَقْبُولِ، وَلَا يَضُرُّ بَعْدَ هَذَا أَنْ تَكُونَ
الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلْإِلْصَاقِ أَوِ الْمُقَابَلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً.
ثُمَّ رَأَيْتُ النَّوَوِيَّ جَزَمَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَاتِ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَةَ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولَهَا إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ، وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ وَهُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
وَرَدَّ الْكَرْمَانِيُّ الْأَخِيرَ بِأَنَّهُ خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ إِثَابَةَ اللَّهِ - تَعَالَى - مَنْ أَطَاعَهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ انْتِقَامُهُ مِمَّنْ عَصَاهُ بِعَدْلٍ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ وَاحدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَلَهُ ﷾ أَنْ يُعَذِّبَ الطَّائِعَ وَيُنَعِّمَ الْعَاصِيَ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ لَا خُلْفَ فِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُقَوِّي مَقَالَتَهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَثْبَتُوا بِعُقولِهِمْ أَعْوَاضَ الْأَعْمَالِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ خَبْطٌ كَثِيرٌ وَتَفْصِيلٌ طَوِيلٌ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ)؟ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَالَ رَجُلٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْقَائِلِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِذَا كَانَ كُلُّ النَّاسِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَقْطُوعًا لَهُ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ فَغَيْرُهُ يَكُونُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قُلْتُ: وَسَبَقَ إِلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى الرَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ: لَمَّا كَانَ أَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الطَّاعَةِ أَعْظَمَ وَعَمَلُهُ فِي الْعِبَادَةِ أَقَوْمَ قِيلَ لَهُ: وَلَا أَنْتَ؛ أَيْ لَا يُنَجِّيكَ عَمَلُكَ مَعَ عِظَمِ قَدْرِهِ، فَقَالَ: لَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ وَرَدَ جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَنِي.
قَوْلُهُ: (بِرَحْمَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ: بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ: مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ بِيَدِهِ هَكَذَا: وَأَشَارَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ مَعْنَى يَتَغَمَّدَنِي قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالتَّغَمُّدِ السَّتْرُ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا مَأْخُوذًا مِنْ غَمْدِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّكَ إِذَا أَغْمَدْتَ السَّيْفَ فَقَدْ أَلْبَسْتَهُ الْغِمْدَ وَسَتَرْتَهُ بِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى عَمَلِهِ فِي طَلَبِ النَّجَاةِ وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَمِلَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمَعْصِيَةَ بِعِصْمَةِ اللَّهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (سَدِّدُوا) فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا، وَمَعْنَاهُ اقْصِدُوا السَّدَادَ؛ أَيِ الصَّوَابَ، وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِنَ النَّفْيِ الْمَذْكُورِ نَفْيُ فَائِدَةِ الْعَمَلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُدْخِلُ الْعَامِلَ الْجَنَّةَ، فَاعْمَلُوا وَاقْصِدُوا بِعَمَلِكُمُ الصَّوَابَ؛ أَيِ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَغَيْرِهِ لِيَقْبَلَ عَمَلَكُمْ فَيُنْزِلَ عَلَيْكُمُ الرَّحْمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَارِبُوا)؛ أَيْ لَا تُفْرِطُوا فَتُجْهِدُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ بِكُمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَلَالِ فَتَتْرُكُوا الْعَمَلَ فَتُفَرِّطُوا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ وَلَكِنْ صَوَّبَ إِرْسَالَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفٌ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبْغِضُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عِبَادَةَ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى، وَالْمُنْبَتُّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ؛ أَيِ الَّذِي عَطِبَ مَرْكُوبُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّيْرِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ؛ أَيْ صَارَ مُنْقَطِعًا لَمْ يَصِلْ إِلَى مَقْصُودِهِ وَفَقَدَ مَرْكُوبَهُ الَّذِي كَانَ يُوَصِّلُهُ لَوْ رَفَقَ بِهِ. وَقَوْلُهُ أَوْغِلُوا بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْوُغُولِ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: (وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْئًا مِنَ الدُّلْجَةِ) فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَخَطًّا مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْغُدُوِّ
السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَبِالرَّوَاحِ السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ، وَالدُّلْجَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبَعْدَ اللَّامِ جِيمٌ سَيْرُ اللَّيْلِ يُقَالُ: سَارَ دُلْجَةً مِنَ اللَّيْلِ؛ أَيْ سَاعَةً فَلِذَلِكَ قَالَ: شَيْئًا مِنَ الدُّلْجَةِ لِعُسْرِ سَيْرِ جَمِيعِ اللَّيْلِ، فَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى صِيَامِ جَمِيعِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ بَعْضِ اللَّيْلِ، وَإِلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ أَوْجُهِ الْعِبَادَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ فِي الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَعَبَّرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى السَّيْرِ؛ لِأَنَّ الْعَابِدَ كَالسَّائِرِ إِلَى مَحَلِّ إِقَامَتِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَشَيْئًا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ افْعَلُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ؛ أَيِ الْزَمُوا الطَّرِيقَ الْوَسَطَ الْمُعْتَدِلَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدًا؛ أَيْ لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً، وَاللَّفْظُ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ، وَوَقَفْتُ عَلَى سَبَبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ فَأَتَى نَاحِيَةً فَمَكَثَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَهُ عَلَى حَالِهِ، فَقَامَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمُ الْقَصْدَ، عَلَيْكُمُ الْقَصْدَ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأُوَيْسِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: لَمْ أَرَ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ، وَمُوسَى. قُلْتُ: وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَالَّذِي زَادَهُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زَبَالَةَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَدَنِيِّ، وَهَذَا مِنَ الْأَمْثِلَةِ لِمَا تَعَقَّبْتُهُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ الزِّيَادَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ تَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مَخْرَجَ الصَّحِيحِ، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْتِزَامِ ذَلِكَ، سَلَّمْنَا أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَفُوا بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ زَبَالَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِاتِّصَالِهِ بَعْدَ حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَخْ) خَرَّجَ هَذَا جَوَابَ سُؤَالٍ سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيم)؛ أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ شَيْخُهُ هُوَ عَمُّهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرِوَايَةُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَقْوَى لِكَوْنِ أَبِي سَلَمَةَ بَلَدِيَّهُ وَقَرِيبَهُ، بِخِلَافِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بَعْدَ زِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ: وَكَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُ سِيَاقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنْ … (^١).
قَوْلُهُ: (قَالَ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) فِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ، وَظَاهِرُهُ السُّؤَالُ عَنْ ذَاتِ الْعَمَلِ فَلَمْ يَتَطَابَقَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْحَجِّ وَفِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، حَيْثُ أَجَابَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ بِالْبِرِّ إِلَخْ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَمَلٍ يَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مُدَاوَمَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ)؛ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (اِكْلَفُوا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ:
_________
(^١) بياض بأصله.
هُوَ فِي اللُّغَةِ بِالْفَتْحِ وَرُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِبْلَاغُ بِالشَّيْءِ إِلَى غَايَتِهِ، يُقَالُ: كَلِفْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْلَعْتَ بِهِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ رَوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ أَكَلَفَ بِالشَّيْءِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ:: الْكَلَفُ بِالشَّيْءِ التَّوَلُّعُ بِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْعَمَلِ لِلِالْتِزَامِ وَالْمُلَابَسَةِ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُدِيمَ لِلْعَمَلِ يُلَازِمُ الْخِدْمَةَ فَيُكْثِرُ التَّرَدُّدَ إِلَى بَابِ الطَّاعَةِ كُلَّ وَقْتٍ لِيُجَازَى بِالْبِرِّ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ، فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَازَمَ الْخِدْمَةَ مَثَلًا ثُمَّ انْقَطَعَ، وَأَيْضًا فَالْعَامِلُ إِذَا تَرَكَ الْعَمَلَ صَارَ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ، فَيَتَعَرَّضُ لِلذَّمِّ وَالْجَفَاءِ، وَمِنْ ثُمَّ وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ هُنَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (مَا تُطِيقُونَ)؛ أَيْ قَدْرَ طَاقَتِكُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْجِدِّ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِبْلَاغِ بِهَا إِلَى حَدِّ النِّهَايَةِ، لَكِنْ بِقَيْدِ مَا لَا تَقَعُ مَعَهُ الْمَشَقَّةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَالِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ هُوَ ابْنُ قَيْسٍ وَهُوَ خَالُ إِبْرَاهِيمَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ إِلَى عَائِشَةَ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ)؛ أَيْ بِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يَفْعَلُ مِثْلَهَا فِي غَيْرِهِ: (قَالَتْ لَا)، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّ أَكْثَرَ صِيَامِهِ كَانَ فِي شَعْبَانَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَيَّامَ الْبِيضِ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَيْضًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهَا تَخْصِيصُ عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ، وَإِكْثَارُهُ الصِّيَامَ فِي شَعْبَانَ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَرِيهِ الْوَعْكُ كَثِيرًا، وَكَانَ يُكْثِرُ السَّفَرَ فِي الْغَزْوِ فَيُفْطِرُ بَعْضَ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَصُومَهَا، فَيَتَّفِقُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ قَضَاءِ ذَلِكَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ فَيَصِيرُ صِيَامُهُ فِي شَعْبَانَ بِحَسَبِ الصُّورَةِ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَيَّامُ الْبِيضِ فَلَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى صِيَامِهَا فِي أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا؛ بَلْ كَانَ رُبَّمَا صَامَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَرُبَّمَا صَامَ مِنْ وَسَطِهِ، وَرُبَّمَا صَامَ مِنْ آخِرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَنَسٌ: مَا كُنْتَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ صَائِمًا مِنَ النَّهَارِ إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا قَائِمًا مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا رَأَيْتَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ أَيْ دَائِمًا، وَالدِّيمَةُ فِي الْأَصْلِ الْمَطَرُ الْمُسْتَمِرُّ مَعَ سُكُونٍ بِلَا رَعْدٍ وَلَا بَرْقٍ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ، وَأَصْلُهَا الْوَاوُ، فَانْقَلَبَتْ بِالْكَسْرَةِ قَبْلَهَا يَاءً.
قَوْلُهُ: (وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ إِلَخْ)؛ أَيْ فِي الْعِبَادَةِ كَمِّيَّةً كَانَتْ أَوْ كَيْفِيَّةً مِنْ خُشُوعٍ وَخُضُوعٍ وَإِخْبَاتٍ وَإِخْلَاصٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ قَوْلُهُ: (مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَبِالْقَافِ، هُوَ أَبُو هَمَّامٍ الْأَهْوَازِيُّ، وَثَّقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالَّدارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: صَدُوقٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَقَالَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ؛ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ تُوبِعَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) هُوَ سَالِمُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَدَنِيُّ التَّيْمِيُّ، وَفَاعِلُ أَظُنُّهُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَاسِطَةً وَهُوَ أَبُو النَّضْرِ، لَكِنْ قَدْ ظَهَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنْ لَا وَاسِطَةَ لِتَصْرِيحِ وُهَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِقَوْلِهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ وَهَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ بَعْدَهَا عَنْ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ، وَطَرِيقُ عَفَّانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بِسَنَدِهِ، وَأَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، عَنْ عَفَّانَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ عَنْ وُهَيْبٍ.
قَوْلُهُ: (سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى طَرَفِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ بَيَانُ اتِّصَالِ السَّنَدِ فَاكْتَفَى، وَقَدْ سَاقَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ عَنْ عَفَّانَ مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي هَمَّامٍ سَوَاءً، لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ بَهْزٍ وَزَادَ
فِي آخِرِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ، وَمَضَى لِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ سَبَبٌ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُهُ فِي النَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تُطِيقُونَ، وَوَقَفْتُ لَهُ عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: لَا تُقَنِّطْ عِبَادِي، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: مَعْنَى الْأَمْرِ بِالسَّدَادِ وَالْمُقَارَبَةِ أَنَّهُ ﷺ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بُعِثَ مُيَسِّرًا مُسَهِّلًا، فَأَمَرَ أُمَّتَهُ بِأَنْ يَقْتَصِدُوا فِي الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِدَامَةَ عَادَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدِيدًا سَدَادًا صِدْقًا)، كَذَا ثَبَتَ لِلْأَكْثَرِ، وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قَالَ: سَدَادًا وَالسَّدَادُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْعَدْلُ الْمُعْتَدِلُ الْكَافِي، وَبِالْكَسْرِ مَا يَسُدُّ الْخَلَلَ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَتْحِ، وَزَعَمَ مُغْلَطَايْ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الطَّبَرِيَّ وَصَلَ تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ بْنِ عَمْرِو بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا وَهَمٌ فَاحِشٌ، فَمَا لِلسُّدِّيِّ مِنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ رِوَايَةٌ، وَلَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قَالَ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ وَاتْرُكْ لِوَلَدِكَ. وَأَخْرَجَ أَثَرَ مُجَاهِدٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قَالَ: عَدْلًا يَعْنِي فِي مَنْطِقِهِ وَفِي عَمَلِهِ، قَالَ: وَالسَّدَادُ الصِّدْقُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قَالَ: صِدْقًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ مِثْلَهُ، وَالَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ لَفْظَةُ، وَالتَّقْدِيرُ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا، وَقَالَ غَيْرُهُ صِدْقًا، أَوِ السَّاقِطُ مِنْهُ لَفْظَةُ أَيْ، كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ تَفْسِيرَ مَا فَسَّرَ بِهِ مُجَاهِدٌ السَّدِيدَ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ قَوْلُهُ: (فُلَيْحٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا الظُّهْرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَقِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ مِنَ الِارْتِقَاءِ؛ أَيْ صَعِدَ وَزْنًا وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (مِنْ قِبَلِ)؛ أَيْ مِنْ جِهَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (أُرِيت) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي بَعْضِهَا رَأَيْتُ بِفَتْحَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مُمَثَّلَتَيْنِ)؛ أَيْ مُصَوَّرَتَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى، يُقَالُ: مَثَّلَهُ إِذَا صَوَّرَهُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فِي قُبُلِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجِدَارِ جِدَارُ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) وَقَعَ هُنَا مُكَرَّرًا تَأْكِيدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا اللَّفْظِ فِي بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَثِّ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَثَّلَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَانَ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِانْكِفَافِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيبِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
١٩ - بَاب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Послание Пророка ﷺ: «Будьте правильными и радуйтесь». Муджахид сказал, что это правильное и истинное слово.
6468 — Передал мне Ибрахим ибн аль-Мундир, передал нам Мухаммад ибн Фулайх, сказал: Передал мне отец от Хилаля ибн Али, от Анаса ибн Малика ﷺ, что он слышал, как он говорил: «Посланник Аллаха ﷺ совершил для нас молитву однажды, затем поднялся на минбар и указал рукой в сторону киблы мечети, сказав: „Мне сейчас показали, с тех пор как я совершил для вас молитву, рай и ад, изображённые на этой стене. Я не видел подобного сегодня ни в добре, ни в зле“».
Его слова: «Глава о намерении» с открытым кяфом и сукун на мухмаля — это следование умеренному пути, то есть предпочтение этого, и будет показано, что они объяснили «сдада» (сдедание) как намерение, и этим проявляется соответствие.
Его слова: «И постоянство в деле» — то есть в праведном деле. В этом упомянуто восемь хадисов, большинство из которых повторяются, а в некоторых есть прибавления к другим. Итог того, что они включают, — это призыв к постоянству в праведных делах, даже если они малы, и что никто не войдёт в рай только по своим делам, а лишь по милости Аллаха. Рассказ о видении Пророка ﷺ рая и ада во время молитвы — первый из них, который является целью перевода; второй упомянут как дополнение и также связан с переводом; третий тоже связан с этим скрытым образом.
Первый хадис: слова «Передал нам Абдан» — это Абдуллах ибн Усман ибн Джабала ибн Аби Равад, а Ашъат — сын Сулеймана ибн аль-Асвад, и его отец был известен как Абу аш-Ша’та’ с му’аджамой, затем мухмаля, затем му’аллафа, и он наиболее известен с этим. Этот хадис уже приводился с этим иснадом в главе «Кто спал во время сехра» из книги тахаджжуд, и его разбор там. Под «крикуном» имеется в виду петух. Его слова здесь: «Я спросил, в какое время он вставал» — встречается в риваяте аль-Кушмехани: «В любое время», и ранее там же с формулировкой: «Когда он слышал крикуна, вставал и молился», сокращённый вариант, который привёл Муслим полностью, и сказал о нём: «Я спросил, в какое время он молился», и упомянул это.
Второй хадис — хадис Айши также через Уруву от неё, что она сказала: «Самое любимое дело у Посланника Аллаха ﷺ — то, что его последователь постоянно совершает». Это объясняет предыдущий хадис, и это подтверждено словами Пророка ﷺ, как в следующем хадисе.
Третий хадис — хадис Абу Хурайры из риваята Саида аль-Макбура от него.
Его слова: «Ни одно из ваших дел не спасёт вас» — в риваяте Абу Дауда ат-Тайалиси, от Ибн Аби Зи’ба: «Никто из вас не спасётся своими делами», и его привёл Абу Ну’им по его пути. Этот хадис приводился в искуплении болезни от пути Абу Убейда, от Абу Хурайры с формулировкой: «Ни одно дело не вводит в рай», и его также привёл Муслим, и это слова Айши в четвёртом хадисе здесь, и у Муслима от Ибн Ауна, от Мухаммада ибн Сирина, от Абу Хурайры: «Никто из вас не спасётся своими делами», и от пути аль-А’маша, от Абу Салиха, от Абу Хурайры, что он сказал: «Никто из вас не спасётся своими делами». В хадисе Джабира: «Никто из вас не вводится в рай своими делами и не спасается от огня». Значение слова «спасёт» — освободит, а спасение от чего-либо — это избавление от него.
Ибн Батталь сказал в объединении этого хадиса с Его словами — Всевышнего: ﴿И это рай, который вы наследуете за то, что вы делали﴾ — что итог в том, чтобы понимать аят так, что рай достигается степенями в нём по делам, ибо степени рая различаются в зависимости от различия дел, и что хадис относится к вхождению в рай и пребыванию в нём, затем он привёл в ответ на это слова Всевышнего: ﴿Мир вам! Войдите в рай за то, что вы делали﴾, что явно указывает, что вхождение в рай также по делам, и ответил, что это общее выражение, которое поясняет хадис, и подразумевается: «Войдите в обители и дворцы рая за то, что вы делали», а не имеется в виду само начало вхождения.
Затем сказал:
И возможно, что хадис объясняет аят, и подразумевается: «Войдите в него за то, что вы делали, с милостью Аллаха и Его благодатью к вам», ибо распределение обителей рая по милости Его, и также само начало вхождения в рай — по Его милости, поскольку Он вдохновил делающих на то, что они достигли этим, и нет ничего из вознаграждений Его рабам, что не было бы из Его милости и благодати, и Он предпочёл их сначала созданием, затем пропитанием, затем обучением.
А Ияд сказал: путь объединения в том, что хадис объяснил то, что было обобщено в аяте, и он упомянул примерно то, что сказал Ибн Батталь в конце, и что из милости Аллаха — Его помощь к делу и Его руководство к повиновению, и всё это не заслужено делающим своими делами, а лишь по فضلу и милости Аллаха.
Ибн аль-Джаузи сказал: из этого получаются четыре ответа: первый — что успех в деле от милости Аллаха, и если бы не Его предшествующая милость, не было бы веры и повиновения, которые приносят спасение. Второй — что выгоды раба для Господина — это его дело, которое заслужено для хозяина, и как бы он ни вознаградил, это из Его فضل. Третий — что в некоторых хадисах сказано, что само вхождение в рай — по милости Аллаха, а распределение степеней — по делам. Четвёртый — что дела повиновения были в короткий срок, а награда неиссякаема, и дар, который не иссякает, в воздаянии того, что иссякает, — по فضلу, а не в обмен на дела.
Аль-Карманий сказал: буква ба в словах ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ не причинная, а для присоединения или сопровождения, то есть «вы унаследовали её в соприкосновении или сопровождении», или для противопоставления, как «я дал за дирхам овцу». И по этому последнему мнению шейх Джамаль ад-Дин ибн Хишам в «аль-Мугни» сказал, что ба может быть для противопоставления, которая входит в возмещение, как «я купил у него за столько», и из этого: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾, и здесь не подразумевается причинность, как говорили му’тазилиты, и как все сказали о «никто из вас не войдёт в рай по своим делам», ибо дающий за возмещение может дать бесплатно вопреки причине, и без причины не бывает. И на этом устраняется противоречие между аятом и хадисом.
Я сказал: Ибн аль-Каййим сказал раньше об этом в книге «Мифтах дар ас-Саада»: ба, требующая вхождения, не та же, что ба прошедшего времени. Первая — причинная, указывающая, что дела — причина вхождения, требующая его, как требование других причин для их причин. Вторая — обмен, как «я купил у него за столько». Он сообщил, что вхождение в рай не противопоставляется делам кого-либо, и что если бы не милость Аллаха к рабу, Он бы не ввёл его в рай, ибо дело само по себе, даже если оно достигло предела, не обязывает само по себе вхождение в рай, и не является возмещением за него; ибо если бы оно было на том уровне, который любит Аллах, оно не противится милости Аллаха, а все дела не равны одной милости, и остаются другие Его дары, требующие благодарности, и он не воздаёт им должного благодарения. Если бы Он наказал его в этом состоянии, Он был бы несправедлив, а если помилует, то Его милость лучше его дела, как в хадисе Убайя ибн Ка’ба, который привёл Абу...