الْقِصَّةُ هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَفْسِهِ. وَوَقَعَ هُنَا فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ هَكَذَا وَقَعَ بِتَأْخِيرِ لَفْظِ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَالَّذِي فِي التِّلَاوَةِ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قَبْلَ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ.
٥ - بَاب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
٤٩٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ:، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.
٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِئ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ للْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَأوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أَيْ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِكُلِ وَجْهٍ مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ وَلَا جُمْلَةٍ مِنْهُ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ غَايَةَ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عَدَدُ الْقِرَاءَاتِ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّا نَجِدُ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ يُقْرَأُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، فَالْجَوَابُ أَنَّ غَالِبَ ذَلِكَ إِمَّا لَا يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ، بَلِ الْمُرَادُ التَّسْهِيلُ وَالتَّيْسِيرُ، وَلَفْظُ السَّبْعَةِ يُطْلَقُ عَلَى إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ فِي الْآحَادِ كَمَا يُطْلَقُ السَّبْعُونَ فِي الْعَشَرَاتِ وَالسَّبْعُمِائَةُ فِي الْمِئِينَ وَلَا يُرَادُ الْعَدَدُ الْمُعَيَّنُ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ، عَنِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ بَلَغَ الِاخْتِلَافُ فِي مَعْنَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ إِلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْهَا سِوَى خَمْسَةٍ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَكْثَرُهَا غَيْرُ مُخْتَارٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ فِي هَذَا بَعْدَ تَتَبُّعِي مَظَانَّهُ مِنْ صَحِيحِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ الْمَقْبُولِ مِنْهَا وَالْمَرْدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرٌ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ
عُفَيْرٍ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْمِصْرِيِّينَ وَثِقَاتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) هَذَا مِمَّا لَمْ يُصَرِّحِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَنْ أُبَيٍّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ) فِي أَوَّلِ حَدِيثِ النَّسَائِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةً، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَؤُهَا يُخَالِفُ قِرَاءَتِي الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا قَالَ: فَسُقِطَ فِي نَفْسِي وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهِي، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ اخْسَأْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ. قَالَ أُبَيٌّ: فَقُلْتُ: مَا كِلَانَا أَحْسَنَ وَلَا أَجْمَلَ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي. الْحَدِيثَ.
وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيٍّ الْمَكَانُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. الْحَدِيثَ. وَبَيَّنَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ السُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ سُورَةُ النَّحْلِ.
قَوْلُهُ: (فَرَاجَعْتُهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أُبَيٍّ: فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيٍّ: فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ، حَتَّى بَلَغْتُ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ اسْتَزِدْهُ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ نَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي) فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ: ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ: عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي أُخْرَى لَهُ: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْهَا فَهُوَ كَمَا قَرَأَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةِ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ. الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: كُلُّهَا كَافٍ شَافٍ كَقَوْلِكَ هَلُمَّ وَتَعَالَ مَا لَمْ تَخْتِمْ الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَوِّي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ أَوِ الْقِرَاآتُ، أَيْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ أَوْ قِرَاآتٍ، وَالْأَحْرُفُ جَمْعُ حَرْفٍ مِثْلَ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ مِنَ اللُّغَاتِ لِأَنَّ أَحَدَ مَعَانِيَ الْحَرْفِ فِي اللُّغَةِ الْوَجْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾؟ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَرْفِ عَلَى الْكَلِمَةِ مَجَازًا لِكَوْنِهِ بَعْضَهَا.
الحديث الثاني.
قَوْلُهُ: (أنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) أَيِ ابْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، كَذَا رَوَاهُ عُقَيْلُ، وَيُونُسُ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاقْتَصَرَ مَالِكٌ عَنْهُ عَلَى عُرْوَةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الْمِسْوَرَ فِي إِسْنَادِهِ، وَاقْتَصَرَ عَبْدُ
الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ لَكِنْ أَحَالَ بِهِ قَالَ: كَرِوَايَةِ يُونُسَ وَكَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فَذَكَرَهُمَا، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُحَارَبَةِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ تَعْلِيقًا.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ) هُوَ بِالتَّنْوِينِ غَيْرَ مُضَافٍ لِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (الْقَارِيُّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ بَطْنٌ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَالْقَارَةُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ أُثَيْعٌ بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ ابْنُ مُلَيْحٍ بِالتَّصْغِيرِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ الْهُونِ بِضَمِ الْهَاءِ ابْنِ خُزَيْمَةَ. وَقِيلَ بَلِ الْقَارَةُ هُوَ الدِّيشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ أُثَيْعٍ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَكَانُوا قَدْ حَالَفُوا بَنِي زُهْرَةَ وَسَكَنُوا مَعَهُمْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ أُتِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْأَشْخَاصِ، وَلَهُ عِنْدَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عُمَرَ فِي الصِّيَامِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) أَيِ ابْنَ حِزَامٍ الْأَسَدِيِّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَ لِهِشَامٍ فَضْلٌ، وَمَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً. وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثًا وَاحِدًا مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ إِذَا بَلَغَهُ الشَّيْءُ: أَمَّا مَا عِشْتُ أَنَا وَهِشَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي الْمَسَانِيدِ وَالْجَوَامِعِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْخَطِيبِ فِي الْمُبْهَمَاتِ سُورَةُ الْأَحْزَابِ بَدَلَ الْفُرْقَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النُّسْخَةِ الَّتِي وُقِفَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الَّذِي فِي كِتَابِ الْخَطِيبِ الْفُرْقَانُ كَمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: آخُذُ بِرَأْسِهِ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ أُوَاثِبُهُ وَهُوَ أَشْبَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌ … مِنَ الرَّقْشِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعٌ
أَيْ: وَاثَبَتْنِي، وَفِي بَانَتْ سُعَادُ:
إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهُ … أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْوَ مَخْذُولٌ
وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابِ أُثَاوِرُهُ بِالْمُثَلَّثَةِ عِوَضَ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: لَكِنَّ مَعْنَاهَا أَيْضًا صَحِيحٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَصَبَّرْتُ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: حَتَّى سَلَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، أَيْ جَمَعْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ عِنْدَ لَبَّتِهِ لِئَلَّا يَتَفَلَّتَ مِنِّي. وَكَانَ عُمَرُ شَدِيدًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّ هِشَامًا خَالَفَ الصَّوَابَ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ قَالَ لَهُ: أَرْسِلْهُ.
قَوْلُهُ: (كَذَبْتَ) فِيهِ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: كَذَبْتَ أَيْ: أَخْطَأْتَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا) هَذَا قَالَهُ عُمَرُ اسْتِدْلَالًا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَخْطِئَةِ هِشَامٍ، وَإِنَّمَا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِرُسُوخِ قَدَمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَتِهِ، بِخِلَافِ
هِشَامٍ فَإِنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فَخَشِيَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ أَتْقَنَ الْقِرَاءَةَ، بِخِلَافِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَتْقَنَ مَا سَمِعَ، وَكَانَ سَبَبُ اخْتِلَافِ قِرَاءَتِهِمَا أَنَّ عُمَرَ حَفِظَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيمًا ثُمَّ لَمْ يَسْمَعْ مَا نَزَلَ فِيهَا بِخِلَافِ مَا حَفِظَهُ وَشَاهَدَهُ، وَلِأَنَّ هِشَامًا مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْرَأَهُ عَلَى مَا نَزَلَ أَخِيرًا فَنَشَأَ اخْتِلَافُهُمَا مِنْ ذَلِكَ، وَمُبَادَرَةُ عُمَرَ لِلْإِنْكَارِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ حَدِيثَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، إِلَّا فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمَّا لَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ صَارَ يَجُرُّهُ بِهِ، فَلِهَذَا صَارَ قَائِدًا لَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ يَسُوقُهُ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا وَصَلَا إِلَيْهِ: أَرْسِلْهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) هَذَا أَوْرَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ تَطْيِيبًا لِعُمَرَ لِئَلَّا يُنْكِرُ تَصْوِيبَ الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ فَغَيَّرَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلَمْ تُقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَوَقَعَ فِي صَدْرِ عُمَرَ شَيْءٌ عَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أَبْعِدْ شَيْطَانًا. قَالَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، الْقُرْآنُ كُلُّهُ صَوَابٌ، مَا لَمْ تَجْعَلْ رَحْمَةً عَذَابًا أَوْ عَذَابًا رَحْمَةً. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعَ عُمَرُ رَجُلًا يَقْرَأُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَوَقَعَ فِي صَدْرِ عُمَرَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا كَافٍ شَافٍ. وَوَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ مَعَ هِشَامٍ، مِنْهَا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّمَا هِيَ كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّ ذَلِكَ قَرَأْتُمْ أَصَبْتُمْ، فَلَا تُمَارُوا فِيهِ.
إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَهْمِ بْنِ الصِّمَّةِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كِلَاهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَلِلطَّبَرِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَقْرَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةً أَقْرَأَنِيهَا زَيْدٌ وَأَقْرَأَنِيهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَاخْتَلَفَتْ قِرَاءَتُهُمْ، فَبِقِرَاءَةِ أَيِّهِمْ آخُذُ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ إِلَى جَنْبِهِ - فَقَالَ عَلِيٌّ: لِيَقْرَأْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ كَمَا عَلِمَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ جَمِيلٌ وَلِابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةً مِنْ آلِ حم، فَرُحْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ: اقْرَأْهَا، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ حُرُوفًا مَا أَقْرَؤُهَا، فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الِاخْتِلَافُ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَى عَلِيٍّ شَيْئًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَمَا عَلِمَ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا وَكُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَقْرَأُ حُرُوفًا لَا يَقْرَؤُهَا صَاحِبُهُ وَأَصْلُ هَذَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ بَلَّغَهَا أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ إِلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَكْثَرُهَا غَيْرُ مُخْتَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمُنَزَّلِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِكْمَةِ فِي التَّعَدُّدِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَارِئِ، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ تَأْدِيَةُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ الْمُرَادِفِ وَلَوْ كَانَ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ لُغَةَ هِشَامٍ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَكَذَلِكَ عُمَرُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ قِرَاءَتُهُمَا. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ. وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ اخْتِلَافُ اللُّغَاتِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لُغَاتَ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا، فَجَاءَ عَنْ أبي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ. مِنْهَا خَمْسٌ بِلُغَةِ
الْعُجُزِ مِنْ هَوَازِنَ قَالَ: وَالْعُجُزُ سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَجُثمُ ابْنُ بَكْرٍ، وَنَصْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَثَقِيفٌ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ هَوَازِنَ، وَيُقَالَ لَهُمْ عُلْيَا هَوَازِنَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: أَفْصَحُ الْعَرَبِ عُلْيَا هَوَازِنَ وَسُفْلَى تَمِيمٍ يَعْنِي: بَنِي دَارِمٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْكَعْبَيْنِ كَعْبُ قُرَيْشٍ، وَكَعْبُ خُزَاعَةَ قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الدَّارَ وَاحِدَةٌ يَعْنِي: أَنَّ خُزَاعَةَ كَانُوا جِيرَانَ قُرَيْشٍ فَسَهُلَتْ عَلَيْهِمْ لُغَتُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَهُذَيْلٍ وَتَيْمِ الرَّبَابِ وَالْأَزْدِ وَرَبِيعَةَ وَهَوَازِنَ وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَاسْتَنْكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ اللُّغَاتُ السَّبْعُ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، بَلِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُفَرَّقَةٌ فِيهِ، فَبَعْضُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هَوَازِنَ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَبَعْضُ اللُّغَاتِ أَسْعَدُ بِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَكْثَرُ نَصِيبًا. وَقِيلَ: نَزَلَ بِلُغَةِ مُضَرَ خَاصَّةً لِقَوْلِ عُمَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ مُضَرَ. وَعَيَّنَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ السَّبْعَ مِنْ مُضَرَ أَنَّهُمْ هُذَيْلٌ وَكِنَانَةُ وَقَيْسٌ وَضَبَّةُ وَتَيْمُ الرَّبَابِ وَأَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ وَقُرَيْشٌ فَهَذِهِ قَبَائِلُ مُضَرَ تَسْتَوْعِبُ سَبْعَ لُغَاتٍ. وَنَقَلَ أَبُو شَامَةَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ ثُمَّ أُبِيحَ لِلْعَرَبِ أَنْ يَقْرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمُ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْإلْفَاظِ وَالْإِعْرَابِ، وَلَمْ يُكَلَّفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الِانْتِقَالَ مِنْ لُغَتِهِ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى لِلْمَشَقَّةِ وَلِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَلِطَلَبِ تَسْهِيلِ فَهْمِ الْمُرَادِ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَصْوِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلًّا مِنْهُمْ.
قُلْتُ: وَتَتِمَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِبَاحَةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَقَعْ بِالتَّشَهِّي، أَيْ إِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُغَيِّرُ الْكَلِمَةَ بِمُرَادِفِهَا فِي لُغَتِهِ، بَلِ الْمُرَاعي فِي ذَلِكَ السَّمَاعُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْ عُمَرَ، وَهِشَامٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ ﷺ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِالْمُرَادِفِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا لَهُ، وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قِرَاءَتَهُ عَتَّى حِينٍ أَيْ: حَتَّى حِينٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَلَا تُقْرِئْهُمْ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ عُمَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ، لَا أَنَّ الَّذِي قَرَأَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ. قَالَ: وَإِذَا أُبِيحَتْ قِرَاءَتُهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ أُنْزِلَتْ جَازَ الِاخْتِيَارُ فِيمَا أُنْزِلَ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ بِقَوْلِهِمَا: نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ نُزُولِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَهَّلَهُ عَلَى النَّاسِ فَجَوَّزَ لَهُمْ أَنْ يَقْرَءُوهُ عَلَى لُغَاتِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ ذَلِكَ عَنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ لِكَوْنِهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ قِرَاءَتَهُ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ لِأَنَّهُ الْأَوْلَى، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّ جَمِيعَ اللُّغَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ مُسْتَوِيَةٌ فِي التَّعْبِيرِ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَلْتَكُنْ بِلُغَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا الْعَرَبِيُّ الْمَجْبُولُ عَلَى لُغَتِهِ فَلَوْ كُلِّفَ قِرَاءَتَهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ لَعَثَرَ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ مَعَ إِبَاحَةِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ بِلُغَتِهِ، وَيُشِيرَ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ: هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، وَقَوْلُهُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ انْتَهَى عِنْدَ السَّبْعِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا تَحْتَاجُ لَفْظَةٌ مِنْ أَلْفَاظِهِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ غَالِبًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ مِنْهُ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إِلَّا الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِثْلُ
عَبَدَ الطَّاغُوتَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِمِثْلِ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وَجِبْرِيلَ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ثُمَّ سُهِّلَ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَقْرَءُوهُ بِغَيْرِ لِسَانِ قُرَيْشٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَثُرَ دُخُولُ الْعَرَبِ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ وُرُودَ التَّخْفِيفِ بِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَضَاةُ بَنِي غِفَارٍ هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَآخِرُهُ تَاءٌ تَأْنِيثٍ، هُوَ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ كَالْغَدِيرِ، وَجَمْعُهُ أَضًا كَعَصًا، وَقِيلَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ مِثْلُ إِنَاءٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يُنْسَبُ إِلَى بَنِي غِفَارٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عِنْدَهُ. وَحَاصِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. أَيْ: أُنْزِلَ مُوَسَّعًا عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، أَيْ: يَقْرَأُ بِأَيِّ حَرْفٍ أَرَادَ مِنْهَا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ صَاحِبِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَوْ عَلَى هَذِهِ التَّوْسِعَةِ وَذَلِكَ لِتَسْهِيلِ قِرَاءَتِهِ، إِذْ لَوْ أَخَذُوا بِأَنْ يَقْرَءُوهُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمُشْكِلِ لَهُ: كَانَ مِنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ أَنْ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَقْرَأَ كُلُّ قَوْمٍ بِلُغَتِهِمْ، فَالْهُذَلِيُّ يَقْرَأُ: عَتَّى حِينٍ، يُرِيدُ: حَتَّى حِينٍ وَالْأَسَدِيُّ يَقْرَأُ تِعْلَمُونَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَالتَّمِيمِيُّ يَهْمِزُ وَالْقُرَشِيُّ لَا يَهْمِزُ، قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَزُولَ عَنْ لُغَتِهِ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ لِسَانُهُ طِفْلًا وَنَاشِئًا وَكَهْلًا لَشَقَّ عَلَيْهِ غَايَةَ الْمَشَقَّةِ، فَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْهُ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ لَقَالَ مَثَلًا: أُنْزِلَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْكَلِمَةِ وَجْهٌ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ إِلَى سَبْعَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنْكَرَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اخْتِلَافِ هِشَامٍ، وَعُمَرَ وَلُغَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، قَالُوا: وَإِنَّمَا الْمَعْنَى سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ، نَحْوَ أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ. ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْمَاضِيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ تَغَايُرَ الْأَلْفَاظِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى مَعَ انْحِصَارِ ذَلِكَ فِي سَبْعِ لُغَاتٍ، لَكِنْ لِاخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ أَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ لَيْسَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي الْقُرْآنِ كُلِّهَا وَلَا مَوْجُودَةَ فِيهِ فِي خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ بِرِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّمَا قَرَأَ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَا بِكُلِّهَا، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فَيَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا رَيْبٍ، بَلْ يُمْكِنُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ أَنْ تَصِلَ الْأَوْجُهُ السَّبْعَةُ فِي بَعْضِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ حَمَلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّغَايُرُ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: مَا تَتَغَيَّرُ حَرَكَتُهُ وَلَا يَزُولُ مَعْنَاهُ وَلَا صُورَتُهُ، مِثْلُ: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ بِنَصْبِ الرَّاءِ وَرَفْعِهَا.
الثَّانِي: مَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْفِعْلِ مِثْلَ بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ الْمَاضِي.
الثَّالِثُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِنَقْطِ بَعْضِ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ مِثْلُ ثُمَّ نُنْشِرُهَا بِالرَّاءِ وَالزَّايِ.
الرَّابِعُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِإِبْدَالِ حَرْفٍ قَرِيبٍ مِنْ مَخْرَجِ الْآخَرِ مِثْلُ طَلْحٍ مَنْضُودٍ فِي قِرَاءَةِ عَلِيٍّ: وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ.
الْخَامِسُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مِثْلُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ فِي قِرَاءَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ.
السَّادِسُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، هَذَا فِي النُّقْصَانِ، وَأَمَّا فِي الزِّيَادَةِ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ فِي
حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.
السَّابِعُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِإِبْدَالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ تُرَادِفُهَا مِثْلُ ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ لَكِنِ اسْتَبْعَدَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ لِكَوْنِ الرُّخْصَةِ فِي الْقِرَاآتِ إِنَّمَا وَقَعَتْ وَأَكْثَرُهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَعْرِفُ الرَّسْمَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُرُوفَ بِمَخَارِجِهَا. قَالَ: وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَبَايِنَةِ الْمَخْرَجِ الْمُتَّفِقَةِ الصُّورَةِ مِثْلُ نُنْشِرُهَا وَنُنْشِزُهَا فَإِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ تَقَارُبُ مَعَانِيهَا، وَاتَّفَقَ تَشَابُهُ صُورَتِهَا فِي الْخَطِّ.
قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَوْهِينُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الِانْحِصَارُ الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ مَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: الْكَلَامُ لَا يَخْرُجُ عَنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ فِي الِاخْتِلَافِ: الْأَوَّلُ: اخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ مِنْ إِفْرَادٍ وَتَثْنِيَةٍ وَجَمْعٍ أَوْ تَذْكِيرٍ وَتَأْنِيثٍ. الثَّانِي: اخْتِلَافُ تَصْرِيفِ الْأَفْعَالِ مِنْ مَاضٍ وَمُضَارِعٍ وَأَمْرٍ، الثَّالِثُ: وُجُوهُ الْإِعْرَابِ، الرَّابِعُ: النَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ، الْخَامِسُ: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، السَّادِسُ: الْإِبْدَالُ، السَّابِعُ: اخْتِلَافُ اللُّغَاتِ كَالْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ وَالتَّرْقِيقِ وَالتَّفْخِيمِ وَالْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخَذَ كَلَامَ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَنَقَّحَهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ سَبْعَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٌ وَآمِرٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رَدَّهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ.
قُلْتُ: وَأَطْنَبَ الطَّبَرِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ السَّبْعَةُ. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ؛ لِانْقِطَاعِهِ بَيْنَ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا وَقَالَ: هَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ صَحَّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبْعَةُ أَحْرُفٍ أَيْ: سَبْعَةُ أَوْجُهٍ كَمَا فُسِّرَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ سِيَاقَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ يَأْبَى حَمْلَهَا عَلَى هَذَا، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ إِلَى سَبْعَةٍ تَهْوِينًا وَتَيْسِيرًا، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ حَرَامًا وَحَلَالًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ: قَوْلُهُ زَاجِرٌ وَآمِرٌ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ آخَرَ، أَيْ هُوَ زَاجِرٌ أَيِ: الْقُرْآنُ؛ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ تَفْسِيرُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ مَنْ تَوَهَّمَهُ مِنْ جِهَةِ الِاتِّفَاقِ فِي الْعَدَدِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ زَاجِرًا وَآمِرًا إِلَخْ بِالنَّصْبِ أَيْ نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْأَبْوَابِ السَّبْعَةِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ لِلْأَبْوَابِ لَا لِلْأَحْرُفِ، أَيْ هِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ، وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَمْ يَقْتَصِرْ مِنْهَا عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّ قَوْلَهُ زَاجِرٌ وَآمِرٌ إِلَخْ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَقِبِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثَيْ هَذَا الْبَابِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْأَحْرُفِ
السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ هَلْ هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ الْيَوْمَ أَوْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْهَا، مَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيُّ إِلَى الْأَوَّلِ، وَصَرَّحَ الطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِالثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ اخْتِلَافِ قِرَاءَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ هَلْ هِيَ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ؟ قَالَ: لَا، وَإِنَّمَا الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ مِثْلُ هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ، أَيَّ ذَلِكَ قُلْتَ أَجْزَأَكَ. قَالَ: وَقَالَ لِيَ ابْنُ وَهْبٍ مِثْلَهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي جُمِعَ فِي الْمُصْحَفِ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِنْزَالِهِ الْمَقْطُوعُ بِهِ الْمَكْتُوبُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ بَعْضُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ لَا جَمِيعُهَا، كَمَا وَقَعَ فِي الْمُصْحَفِ الْمَكِّيِّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فِي آخِرِ بَرَاءَةٌ وَفِي غَيْرِهِ بِحَذْفِ مِنْ وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنَ اخْتِلَافِ مَصَاحِفِ الْأَمْصَارِ مِنْ عِدَّةِ وَاوَاتٍ ثَابِتَةٍ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ، وَعِدَّةِ هَاآتٍ وَعِدَّةِ لَامَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابَتِهِ لِشَخْصَيْنِ أَوْ أَعْلَمَ بِذَلِكَ شَخْصًا وَاحِدًا وَأَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاآتِ مِمَّا لَا يُوَافِقُ الرَّسْمَ فَهُوَ مِمَّا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُوِّزَتْ بِهِ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ وَتَسْهِيلًا؛ فَلَمَّا آلَ الْحَالُ إِلَى مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَكَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا اخْتَارُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَأْذُونِ فِي كِتَابَتِهِ وَتَرَكُوا الْبَاقِيَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَصَارَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ الِاقْتِصَارِ كَمَنِ اقْتَصَرَ مِمَّا خُيِّرَ فِيهِ عَلَى خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ أَمْرَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ.
قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وَقَدْ قَرَّرَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ تَقْرِيرًا أَطْنَبَ فِيهِ وَوَهَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَمَّارٍ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ: أَصَحُّ مَا عَلَيْهِ الْحُذَّاقُ أَنَّ الَّذِي يُقْرَأُ الْآنَ بَعْضَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الْمَأْذُونِ فِي قِرَاءَتِهَا لَا كُلَّهَا، وَضَابِطُهُ مَا وَافَقَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ، فَأَمَّا مَا خَالَفَهُ مِثْلُ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ وَمِثْلُ إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللَّهِ وَالنَّصْرُ فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْقِرَاآتِ الَّتِي تُرِكَتْ إِنْ صَحَّ السَّنَدُ بِهَا، وَلَا يَكْفِي صِحَّةُ سَنَدِهَا فِي إِثْبَاتِ كَوْنِهَا قُرْآنًا، وَلَا سِيَّمَا وَالْكَثِيرُ مِنْهَا مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُرِنَ إِلَى التَّنْزِيلِ فَصَارَ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْمُصْحَفُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ هُوَ آخِرُ الْعَرْضَاتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِنَسْخِهِ فِي الْمَصَاحِفِ وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَأَذْهَبَ مَا سِوَى ذَلِكَ قَطْعًا لِمَادَّةِ الْخِلَافِ، فَصَارَ مَا يُخَالِفُ خَطَّ الْمُصْحَفِ فِي حُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَالْمَرْفُوعِ كَسَائِرِ مَا نُسِخَ وَرُفِعَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْدُوَ فِي اللَّفْظِ إِلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الرَّسْمِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْقِرَاآتِ السَّبْعَ الْمَوْجُودَةَ الْآنَ هِيَ الَّتِي أُرِيدَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً، وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَمَّارٍ أَيْضًا: لَقَدْ فَعَلَ مُسَبِّعُ هَذِهِ السَّبْعَةِ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ، وَأَشْكَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْعَامَّةِ بِإِيهَامِهِ كُلَّ مَنْ قَلَّ نَظَرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاآتِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْخَبَرِ، وَلَيْتَهُ إِذِ اقْتَصَرَ نَقَصَ عَنِ السَّبْعَةِ أَوْ زَادَ لِيُزِيلَ الشُّبْهَةَ، وَوَقَعَ لَهُ أَيْضًا فِي اقْتِصَارِهِ عَنْ كُلِّ إِمَامٍ عَلَى رَاوِيَيْنِ أَنَّهُ صَارَ مَنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ رَاوٍ ثَالِثٍ غَيْرِهِمَا أَبْطَلَهَا، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ أَشْهَرَ وَأَصَحَّ وَأَظْهَرَ وَرُبَّمَا بَالَغَ مَنْ لَا يَفْهَمُ فَخَطَّأَ أَوْ كَفَّرَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبْعَةُ مُتَعَيِّنَةً لِلْجَوَازِ حَتَّى لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ، وَالْأَعْمَشِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِثْلُهُمْ أَوْ فَوْقَهُمْ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْقِرَاآتِ الْمَشْهُورَةِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، فَهَذَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ اشْتُهِرَ عَنْهُ سَبْعَةَ عَشَرَ رَاوِيًا، ثُمَّ سَاقَ أَسْمَاءَهُمْ. وَاقْتَصَرَ فِي كِتَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَلَى الْيَزِيدِيِّ، وَاشْتُهِرَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ فَكَيْفَ
يَقْتَصِرُ عَلَى السُّوسِيِّ، وَالدُّورِيِّ وَلَيْسَ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُشْتَرِكُونَ فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَخْذِ، قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ لِهَذَا سَبَبًا إِلَّا مَا قَضَى مِنْ نَقْصِ الْعِلْمِ فَاقْتَصَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّبْعَةِ ثُمَّ اقْتَصَرَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّبْعَةِ عَلَى النَّزْرِ الْيَسِيرِ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ مُجَاهِدٍ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، بَلْ أَخْطَأَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَالَغَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ صَاحِبُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْقِرَاآتِ السَّبْعِ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ أَبِي هِشَامٍ: إِنَّ السَّبَبَ فِي اخْتِلَافِ الْقِرَاآتِ السَّبْعِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْجِهَاتِ الَّتِي وُجِّهَتْ إِلَيْهَا الْمَصَاحِفُ كَانَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ أَهْلُ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَكَانَتِ الْمَصَاحِفُ خَالِيَةً مِنَ النَّقْطِ وَالشَّكْلِ، قَالَ: فَثَبَتَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى مَا كَانُوا تَلَقَّوْهُ سَمَاعًا عَنِ الصَّحَابَةِ بِشَرْطِ مُوَافَقَةِ الْخَطِّ، وَتَرَكُوا مَا يُخَالِفُ الْخَطَّ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ عُثْمَانَ الَّذِي وَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ لِمَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِلْقُرْآنِ، فَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَسِّكِينَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ. وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هَذِهِ الْقِرَاآتُ الَّتِي يُقْرَأُ بِهَا الْيَوْمَ وَصَحَّتْ رِوَايَاتُهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ جُزْءٌ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ.
ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ: وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاءِ كَنَافِعٍ، وَعَاصِمٍ هِيَ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا، قَالَ: وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ مِمَّا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ غَيْرُهُمْ وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَنْ لَا يَكُونَ قُرْآنًا، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ الَّذِينَ صَنَّفُوا الْقِرَاآتِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ - كَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالْقَاضِي - قَدْ ذَكَرُوا أَضْعَافَ هَؤُلَاءِ قُلْتُ: اقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِهِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ كُلِّ مِصْرٍ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ فَذَكَرَ مِنْ مَكَّةَ ابْنَ كَثِيرٍ، وَابْنَ مُحَيْصِنٍ، وَحُمَيْدًا الْأَعْرَجَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَبَا جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ، وَنَافِعًا وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: أَبَا عَمْرٍو، وَعِيسَى بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: يَحْيَى بْنَ وَثَّابٍ، وَعَاصِمًا، وَالْأَعْمَشَ وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، وَيَحْيَى بْنَ الْحَارِثِ. قَالَ: وَذَهَبَ عَنِّي اسْمُ الثَّالِثِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكُوفِيِّينَ حَمْزَةَ، وَلَا الْكِسَائِيَّ بَلْ قَالَ: إِنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْكُوفَةِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ صَارُوا إِلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ جَمَاعَتُهُمْ قَالَ:
وَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَكَانَ يَتَخَيَّرُ الْقِرَاآتِ. فَأَخَذَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ بَعْضًا وَتَرَكَ بَعْضًا وَقَالَ: بَعْدَ أَنْ سَاقَ أَسْمَاءَ مَنْ نُقِلَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُحْكَى عَنْهُمْ عِظَمُ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْفِقْهَ وَالْحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُمْ بِالْقِرَاآتِ قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ أَسْنَانُهُمْ وَلَا تَقَدُّمُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ تَجَرَّدُوا لِلْقِرَاءَةِ وَاشْتَدَّتْ عِنَايَتُهُمْ بِهَا وَطَلَبُهُمْ لَهَا حَتَّى صَارُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةً يَقْتَدِي النَّاسُ بِهِمْ فِيهَا فَذَكَرَهُمْ، وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ رَجُلًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمُ ابْنَ عَامِرٍ وَلَا حَمْزَةَ وَلَا الْكِسَائِيَّ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، قَالَ مَكِّيٌّ: وَكَانَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو، وَيَعْقُوبَ، وَبِالْكُوفَةِ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَعَاصِمٍ وَبِالشَّامِ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَبِمَكَّةَ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَبِالْمَدِينَةِ عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ عَلَى رَأْسِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَثْبَتَ ابْنُ مُجَاهِدٍ اسْمَ الْكِسَائِيِّ وَحَذَفَ يَعْقُوبَ، قَالَ: وَالسَّبَبُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى السَّبْعَةِ مَعَ أَنَّ فِي أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُمْ قَدْرًا وَمِثْلُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهِمْ أَنَّ الرُّوَاةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا، فَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الْهِمَمُ اقْتَصَرُوا - مِمَّا يُوَافِقُ خَطَّ الْمُصْحَفِ - عَلَى مَا يَسْهُلُ حِفْظُهُ وَتَنْضَبِطُ الْقِرَاءَةُ بِهِ، فَنَظَرُوا إِلَى مَنِ اشْتُهِرَ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَطُولِ الْعُمُرِ فِي مُلَازَمَةِ الْقِرَاءَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَخْذِ عَنْهُ فَأَفْرَدُوا مِنْ كُلِّ مِصْرٍ إِمَامًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا - مَعَ ذَلِكَ - نَقْلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ غَيْرَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقِرَاآتِ وَلَا الْقِرَاءَةَ بِهِ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ، وَعَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَأَبِي
جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وَمِمَّنِ اخْتَارَ مِنَ الْقِرَاآتِ كَمَا اخْتَارَ الْكِسَائِيُّ، أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْمُفَضَّلُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ جُبَيْرٍ الْمَكِّيُّ وَكَانَ قَبْلَ ابْنِ مُجَاهِدٍ كِتَابًا فِي الْقِرَاآتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى خَمْسَةٍ، اخْتَارَ مِنْ كُلِّ مِصْرٍ إِمَامًا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي أَرْسَلَهَا عُثْمَانُ كَانَتْ خَمْسَةً إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَجَّهَ بِسَبْعَةٍ هَذِهِ الْخَمْسَةُ وَمُصْحَفًا إِلَى الْيَمَنِ وَمُصْحَفًا إِلَى الْبَحْرَيْنِ لَكِنْ لَمْ نَسْمَعْ لِهَذَيْنَ الْمُصْحَفَيْنِ خَبَرًا، وَأَرَادَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرُهُ مُرَاعَاةَ عَدَدِ الْمَصَاحِفِ فَاسْتَبْدَلُوا مِنْ غَيْرِ الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَنِ قَارِئَيْنِ يَكْمُلُ بِهِمَا الْعَدَدُ فَصَادَفَ ذَلِكَ مُوَافَقَةَ الْعَدَدِ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ
بِهَا وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَوَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِطْنَةً فَظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاآتِ السَّبْعِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمُ الْحَرْفَ فِي مَوْضِعِ الْقِرَاءَةِ فَقَالُوا: قَرَأَ بِحَرْفِ نَافِعٍ بِحَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ، فَتَأَكَّدَ الظَّنُّ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ، وَالْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ سَنَدُهُ فِي السَّمَاعِ وَيَسْتَقِيمُ وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَيُوَافِقُ خَطَّ الْمُصْحَفِ، وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَنَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اتَّفَقَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، قَالَ: وَرُبَّمَا أَرَادُوا بِالِاتِّفَاقِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، قَالَ: وَأَصَحُّ الْقِرَاآتِ سَنَدًا نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَأَفْصَحُهَا أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ (^١) فِي الشَّافِي: التَّمَسُّكُ بِقِرَاءَةِ سَبْعَةٍ مِنَ الْقُرَّاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جَمْعِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَانْتَشَرَ رَأْيُهُمْ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: وَقَدْ صَنَّفَ غَيْرُهُ فِي السَّبْعِ أَيْضًا فَذَكَرَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ غَيْرَ مَا فِي كِتَابِهِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ لِخُلُوِ ذَلِكَ الْمُصْحَفِ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ فِي اللَّوَائِحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الشُّبْهَةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا ظَنَّ الْأَغْبِيَاءُ أَنَّ أَحْرُفَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ بَعْدَ ابْنِ مُجَاهِدٍ جَعَلُوا الْقِرَاآتِ ثَمَانِيَةً أَوْ عَشْرَةً لِأَجْلِ ذَلِكَ، قَالَ: وَاقْتَفَيْتُ أَثَرَهُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَأَقُولُ: لَوِ اخْتَارَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ حُرُوفًا وَجَرَّدَ طَرِيقًا فِي الْقِرَاءَةِ بِشَرْطِ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَارِجًا عَنِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ.
وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ: كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَاسْتَقَامَ وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَوَافَقَ لَفْظُهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَنْصُوصَةِ فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ بُنِيَ قَبُولُ الْقِرَاآتِ عَنْ سَبْعَةٍ كَانُوا أَوْ سَبْعَةِ آلَافٍ، وَمَتَى فُقِدَ شَرْطٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ الشَّاذُّ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَوْسَعْتُ الْقَوْلَ فِي هَذَا لِمَا تَجَدَّدَ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ تَوَهُّمٍ أَنَّ الْقِرَاآتِ الْمَشْهُورَةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي مِثْلِ التَّيْسِيرِ وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ كَأَبِي شَامَةَ، وَأَبِي حَيَّانَ، وَآخِرُ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ السُّبْكِيُّ فَقَالَ: فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ مَا عَدَا السَّبْعَةِ شَاذٌّ تَوَهُّمًا مِنْهُ انْحِصَارَ الْمَشْهُورِ فِيهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَارِجَ عَنِ السَّبْعَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَا يُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَالثَّانِي: مَا لَا يُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ: مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ غَرِيبَةٍ فَهَذَا مُلْحَقٌ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي: مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ الْقِرَاءَةُ بِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَهَذَا لَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ مِنْهُ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ، وَأَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِمَا. ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ فَقِيهٌ مُحَدِّثٌ مُقْرِئٌ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ بِعَيْنِهِ وَارِدٌ فِي الرِّوَايَاتِ عَنِ السَّبْعَةِ، فَإِنَّ عَنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الشَّوَاذِّ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَأْتِ إِلَّا
_________
(^١) في نسخة أخرى: قال إسماعيل الخ.
مِنْ طَرِيقٍ غَرِيبَةٍ وَإِنِ اشْتَهَرَتِ الْقِرَاءَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْفَرِدِ.
وَكَذَا قَالَ أَبُو شَامَةَ. وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْقِرَاآتِ الصَّحِيحَةَ إِلَيْهِمْ نُسِبَتْ وَعَنْهُمْ نُقِلَتْ، فَلَا يَلْزَمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ فِيهِ الضَّعِيفُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ: وَلِهَذَا تَرَى كُتُبَ الْمُصَنِّفِينَ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ، فَالِاعْتِمَادُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الضَّابِطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عُمَرَ عَلَى تَعْيِينِ الْأَحْرُفِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا عُمَرُ، وَهِشَامٌ مِنْ سُورَةِ الْفُرْقَانِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ الْقُرَّاءِ خِلَافٌ فِيمَا يَنْقُصُ مِنْ خَطِ الْمُصْحَفِ سِوَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ وَقُرِئَ سُرُجًا جَمْعُ سِرَاجٍ، قَالَ: وَبَاقِي مَا فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ لَا يُخَالِفُ خَطَّ الْمُصَنِّفِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَتَبَّعَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْقُرَّاءُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، فَأَوْرَدْتُهُ مُلَخَّصًا وَزِدْتُ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا ذَكَرَهُ وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قَرَأَ أَبُو الْجَوْزَاءِ، وَأَبُو السَّوَّارِ أَنْزَلَ بِأَلِفٍ.
قَوْلُهُ: عَلَى عَبْدِهِ، قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: عَلَى عِبَادِهِ وَمُعَاذٌ أَبُو حَلِيمَةَ، وَأَبُو نَهِيكٍ: عَلَى عَبِيدِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ قَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَرُوِيَتْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَإِذَا ابْتُدِئَ ضُمَّ أَوَّلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ فَيَكُونُ بِضَمِّ النُّونِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَأَبُو حُصَيْنٍ يَكُونُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ نَأْكُلُ بِالنُّونِ وَنَقَلَهُ فِي الْكَامِلِ عَنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ مِقْسَمٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحُمَيْدٌ وَتَبِعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَشَيْبَانُ، عَنْ عَاصِمٍ وَكَذَا مَحْجُوبٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَوَرْشٍ يَجْعَلُ بِرَفْعِ اللَّامِ وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ جَعَلَ وَقِيلَ لِإِدْغَامِهَا، وَهَذَا يَجْرِي عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَقَرَأَ بِنَصْبِ اللَّامِ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ، وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَذَكَرَهَا الْفَرَّاءُ جَوَازًا عَلَى إِضْمَارِ إِنْ وَلَمْ يَنْقُلْهَا، وَضَعَّفَهَا ابْنُ جِنِّيٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ بِالتَّخْفِيفِ، وَنَقَلَهَا عُقْبَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ مُقَرَّنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُبُورًا﴾ قَرَأَ الْمَذْكُورَانِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْجَحْدَرِيُّ وَكَذَا الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ (^١) بِكَسْرِ الشِّينِ، قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ وَهِيَ قَوِيَّةٌ فِي الْقِيَاسِ مَتْرُوكَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو نَهِيكٍ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِنَا.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَطَلْحَةُ ابْنُ مُصَرِّفٍ، وَسَلَّامٌ، وَابْنُ حَسَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَكَذَا الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا وَرُوِيَتْ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾ قَرَأَ أَبُو عِيسَى الْأُسْوَارِيُّ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ بِضَمِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَّخِذَ) قَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْبَاقِرُ وَأَخُوهُ زَيْدٌ، وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ، وَنَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَمَكْحُولٌ، وَشَيْبَةُ، وَحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ، وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَالزَّعْفَرَانُ - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ - وَأَبُو رَجَاءٍ،
_________
(^١) في نسخة الأعمش.
وَالْحَسَنُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَأَنْكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تَفَرَّدَ بِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وَأَبُو حَيْوَةَ وَرُوِيَتْ عَنْ قُنْبُلٍ بِالتَّحْتَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قَرَأَ حَفْصٌ فِي الْأَكْثَرِ عَنْهُ عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَكَذَا الْأَعْمَشُ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَأَبُو حَيْوَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ﴾ قُرِئَ (يُذِقْهُ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنَّهُمْ) قُرِئَ أَنَّهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْأَصْلُ: لِأَنَّهُمْ فَحُذِفَتِ اللَّامُ، نُقِلَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ إِعْرَابِ السَّمِينِ.
قَوْلُهُ: (وَيَمْشُونَ) قَرَأَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قَرَأَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْمَشُ حُجْرًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهِيَ لُغَةٌ، وَحَكَى أَبُو الْبَقَاءِ الْفَتْحَ عَنْ بَعْضِ الْمِصْرِيِّينَ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَقَلَهَا قِرَاءَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو عُمَرَ، وَالْحَسَنُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَوَافَقَهُمْ عَبْدُ الْوَارِثِ، وَمُعَاذٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَكَذَا مَحْبُوبٌ وَكَذَا الْحِمْصِيُّ مِنَ الشَّامِيِّينَ فِي نَقْلِ الْهُذَلِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُ بِضَمِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَرُوِيَتْ عَنْ مُعَاذٍ أَبِي حَلِيمَةَ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ وَضَمِّ اللَّامِ، وَالْأَصْلُ: (تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ) فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَقَلَهَا ابْنُ مِقْسَمٍ عَنِ الْمَكِّيِّ وَاخْتَارَهَا الْهُذَلِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ الْمَلَائِكَةَ بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَ جَنَاحُ بْنُ حُبَيْشٍ، وَالْخُفَافُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْخُفَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَشُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَنُنْزِلُ بِنُونَيْنِ الثَّانِيَةُ خَفِيفَةٌ الْمَلَائِكَةَ بِالنَّصْبِ، وَقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا، وَقَرَأَ هَارُونُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِمُثَنَّاةٍ أَوَّلَهُ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّفْعِ أَيْ تُنَزِّلُ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِفَتْحِ الزَّايِ وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ كَالْمَشْهُورِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ لَكِنْ بِأَلِفٍ أَوَّلَهُ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَزَلَتْ بِفَتْحٍ وَتَخْفِيفٍ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ فِي آخِرِهِ، وَعَنْهُ مِثْلُهُ لَكِنْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُشَدَّدًا، وَعَنْهُ تَنَزَّلَتْ بِمُثَنَّاةٍ فِي أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ بِوَزْنِ تَفَعَّلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ لَيْتَنِي.
قَوْلُهُ: (يَا وَيْلَتي) قَرَأَ الْحَسَنُ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ بِالْإِضَافَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَمَالَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَرَوْحٌ وَأَهْلُ مَكَّةَ - إِلَّا رِوَايَةَ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ قُنْبُلٍ - بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ قَوْمِي.
قَوْلُهُ: لِنُثَبِّتَ، قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ النُّونِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَبِي حُصَيْنٍ، وَأَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ قَرَأَ عَلِيٌّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ (فَدَمِّرَانِّهِمْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ بَيْنَهُمَا أَلِفُ تَثْنِيَةٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ بِغَيْرِ نُونٍ، وَالْخِطَابُ لِمُوسَى وَهَارُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ وَثَمُودَ بِغَيْرِ صَرْفٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أُمْطِرَتْ﴾ قَرَأَ مُعَاذٌ أَبُو حَلِيمَةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو نَهِيكَ (مُطِرَتْ) بِضَمِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الطَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (أُمْطِرُوا) وَعَنْهُ (أَمْطَرْنَاهُمْ).
قَوْلُهُ: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ بِضَمِ السِّينِ، وَأَبُو السَّمَّالِ أَيْضًا مِثْلَهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَحَفِيدُهُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ بِلَا هَمْزٍ. وَكَذَا قَرَأَ الضَّحَّاكُ لَكِنْ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: ﴿هُزُوًا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَالْمُفَضَّلُ بِإِسْكَانِ الزَّايِ
وَحَفْصٌ بِالضَّمِّ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (اخْتَارَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِنَا).
قَوْلُهُ: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيٌّ: (عَنْ عِبَادَةِ آلِهَتِنَا).
قَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَهَاءُ تَأْنِيثٍ وَهُوَ اسْمُ الشَّمْسِ، وَعَنْهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ قَرَأَ الشَّامِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (أَوْ يُبْصِرُونَ).
قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (جَعَلَ).
قَوْلُهُ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَالْحَسَنُ (الرِّيحُ).
قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ بِسُكُونِ الشِّينِ، وَتَابَعَهُمْ هَارُونُ الْأَعْوَرُ، وَخَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ وَطَائِفَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ سُكُونٍ، وَكَذَا قَرَأَ الْحَسَنُ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْعَلَاءُ بْنُ شَبَابَةَ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ النُّونِ، وَتَابَعَهُ عِيسَى الْهَمْدَانِيُّ، وَأَبَانُ بْنُ ثَعْلَبِ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ بِوَزْنِ حُبْلَى.
قَوْلُهُ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (لِنَنْشُرَ بِهِ).
قَوْلُهُ: مَيْتًا قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَعَاصِمٍ، وَالْأَعْمَشِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ قَرَأَ يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ بِتَخْفِيفِ آخِرِهِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَعَنْ قُتَيْبَةَ الْمَيَّالِ وَذَكَرَهَا الْفَرَّاءُ جَوَازًا لَا نَقْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ قَرَأَ عِكْرِمَةُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ بِسُكُونِ الذَّالِ مُخَفَّفًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾ قَرَأَ أَبُو حُصَيْنٍ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ وَنَقَلَهَا الْهُذَلِيُّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَقُتَيْبَةَ الْمَيَّالِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَاسْتَنْكَرَهَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَالِحٌ فَحَذَفَ الْأَلِفَ تَخْفِيفًا، قَالَ: مَعَ أَنَّ مَالِحٌ لَيْسَتْ فَصَيْحَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَحِجْرًا﴾ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ النُّونِ نَعْتًا لِلْحَيِّ، وَابْنُ مَعْدَانَ بِالنَّصْبِ قَالَ: عَلَى الْمَدْحِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قَرَأَ الْمَكِّيُّونَ وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، وَإِسْمَاعِيلُ ب
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом История здесь взята из хадиса Зейда ибн Сабита (да будет доволен им Аллах) самого. И здесь произошло, что ниспослано в том месте: «Не равны сидящие из верующих и борющиеся на пути Аллаха, кроме тех, кто имеет ущерб» — так произошло с отложением слов «غير أولي الضرر» (кроме тех, кто имеет ущерб), а в чтении (тилaват) «غير أولي الضرر» стоит перед «والمجاهدون في سبيل الله» (и борющиеся на пути Аллаха). И это уже было разъяснено как правильное с другой стороны от Исраила.
5 - ГЛАВА: Ниспослание Корана на семи аhruf (чтениях)
4991 - Сообщил нам Саид ибн Уфайр, сказал: сообщил мне Укайль от Ибн Шихаба, что Убайд Аллах ибн Абдуллах рассказал, что Ибн Аббас (да будет доволен им Аллах) передал ему, что Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Джибрил читал мне Коран на одном аhruf, я просил его прибавить, и он прибавлял мне, пока не дошли до семи аhruf».
4992 - Сообщил нам Саид ибн Уфайр, сказал: сообщил мне аль-Лайс, сообщил мне Укайль от Ибн Шихаба, что Урва ибн аз-Зубайр рассказал, что Мисвар ибн Махрама и Абдуррахман ибн Абд аль-Кари читали ему, что они слышали, как Умар ибн аль-Хаттаб говорил: «Я слышал, как Хишам ибн Хаким читал Суру аль-Фуркан при жизни Посланника Аллаха ﷺ, я слушал его чтение, и он читал на многих аhruf, которых не читал мне Посланник Аллаха ﷺ. Я почти схватил его во время молитвы, но сдержался до окончания, затем схватил его за одежду и спросил: «Кто учил тебя читать эту суру, которую я слышал?» Он ответил: «Посланник Аллаха ﷺ читал мне ее». Я сказал: «Ты лжешь, ибо Посланник Аллаха ﷺ читал ее иначе». Я повел его к Посланнику Аллаха ﷺ и сказал: «Я слышал, как этот человек читает суру аль-Фуркан на аhruf, которых Ты мне не читал». Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Пошли его, читай, Хишам». Он прочитал то чтение, которое я слышал, и Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Так она была ниспослана». Затем сказал: «Читай, Умар». Я прочитал то чтение, которое мне читал, и Посланник Аллаха ﷺ сказал: «Так она была ниспослана. Воистину, этот Коран ниспослан на семи аhruf, читайте то, что вам по силам»».
Слова: «Глава: Коран ниспослан на семи аhruf» означают, что ниспослан на семи лицах (аспектах), которые можно читать каждым из них. Не имеется в виду, что каждое слово или предложение читается на семи лицах, а имеется в виду, что максимальное число чтений в одном слове достигает семи. Если скажут: «Мы находим некоторые слова, которые читаются более чем на семи лицах», ответ будет, что большинство из них либо не подтверждает прибавление, либо относится к разнице в способе произношения, как в удлинении, искажении и тому подобном.
Говорят также, что не имеется в виду точное число семь, а имеется в виду облегчение и упрощение, и слово «семь» употребляется для обозначения множества в единственном числе, как «семьдесят» в десятках и «семьсот» в сотнях, и не имеется в виду конкретное число. К этому склонялся Ияд и те, кто следовал за ним.
Аль-Куртуби передал от Ибн Хиббана, что разногласия в значении «семи аhruf» достигли тридцати пяти мнений, и он упомянул только пять из них. Аль-Мундири сказал, что большинство из них не избрано, и я не встречал слов Ибн Хиббана по этому поводу после тщательного изучения его достоверных источников. Я упомяну мнения ученых по этому вопросу с разъяснением приемлемого и отвергаемого, если пожелает Аллах, в конце этой главы. Затем составитель упомянул в главе два хадиса, один из которых хадис Ибн Аббаса.
Слова: «Сообщил нам Саид ибн Уфайр» с пропуском и уменьшением фа — это Саид ибн Катир ибн Уфайр, который относится к своему деду, и он из хадисоведов Египта и их достоверных.
Слова: «Что Ибн Аббас (да будет доволен им Аллах) рассказал ему, что Посланник Аллаха ﷺ сказал» — это то, что Ибн Аббас не прямо заявил, что слышал от Пророка ﷺ, и кажется, что он слышал это от Убайя ибн Кааба. Насаи передал от Икримы ибн Халид, от Саида ибн Джубайра, от Ибн Аббаса, от Убайя ибн Кааба подобное, и этот хадис широко известен от Убайя, его передали Муслим и другие, как я упомяну.
Слова: «Джибрил читал мне на аhruf» — в первом хадисе Насаи от Убайя ибн Кааба сказано: «Посланник Аллаха ﷺ читал мне суру, и я был в мечети, когда услышал человека, читающего ее иначе, чем я». А у Муслима от Абдуррахмана ибн Аби Лайлы, от Убайя ибн Кааба сказано: «Я был в мечети, вошел человек и читал чтение, которое я не признал, затем вошел другой и читал другое чтение, отличное от чтения первого. После молитвы мы все пришли к Посланнику Аллаха ﷺ, и я сказал: «Этот читал чтение, которое я не признал, и другой читал другое чтение». Он приказал им читать, и Пророк ﷺ одобрил их, сказав: «Это упало на меня, как когда я был в невежества», и ударил в грудь, и я вспотел, словно видел Аллаха. Он сказал мне: «О Убай, пошли ко мне и читай Коран на аhruf»». У ат-Табари в этом хадисе сказано: «Я почувствовал в себе шепот шайтана, пока лицо мое не покраснело, и он ударил меня в грудь и сказал: «О Аллах, позорь шайтана»». У ат-Табари также есть другая версия от Убайя, что это произошло между ним и Ибн Масъудом, и что Пророк ﷺ сказал: «Вы оба хорошие». Убай сказал: «Я сказал: «Мы оба не лучше и не красивее»», и он ударил меня в грудь. Хадис.
Муслим разъяснил с другой стороны от Аби Лайлы, от Убайя, что место ниспослания было у Адаат Бани Гифар, и слова: «Воистину, Пророк ﷺ был у Адаат Бани Гифар, и пришел к нему Джибрил и сказал: «Воистину, Аллах повелевает тебе читать Коран своей умме на аhruf»». Хадис. Ат-Табари объяснил из этого пути, что упомянутая сура — сура ан-Нахль.
Слова: «Я просил его» — в передаче Муслима от Убайя: «Я просил его облегчить для моей уммы». В другой передаче: «Моя умма не выдержит этого». А у Абу Дауда с другой стороны от Убайя: «Ангел, который был со мной, сказал: «Скажи на двух аhruf», пока я не дошел до семи аhruf». В передаче Насаи от Анаса, от Убайя ибн Кааба: «Джибрил и Микаил пришли ко мне, и Джибрил сказал: «Читай Коран на одном аhruf», а Микаил сказал: «Проси прибавить»». У Ахмада от хадиса Абу Бакры подобное.
Слова: «Он прибавлял мне» — в хадисе Убайя: «Затем пришел второй и сказал: «На двух аhruf», затем третий: «На трех аhruf», затем четвертый: «Воистину, Аллах повелевает тебе читать умме на семи аhruf, и какой бы аhruf они ни читали, они попали в цель»». В передаче ат-Табари: «На семи аhruf из семи врат Рая», и в другой: «Кто читает какой-либо аhruf из них, тот так же, как и читал». В передаче Абу Дауда: «Затем сказал: «Нет из них, кроме как исцеляет и достаточно, если ты скажешь: Слышащий, Знающий, Могущий, Мудрый, если только не закончишь аят наказания милостью или аят милости наказанием». У ат-Тирмизи с другой стороны, что он ﷺ сказал: «О Джибрил, я послан к умме умми, среди них старуха, старец, юноша, девушка и человек, который никогда не читал книгу». Хадис. В хадисе Абу Бакры у Ахмада: «Все они достаточны и исцеляющи, как твое слово: «Иди и приходи», если только не закончишь хадис».
Эти хадисы укрепляют, что под аhruf понимаются языки или чтения.